تحقيقات وتقارير سياسية

حُقن “الأسد” القومية والإعلامية

لا شيء أكثر بهجة في إعلام النظام السوري وإعلام محور طهران، من تلك الأخبار المصحوبة بمشاهد استقبال الأسد لوفودٍ “تمثل” تيارات متعددة الأسماء: قومية، وطنية وإعلامية، منها غربية وعربية. وجهت سؤالي لصحفي فرنسي -في ندوة عن واقع اللاجئين السوريين في فرنسا عُقدت مؤخرًا- عن جدوى ذهاب بعض البرلمانيين الفرنسيين إلى قصر الأسد، وتقديم التلميع المستمر له بإجراء المقابلات الإعلامية. كان الجواب إن تسعة برلمانيين من أصل خمسمئة برلماني لا يشكلون في إطار الصورة المظلمة إلا ومضات عار، وأردف أن للإجرام مؤيدين، أينما توجهت ستجد مناصرين للفاشية والعنصرية والتطرف.

موضوع البهجة الذي تستهدفه وسائل إعلام النظام يكاد لا يخرج عن نطاق السؤال المتعلق بطبيعة الدور الذي تلعبه تلك القوى أو التيارات والشخصيات الحزبية والفنية والقومية، عقب انسحابهم من وعي الشارع العربي، وعودتهم لميدان قصر الأسد لانتهاج دور جديد، بالتركيز على سبل دعم “الانتصار” الذي تحققه ميليشياته على الشعب السوري. قبل ثلاثة أعوام وقف قيادي فلسطيني محسوب على تنظيم يساري “ثوري” الأيديولوجيا، على منصة دار الأسد للأوبرا في مؤتمر ما سمي الجاليات الفلسطينية، متسائلًا: لماذا لا يُسمح لنا -القوميين واليسارين والإسلاميين المتنورين- بالقتال في الدفاع عن سورية، النظام باق.. سيادة الرئيس باق.. في الحفل ذاته، وقف نائب أمين عام التنظيم ذاته، ليوجه التحية لمقاتلي حزب الله والجيش العربي السوري، في الوقت الذي كانت فيه جموع اللاجئين السوريين تنزح تحت ضرباتهم.

قبل أيام استقبل الأسد وفدَ ما يسمى المؤتمر القومي العربي لدعم فلسطين، وكرر أمامه العبارات ذاتها عن المؤامرات التي تستهدفه، وسمع منه ثناء وتأييدًا. مع توافد وفود بعض الفنانين من مصر لتأدية الدور ذاته، تكشف الوظائف التي يؤديها منتسبو تلك القطاعات عن جوانب بالغة الأهمية من اتساع رقعة الاعتماد عليها من قبل الأسد، وتبيّن في الوقت نفسه مدى تغلغل النظام في عناوين، كانت ترمي في علاقتها الوثيقة مع الشارع العربي لتكريس مفردات متعلقة بالأصل بالإنسان وتحرره. التعرف إلى طبيعة الأدوار التي يمارسها هذا الخليط المطعم من القوميين والفنانين إلى أحزاب ونخب يستند إلى نقطة أساسية منطلقة من معاني الانهيار الأخلاقي المرتبط بسلوك النظام، وارتباط هذا الخليط معه بعد خسارته للشارع، لذلك نجد انهماكًا ورغبةً في ممارسة أنشطة المؤازرة للنظام، كآخر الأنشطة المتاحة أمامها، بعد إغلاق الميادين في وجهها.

ازدادت، في السنوات الست الماضية، عملية المؤازرة التي أخذت على عاتقها ثلة، وضعت تركيزها على نواحي تلائم هجمة النظام وإبراز دوره “الفذ” المتميز، لكن إذا ما سألت واحدًا من القوميين المؤازرين للأسد، عن المؤلَف الذي قدمه الأسد تفوقًا على قسطنطين زريق أو ساطع الحصري، أو جورج حبش وباسل الكبيسي وغيرهم، ليتذلل له العقل، فلا تجد غير التذلل والابتذال، كنهج ينتهي لتبرئة السفاح والطاغية، ويجعله بمنأى عن الجرائم، منزهًا إياه عن كل نزعة رمى بها المجتمع السوري، وهو ما يؤلف من دون ريب أزمة ضميرية وأخلاقية وإنسانية في نظرية العلاقة المرصودة بين النخب والطغاة، في زمن التحولات المصيرية، يحمل الانكشاف السوري المدى الكامل لتلك القيم على الحياة العامة والأفكار والثقافة والسياسة، من خلال تقديم العوامل التي تعدّ إسهامًا في الحفاظ على وتيرة الوضع الموصوف، بسيادة الطاغية.

يبقى القول: إن الاعتبارات السياسية المصلحية تنتصر على اعتبارات النواظم الأخلاقية والأيديولوجية التي تشدق بها المؤازرون، استطاع النظام استيعابهم ضمن بوتقة واحدة لاستخدامهم “كقيمة تسويقية مرتفعة” على منابره، تضمن له في نهاية المطاف إكمال الجريمة، وتؤمن له حقنًا جديدة تستطيع إظهار جرائمه بطولات.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق