أدب وفنون

مقالة في العبودية المختارة

قبل أيام وضعت تساؤلًا مشروعًا:

لماذا يسهل علينا قراءة هوميروس وسرفانتس وشكسبير وابن المقفع والجاحظ، والفلاسفة وغيرهم، ونفهمهم، ويسهل علينا التواصل معهم، ونتمنى أن نقتدي بأفكارهم، بينما يصعب علينا التواصل مع الكثير من الناس في عصرنا وزماننا، بالقرب منّا، بل إلى جوارنا؟!

في يدي كتاب صغير، هو مقالة لا تتجاوز خمسة وثلاثين صفحة، كتبها إيتيان دي لابويسيه، من مدينة بوردو الفرنسية، بعنوان: (مقالة في العبودية المختارة)، في العام 1553.

يشعر المرء، عندما يقرأ الكتاب أن ثمة علاقةً بيننا وبين هذا الكاتب، علاقةً فكرية وروحية وهمومًا مشتركة تتعلق بهاجس الحرية، وعلاقة ذلك بالإنسان والطبيعة.

إن لابويسيه الذي ولد عام 1530 وتوفي عام 1563، يجمعني به فكريًا أكثر مما يجمعني أبي وأخي بهما. أنا ولابويسيه كلانا -مثل الكثير من الناس في عصره وعصرنا- نرفض التصالح مع مفهوم العبودية والاستلاب، وتربطني به أيضًا فكرة تجاوز الزمن وربطه بمفهوم خالد، هو مفهوم الحرية. لقد اختصر الزمن والوقت وقربه من زمننا والزمن القادم. ويستطيع المرء أن يرى درجة التقارب بين الإنسان الحر فكريًا، في القرن السادس عشر، والقرن الواحد والعشرين.

ويطرح السؤال: لماذا يقيم في قرارة نفس بعض الكتّاب والفلاسفة والمفكرين والفنانين والشعراء، هاجس الحرية، ومحاولة التماهي معها، مع الطبيعة، بينما ينحو العامة نحو قبول العبودية طوعًا، بأشكالها المتعددة، وقبول الأمر الواقع؟ هذه أسئلة مشروعة وستبقى كذلك قائمة إلى أن تركن الحقيقة إلى الحقيقة.

عمليًا، يقف المرء حائرًا أمام نفسه، وأمام مرارة الحياة، ويطرح السؤال التالي: لماذا، أو كيف، تأقلم الإنسان مع العالم العبودي تاريخيًا، وقبل بها؟

لماذا يقبل بخيار العبودية كحالة دونية، ويتنازل طوعًا عن بقية الخيارات، ومنها الحرية؟ لماذا اختار اسوأ الخيارات: أن يبقى مستلبًا، عاجزًا أمام نفسه والتاريخ؟ مثل السؤال المشروع الذي طرحه إيتيان، في منتصف القرن السادس عشر: “جميع الكائنات الحاصلة على الحس، تشعر إذ تحصل عليه بألم خضوعها، وتسعى وراء حريتها، ولمّا كانت الحيوانات، وهي المجعولة لخدمة الإنسان، لا تستطيع أن تألف العبودية دون أن تبدي احتجاجًا يعرب عن الرغبة في الضدّ، فما هي تلك الرذيلة التي استطاعت أن تمسخ طبيعة الإنسان، وهو -وحدَه- المولود حقيقة ليعيش حرًا، وأن تجعله ينسى ذكرى وجوده الأول، وينسى الرغبة في استعادته”؟

ويضيف في مكان آخر: “كيف استطاعت جذوة هذه الإرادة العنيدة إرادة العبودية، أن تبقى إلى هذا المدى البعيد؛ حتى صارت الحرية نفسها تبدو اليوم كأنها شيء لا يمت إلى الطبيعة بصلة”.

الحرية والعبودية تناقضان يكمنان في النفس الإنسانية، يمكن أن ترتقي الحرية إلى السماء وتلتصق بالخلود الذي ولدت منه وفيه، ويمكن أن ترضخ وتهبط إلى الأسفل. لهذا نسأل أنفسنا: هل تركت لنا الطبيعة والوجود حرية الاختيار، من دون أن نقوى على التصالح مع أحد الخيارين؟ هل في داخل كل واحد منّا عبدٌ صغير قابع في أعماقنا، في لاشعورنا، ننميه عندما نريد، ونطلقه عندما نريد؟ لماذا نرى أن خيار العبودية أسهل بينما في الحقيقة هو أسوأ بكثير؟

هل هناك علاقة بين التوحش والعبودية؟ وكلما كان الإنسان أكثر إنسانية، كلما أصبح أكثر قربًا من مفهوم الحرية؟

 مفهوم الحرية من أكثر المفاهيم التباسًا، وصعوبة في البحث والدراسة. لهذا يمكننا أن نطرح السؤال بضمير مرتاح: هل الحرية ثقافة، ممارسة، تراكم، فضيلة، وعي؟ أم هي معطى وجودي، نتنازل عنه طوعًا، ونحتاج إلى الإرادة الواعية لتطويعه؟

هل ظاهرة المخلص التي تتكئ عليها الشعوب جاءت لسد الفراغ، أم أن لها جذورًا عميقة في لاوعي الإنسان؟

كما هو معروف أن هذه الظاهرة ليست جديدة، تكونت عبر أيديولوجيات خلوصية، شمولية تاريخية كبديل عن الحرية. فبدلًا من معالجة مفهوم الحرية، وتعميقه جرى التفاف عليه عبر الاستناد على الأنبياء والرسل والقائد الكاريزمي لدرجة أصبحت متجذرة في لاوعي البشر وجزءًا من تكوينهم النفسي، بحيث يعطيهم إحساسًا مزيفًا بالأمان والقوة، بدلاً عن الحرية.

إن الخوف الوجودي يدفع الإنسان لطلب الحماية، بعيدًا عن مفهوم الحرية، ولهذا نرى أن الفكر الخلوصي يدخل قلوب الناس أسرع بكثير، من أي فكر عقلاني ناضح بالحقيقة.

تناقضات المجتمع في القرن السادس عشر لم تكن بالصلابة التي عليها اليوم. فقد انتقلت العبودية من العلاقة المباشرة بين السيد والعبد إلى المؤسسة، المعمل، المصنع، السلعة بكل حمولتها الثقافية والاجتماعية والغربة في عصرنا.

إن المؤسسة تنظيم في منتهى الدقة، متفرع وموزع على عدة أقسام وأجزاء، وأجزاء الأجزاء، ليتحول الإنسان إلى عبد في يد سيدٍ غير مرئي، مقيد بالقوانين والأنظمة الصارمة التي تكبله وتحوله إلى مجرد آلة في مكنة لها مسنن كبير يطحن الجميع، ولا يمكن لمسه باليد أو رؤيته بالعين. فالعبودية تحولت إلى كومة إرادات مستقلة عن إرادة الإنسان وشروط بقائه. إنه يركض وراء عبوديته بإرادته، ليدخل هذه المنظومة الاستلابية، من دون أن يكون له خيار الانفكاك عنها.

إن تمأسس الإنسان المعاصر جعله خاضعًا، لا يعي شرط وجوده المنفصل عنه. ففي السابق لم يكن هناك آليات منظمة لإخضاع الإنسان، ولم تكن السلطة ونخبها منظمة بهذه الدقة والصرامة. أما اليوم، فهناك مراكز أبحاث ودراسات نفسية وفكرية واجتماعية وسياسية، تسهر على إبقاء الإنسان مستلبًا مهزومًا، مكسورًا من الداخل. وتعمل المدارس والبرامج الاجتماعية ووسائل الإعلام على تفتيت داخله، وتهميشه، ليتحول إلى غريب داخل غربة قاتلة، يبحث عن مكان يضع عليه قدمه.

إن صرخة إيتيان دي لابويسيه زادت بعدًا، عما كانت عليه في زمنه: “غدت الحرية تبدو اليوم شيئًا لا يمتّ إلى الطبيعة”. كيف حصل هذا للإنسان بهذه السهولة، مع أن “الحيوان لا يتنازل عن حريته إلا بعد دفاع”.

إن مفهوم الحرية يحتاج إلى تجريد عال، من أجل الوصول إليه، يبدأ بتفكيك مفهوم العبودية، ووضع الأسس والمفاهيم التي تنقل الإنسان إلى عالم العدالة والقيم والجمال.  فالطريق إلى الحرية، في زمن إيتيان، كان أكثر سهولة وبساطة من زمننا، زمن المؤسسة والدولة بتعقيد علاقتها ببعضها وبالمجتمع، وتحويل الأنا العليا للإنسان من حالة عمودية لتصبح أفقية. بمعنى، ان الأنا العليا، أي النخبة المالية والسلطة، مدمرة، تحوز على الثروة العالمية والمحلية. لهذا نرى أن طريق الحرية يحتاج إلى إرادة أفقية، أن يأخذ المجتمع دوره، ويتحول إلى أنا أعلى أفقي، كلي، يربط مصالحه ببعضه عبر تنظيم العلاقة من جديد، وإرساء انتقالات جديدة عن طريق المجتمع المدني والمجالس البلدية المحلية، وسحب البساط من النخب لتتحول إلى المجتمع، وأن تنحل الدولة في المجتمع وتعم المكاسب على مجموع البشرية كلها، وتأمين ورعاية الطبيعة وكائناتها.

مهما كان هناك علاقة بين الحرية والوعي -كما كتب إيتيه- لا يمكن تجاوز الواقع الذي يشدنا إلى تحت.

مقالات ذات صلة

إغلاق