أدب وفنون

“المومياء” لشادي عبد السلام في صوفيا

قرأت على الإنترنت أن المركز الفرنسي في صوفيا سيعرض فيلم (المومياء) للمخرج المصري الراحل شادي عبد السلام، في سياق فاعليات الاحتفال بأيام الفرانكوفونية. ما علاقة هذا بذاك، ولماذا هذا الفيلم بالذات الذي أُنتج قبل أكثر من أربعة عقود؟ رحتُ أسأل صديقي “غوغل”، قبل أن أرتدي ملابسي، واتجه مسرعة إلى صالة العرض.

بحسب “غوغل” فإن اسم الفيلم الكامل (المومياء… يوم أن تحصى السنين) وهو الفيلم الروائي الطويل والوحيد، في تجربة شادي عبد السلام السينمائية التي تنوعت ما بين تصميم الديكور والأزياء والإخراج والتدريس. كتب نصه وهو يعمل مع روبيرتو روسيلليني الذي كان يصور فيلمه (الحضارة) في القاهرة، والمخرج الإيطالي الشهير هو من زكّا السيناريو لدى وزير الثقافة المصري، ليدخل (المومياء) ضمن مشاريع مؤسسة السينما، ويبدأ تصويره، بعد ثلاثة أشهر من حرب حزيران 1967.

يتناول الفيلم موضوع سرقة الآثار الفرعونية، وهو مستوحى عن واقعة حقيقية حدثت أواخر القرن التاسع عشر، وقد أُنجز عام 1969، وشارك في العديد من المهرجانات الدولية، نال جائزة النقاد في مهرجان قرطاج 1970، وجائزة (هوغو) في مهرجان شيكاغو الدولي عام 1971، وبعد وفاة شادي عام 1986، قامت “مؤسسة مارتن سكورسيزى” للأفلام بترميم (المومياء)، واحتل المرتبة الأولى في استطلاع الأفلام الأجنبية الذي أُجري في فرنسا عام 1994، واختير واحدًا من أهم مئة فيلم في تاريخ السينما، من رابطة النقاد الدولية في فيينا.

كانت معلومات (غوغل) وفيرة ومثيرة للفضول، وحين دخلت صالة سلافيكوف في المركز الفرنسي، لاحظت حضور بعض العرب العاملين في السلك الدبلوماسي، وقبل بدء العرض ألقت سفيرة مصر في بلغاريا، منال الشناوي، كلمة باللغة الإنكليزية، ذكرت فيها أن بلدها انضم إلى المنظمة الفرانكوفونية منذ عام 1970، بعد ذلك كان فيلم (المومياء) تحفة سينمائية بكل مقاييس الفن، ولا سيّما إذا أخذنا بالحسبان زمن إنتاجه، وآلية تصويره بالكاميرا الثابتة.

قبل البداية نقرأ على الشاشة: “يا من تذهب سوف تعود/ يا من تنام سوف تصحو/ يا من تمضي سوف تُبعث”، ثم نتابع مشهدًا بانوراميًا يصور الآثار الفرعونية، بالتوازي مع صوت من خارج الكادر يقول “أعطني اسمي في البيت الكبير، وأعد إليّ الذاكرة يوم أن تُحصى السنين”، وكلها اقتباسات من “كتاب الموتى” ترجو الإله ألا يُنسى اسم المتوفي، لأن ضياع الاسم في الحضارة الفرعونية يعني ضياع الهوية، وروح بلا هوية، ستظل هائمة ولن تحظى بحياة أخرى.

على وقع الدعاء تنتقل عدسة التصوير من الفضاء الخارجي إلى مشهد داخلي في غرفة تجتمع فيها بعثة أثرية، ونفهم من الأحاديث المقتضبة أن ثمة دلائل تشير إلى لقى وحلي ورقيمات فرعونية في مكان مجهول من طيبة، يجري تهريبها إلى خارج مصر، ويتبرع أحد أفراد البعثة -على الأرجح هو جاستون ماسبيرو- بالذهاب إلى المنطقة ومراقبة الوضع، ومنذ هذا المشهد الاستهلالي يضع المخرج المفاتيح التي سيسير وفقها فيلمه، وهي أنه لا يقدم وثيقة تاريخية بل عملًا إبداعيًا، يعتمد على رمزية الصورة ومبدأ التلميح لا الشرح، وعلى الأسماء المستعارة، والحوار باللغة الفصحى، وبأقل قدر من الكلام.

بعد مشهد التمهيد، نعود إلى منطقة البداية التي ستجري فيها بقية الأحداث، أي صحراء الأقصر بالقرب من قرية القرنة، منطقة نائية، معزولة عن العالم الخارجي، تسكنها قبيلة “الحربات” في بيوت من الطين، متناثرة على الجبل بين الآثار الفرعونية والرمال، وسوف تكون مكونات هذه البيئة الطبيعة، هي عناصر الديكور وتشكيل الكادر الذي صممه المخرج بنفسه، ليغدو فضاء الفيلم أشبه بلوحات فنية، تفيض بنزعتها التعبيرية، وجمالياتها الخاصة القائمة على التضاد اللوني.

تبدأ القصة من موت سليم شيخ قبيلة “الحربات” ومشاهد تشييعه ودفنه، وفي الجنازة يتقدم أخوه إلى ولديّ المتوفي، ويخبرهما أنه آن الأوان ليطلعا على سر العائلة، وفي الليل يقودهما باتجاه مكان قصيّ، أشبه بالمغارة، وهناك تجول عينا الشقيقين بذهول على توابيت المومياء التي تملأ المكان، فيما يفتح العم أحدها، ويستخرج منه عقدًا نفيسًا، يقدمه للأخ الأكبر كي يبيعه لتاجر الآثار أيوب، ويطعم بثمنه أبناء القبيلة، بعد أن غدت في عهدته، ومع هذا يكون المخرج أخبرنا عن سيرة أسياد القبيلة في نهب الآثار الفرعونية، وبيعها في السوق السوداء، ومهّد للحدث الذي سيقلب حياتها رأسا على عقب.

يستهجن الأخ الأكبر أمر سرقة الآثار، ويرفض أن يشارك في الجريمة، ويقرر أن يغادر القبيلة، فيُقتل طعنًا بسكين عمه، وهو على متن مركب الرحيل. فيما يعيش الأخ الأصغر ونيس (أحمد مرعي) صراعًا مريرًا من تبكيت الضمير، يبدأ بحديثه لنفسه: “ما هذا السر؟ جعلتني أخشى النظر إليكَ يا أبي. ما هذا السر؟ العلم به ذنب، والجهل به ذنب أكبر”، وحين يحاول التعبير عن رفضه يتعرض للضرب أكثر من مرة.

تمضي مشاهد الفيلم بتتابع مدروس، ومقسّم إلى وحدات متساوية على مبدأ المونتاج لدى أينزشتاين، وكل اللقطات تُفسح المجال واسعًا أمام تعبيرات العين وقسمات الوجه وحركة الجسد، وهي تعبيرات تتكامل وتندغم في التكوين العام للكادر وفي تشكيله اللوني الذي تصنعه الإنارة الطبيعة، الشمس نهارًا والمشاعل والشموع في الليل، يُضاف إليها لون البيئة الرملية، ولون الزيّ الموحّد، الأسود لأفراد قبيلة “الحربات”، والأبيض لطاقم البعثة الأثرية من الموظفين والحرس، أو “الأفندية” الذين تزامن وصولهم إلى شواطئ القرنة مع وفاة الشيخ سليم.

عند النهايات ينتصر صوت ضمير ونيس، ويحسم صراعه الداخلي بأن يذهب إلى مقر البعثة، ويبلغ قائدها عن سرقة قبيلته للآثار المصرية، القائد الذي يتسلل ليلًا مع حرسه إلى المكان الموصوف، ويكتشف في عام 1881 ما بات يُعرف بخبيئة “مومياوات الدير البحري” في طيبة، الكنز المكوّن من أربعين تابوتًا لأعظم فراعنة مصر، أحمس الأول وسيتي الأول ورمسيس الثاني، وغيرهم من الأسر المالكة، إلى جانب الكثير من صفحات “كتاب الموتى”، وفيه يقول عمّن رأى: “خلقت الآلهة من عَرَقي والبشر من دموعي”.

13/5/2017

المومياء: فيلم روائي بالألوان (104د)، إنتاج المؤسسة العامة للسينما 1969، قصة وسيناريو وحوار وديكور وأزياء شادي عبد السلام، مدير التصوير عبد العزيز فهمي، موسيقى ماريو ناشيمبينى، مونتاج كمال أبو العلا، تمثيل: أحمد مرعي، عبد العظيم عبد الحق، زوزو حمدي الحكيم، محمد نبيه، محمد مرشد، وضيفة الشرف نادية لطفي.

 

مقالات ذات صلة

إغلاق