قضايا المجتمع

إنها: “هيئة سلطات باغية متحدة” وليست: “هيئة أمم ذات سيادة متحدة”

(1)

لا بد لفهم (القانون الدولي) ومؤسساته من البحث عن جذوره التي تمتد من مجلس الأمن ومجاله هيئة الأمم المتحدة إلى عصبة الأمم المتحدة إلى الاتحاد الأوروبي، إلى الحلف المقدس، إلى الدول الرأسمالية الأوروبية التي امتدت في تلك المؤسسات، تصوغ القوانين، وتستصدر القرارات، وتطلق صفة “المشروعية الدولية” على تصرفاتها، بينما تصف وتصنّف كل تصرف آخر يتمرد على إرادتها، بأنه إرهاب، وهمجية، بعد أن منحت نفسها حق وراثة الإمبراطوريات البائدة، وبعد أن ضاقت بأطماعها (تلك الجمهورية التجارية الواسعة التي تكوّن أوروبا الرأسمالية) كما قال “دوبوي”، فاحتلال أراضي الشعوب في مختلف أرجاء العالم، ونهب ثرواتها، وإمكاناتها المادية، والبشرية لم يعد يُسمى (غزوًا)، لقد اكتسى صفة “قانونية” وأصبح اسمه (استعمار)، ويتم بقرارات لها صفة الشرعية الدولية: انتداب، أو وصاية، أو حماية، أو جزء من أرض التاج البريطاني “كومنولث”، أو امتداد لسيادة الجمهورية الفرنسية “فرانكوفونية”، أو أن وجود هذه الدولة، وذلك النظام في العالم هو جزء من الأمن القومي لدولة الولايات المتحدة الأمريكية، فهذا رئيس دولة الولايات المتحدة الأمريكية جورج بوش 1990 يقول بالحرف الواحد: “لن أتنازل عن شبر واحد من أرض الكويت”(5). وسواء كانت الكويت دولة مستقلة ذات سيادة وراثة في أسرة المغفور له مبارك الصباح، أو كانت جزءًا من جمهورية العراق، أو كما هي حقًا جزء من الأمة العربية -أرضًا وشعبًا- فإنها على أي حال ليست حيًا من أحياء واشنطن، وليست جزءًا من دولة الولايات المتحدة الأمريكية حتى يتنازل، أو لا يتنازل عنها رئيس دولة الولايات المتحدة الأمريكية. فهل هي زلة لسان من رئيس الدولة العظمى، أم أن جرثومة الرأسمالية التي تسللت إلى (مؤسسات القانون الدولي) جعلت التمييز بالغ الصعوبة بين ما (للشرعية الدولية)، وما (للدول العظمى)؟

(2)

ويُعبّر “دوبوي” عن أزمة القانون الدولي التي تبدو بشكل متواز لمخططه الثلاثي المؤلف من: قوامه، وانسجامه، وكيانه، فيقول (1):

1- “لقد أصبح الرأي العام عنصرًا مهمًا في العلاقات السائدة بين الحكومات، فنفسية الشعوب تلعب دورًا متزايدًا في المجال الذي كان محصورًا بالدبلوماسيين الذين كانوا يستطيعون التكلم بلغة واحدة”.

2- “لقد أثير الجدل حول الصيغة العالمية للقانون الدولي، فالدول التي تحررّت حديثًا، من نير الاستعمار، ترفض أحيانًا قانونًا مُستمدًا من أوروبا، و(الدين المسيحي) فرضه عليها النفوذ الاستعماري، وأخذت تطالب بأن تضع بنفسها قانونًا عالميًا أصليًا، (وقد عبّر عبد الناصر عن هذا الموقف عام 1956 عندما عدّل من جانب واحد نظام قناة السويس الذي وضعه (الاتحاد الأوروبي) عام 1888 بشكل لا تستطيع مصر ذاتها مسّه، أو تعديله)، كذلك في عام 1961 اجتاحت الهند المناطق البرتغالية المحتلة في اقليمها، وبررّت تدخلها بانتهاء عصر الاستعمار. ولكن الدول الكبرى ما تزال ترى في القوة حليفًا مهمًا، لأنها تخلق فعليًا الوضع الذي يبنون عليه تفسير القاعدة التي يدعونها”.

3-“ظهور المنظمات الدولية ذات الطابع العالمي، أو المحدود، والدول التي أنشأتها تحاول أن تمنحها سلطات تضاهي سلطات تلك الدول، وقد انبثقت عن هذا الوضع قضايا جديدة لا تمت بصلة إلى القانون الكلاسيكي الذي ينظم العلاقات بين الدول دون أن تستطيع أي سلطة تحويره؛ ولذلك فإن قضية الأساس العلمي للقانون الدولي تُطرح من جديد على بساط البحث بشروط حديثة”.

هكذا نلاحظ، من دراسة الأسباب التي ساقها دوبوي، أزمة القانون الدولي: إن التطور الذي صاحب حركات التحرر من الاستعمار أولًا، ومن الهيمنة الامبريالية ثانيًا، قد بدأ يؤثر تأثيرًا فعالًا على الأسس القانونية، والاقتصادية، والسياسية التي صاغت بها دول الهيمنة قواعد العلاقات الدولية. على الرغم من العوائق بالغة التعقيد التي فرضتها دول الهيمنة على شعوب العالم مما يفتح نافذة للأمل بإن تلك الشعوب ستتمكن من الانتقال خطوة مهمة إلى الأمام على طريق علاقات دولية متوازنة تحكمها قوانين دولية لها سمات القوانين عدلًا، ومساواة.

4-وبما أن الدول هي أشخاص (القانون الدولي)، والدول أشخاص ذات سيادة، وتخضع إلى سلطة تضع القانون الداخلي المُلزم، وتفرض احترامه بالإكراه، فإن مدى التزامها، أو إلزامها بقواعد (القانون الدولي) يتوقف على مدى توافق هذا القانون مع رؤيتها الإنسانية للعالم من جهة، وعلى امتلاك مؤسسات (القانون الدولي) قوى حقيقية قادرة على الإلزام، وهكذا فقد تحولت مؤسسات (القانون الدولي) إلى حلبة للصراع بين دول الهيمنة التي صاغت قوانين، وقواعد تلك المؤسسات لتحشد (دول العالم) بعد أن تدخلت في تأسيسها وتحديد نظمها إلى اقصى حد ممكن في الجمعية العامة للأمم المتحدة) التي لا حول لها ولا قوة، بينما تُسيطر دول الهيمنة على مجلس الأمن الذي يُصدر القرارات، ويمكن أن يحرك الجيوش، فتكون النتيجة أن دول الهيمنة تضفي بذلك على قراراتها بالغزو، أو التدخل، أو الاخلال بالتوازن صفة (القانون الدولي)، وبجرة قلم من ممثل إحدى الدول الخمس السيدة في المجلس، ويمكن اختصارها إلى واحدة، كما يحدث في بعض الأحيان برفع يد واحدة، يصدر القرار، أولا يصدر.

(3)

ورغم ذلك كله، فإننا مطالبون بملاحقة المجلدات الضخمة التي يجهد فقهاء القانون أنفسهم في تدبيجها عن التطور الايجابي في (العلاقات الدولية المتوازنة)، والقانون الدولي، والنظام العالمي الجديد، والشرعية الدولية، على الرغم من أن أي دارس منصف للتاريخ البشري لا يمكن أن يعثر في أي موقع، وفي أي لحظة من ذلك التاريخ المديد على أن شيخ قبيلة، أو (رب) أسرة، أو حاكم، أو أمير، أو ملك، أو سلطان، أو خليفة، أو إمبراطور، امتلك مثل تلك السلطة الشاملة بحيث يستطيع أن يضع (ممثلي دول العالم قاطبة) في حجرة خلفية، ثم يصدر باسمهم جميعًا القرارات التي تخدم مصلحته، أو كما يسمونها: (الأمن القومي لدولته) ثم يُسبغ على تلك القرارات سمة (القرارات الدولية)، ويصبح أي متمرد عليها (خارجًا على القانون الدولي)، وعلى (الشرعية الدولية)، وعلى دول العالم أن تدفع جيوشها، وأموالها، وتُسخّر إمكاناتها البشرية، والمادية لتنفيذ تلك القرارات، وعلى مدى تلك المساهمات، تُقدر قيمته الحضارية، ومساهمته في انتصار (الشرعية الدولية)!.

يقول “دوبوي”، وهو يُميّز بين القانونين الداخلي والدولي: “إن القانون الدولي يُعّد قانون تنسيق يكتفي بتجنيد التعاون بين الدول، ولما كانت هذه الدول لا تخضع إلى أي سلطة تعلو عليها، فإن اتصالها فيما بينها يتم وفقًا لإرادتها، وتبقى كل واحدة منها صاحبة السيادة في تقدير مدى حقوقها، ومؤدى ذلك أن جميع الدول لا تتصور معنى القاعدة الحقوقية بشكل واحد، وبما أنها تتجه نحو تجزئة مصالحها الرئيسية إلى قيم مقدسة، فإن السلم يصبح أمرًا غير مضمون. ولذلك فإن جميع أنصار السلم قد هاجموا عن طريق القانون (فكرة السيادة)، فهي العقبة الرئيسة لتفوق القانون الدولي على الأشخاص التابعين له”(2).

(4)

إن ما يقوله “دوبوي” قاله “لاسكي”، وقاله كبار فقهاء القانون الدولي في أوروبا، وما يثير الانتباه هو هذا التعميم (سيادة الدول هي التي تعيق سيادة القانون الدولي)، نعم، لكن أي دول؟ هناك دول تفرض سيادتها على سيادة القانون الدولي، وعلى سيادة الدول الأخرى أيضًا، فهل هي سواء؟

لقد حاولنا، بأكبر قدر من الاختصار، أن نبحث في تاريخ العلاقات الدولية لنصل إلى أساس الأزمة التي تعاني منها منظمات، ومؤسسات (القانون الدولي)، لقد بُنيت تلك المؤسسات، وصيغت مواد القانون الدولي بالطريقة ذاتها التي بنى فيها الرأسماليون الأوروبيون مؤسسات دولهم، ثم مؤسسات القانون الدولي للهيمنة على العالم؛ فالحلف المقدس تمخّض عن الاتحاد الأوروبي الذي تمخّض عن عصبة الأمم المتحدة التي تمخضّت عن هيئة الأمم المتحدة التي تمخضّت عن مجلس الأمن، ووفق القانون الرأسمالي ذاته (من يملك هناك في الدولة يحكم)، وفي المؤسسة الدولية من يمتلك القوة (يمتلك قلم الفيتو)، وهكذا..

ولو بحثنا عن هذا الأثر في (متن القانون الدولي) لعثرنا عليه واضحًا: (دعه يعمل، دعه يمر، و(القانون لا تحدّه إلا القوة)، هكذا تحولت الأعراف بين القراصنة في البحار إلى (قواعد للقانون الدولي)، وهكذا حُددّت حدود المياه الإقليمية للدول بثلاثة أميال عندما كان المدى الأقصى لمدفعية السفن بتلك المسافة، وعندما تطورت المدفعية ليصبح مداها 12 ميلًا، امتدت المياه الإقليمية للمسافة ذاتها.

(5)

وهكذا، فإن الحصار البحري يُصبح قانونيًا إذا امتلك صاحب الحصار القدرة على تنفيذه، وإلا فلا. وهكذا يُحدّد المجال الجوي بمقدرة أجهزة الرادار، والمدفعية على الرؤية، والإسقاط، وهكذا، فإن الدول (صاحبة المقدرة) تملك الحق بمقتضى (القانون الدولي) أن تُرسل إلى الفضاء أقمارًا صناعية للتجسّس على أي دولة تشاء، وتلك الأقمار التي تصل قدرتها التجسسّية إلى تصوير أي شيء بحجم البرتقالة، وتتمكن من قراءة أرقام العربات، وتتمكن من التقاط الإشارات اللاسلكية، والتقاط المكالمات الهاتفية… وكل هذا ليس اعتداء على سيادة الدول (ذات السيادة)، ولا يُعاقب عليه القانون الدولي، ولا تهتز له مشاعر الشرعية الدولية.. صحيح أن لدولة “إفريقيا الوسطى” أن تفعل ذلك، وأن ترسل أقمارًا صناعية للتجسس على دولة الولايات المتحدة، لكنها لا تفعل ذلك، إما لأنها لا تستطيع، وإما لأن نظرتها الإنسانية للعالم لا تدفعها للتجسس على الآخرين. القول الفصل في المسألة هو: هل القوة هي مصدر القانون الدولي أم العدالة والمساواة؟ هل استبدال أدوات الجريمة بأدوات أخرى يحولها من جريمة إلى عمل مشروع؟ وهل استبدال الجواسيس على الأرض بالأقمار الصناعية يحول التجسس إلى عمل مشروع يستحق الثناء لدقته العلمية، وتنبهر له الأبصار، والعقول، كما انبهرت للدقة التي تمكنت الطائرات الأمريكية بها -من علو شاهق- أن تدخل صواريخها الذكية إلى الملاجئ في بغداد من فوهات التهوية لتقتل (بحضارة متناهية) النساء، والأطفال تحت علم “الشرعية الدولية” بينما مواجهة قوات الاحتلال (أي احتلال) عمل إرهابي همجي شنيع، وفق ذات الشرعية الدولية العتيدة؟!

هذا هو السؤال قد نكون ذهبنا بعيدًا، لكن البحث في القوانين، والغوص في نظرياتها، وأسسها، والمماحكات التي تدور من حولها دون تتبع أثر تلك القوانين في الواقع الموضوعي هو مضيعة للوقت وتشويه للقانون كمبدأ، أو كشرعة، ومشروعية. ونقول مع د. عصمت سيف الدولة: (إن هيئة الأمم المتحدة ستظل منظمة غير مشروعة إلى أن تكون منظمة “أمم” متحدة، لا مؤسسة “دول” صنعتها وتديرها القوى الباغية على ما تريد) (3). وهذا يقودنا للحديث عن مصدر تلك القوى الباغية: إنه الاستعمار.

هوامش، ومراجع:

(1) رنيه جان دوبوي- القانون الدولي – صفحة (23) وما بعد.

(2) المصدر السابق- صفحة (6).

(3) د. عصمت سيف الدولة- نظرية الثورة العربية- الكتاب السابع مصدر سابق- صفحة (123).

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق