تحقيقات وتقارير سياسية

الشباب الديمقراطي أمام مرآة عيوبه

إذا مشيت اليوم، في أي شارع من شوارع العواصم الأوروبية، قد تلمح تظاهرة مناصرة للثورة السورية، ترفع علمها وتملؤها لافتات الأيام الأولى التي تعبر عن الحرية والمساواة والكرامة والمواطنة ووحدة الشعب السوري، وعادة ما تجد في هذه التظاهرة أو تلك شبابًا من الذين ركضوا في الأيام الأولى، تحت الرصاص والنار في شوارع درعا أو حماة أو حلب، واعتُقلوا، يقفون بين صفوف المتظاهرين، وفي أكثر الأحيان لا يهتفون، بل يحاطون بالعشرات الذين يتداولون معهم الحديث، ولوهلة تقف لتقول: “هل هذا نحن؟”.

تجمعت على الشباب الديمقراطي السوري الذي اشترك في الثورة، بل وصنعها عشرات الأسباب التي أدت بمعظمه لاجئًا خارج الحدود، يكمل حياته الطبيعية أو ينشط في منظمة ما أو يحاول أن يخلق ويشارك في حراك ما، في مكان تواجده لصالح الثورة السورية، ولكن الجميع يدرك أن مهمته ليست هنا، وإنما هناك في سورية حيث بدأها، ويلخص الشباب الأسباب التي أدت إلى نفيهم وسرقة ثورتهم “الشبابية” منهم بـ: عجز النخب التقليدية التي تقول بالديمقراطية عن تمثيل الثورة أو حتى خيانتها، وعسكرة الثورة، ومن ثم أسلمتها. لكن ألم يكن للشباب أبدًا يدٌ بما وصلت إليه الأمور؟ ألم يكن من الممكن أن تكون هناك منهجية أخرى للعمل تغير مسار تاريخ الثورة؟

يتقن الشباب الديمقراطي -وأحدهم كاتب هذه المادة- يتقنون النقد والحديث في تصويب الأمور والتباكي على أيام السلمية أكثر من أي أحد آخر؟ ويرى هؤلاء الشباب أن الثورة سُرقت منهم على اعتبارها “شبابية”، حيث تمكّن مجموعة من النخب التقليدية عن طريق شرعية الاعتقال والسجن لفترة طويلة، أو الانتماء لتنظيمات سياسية سابقة، أو عن طريق المال ودعم السفارات من سرقتها، ومن ثم عجزوا عن إدارتها حتى وصلت إلى ما عليه اليوم.

في ندوة شارك فيها أحدُ تلك النخب، واجهه شاب بسؤال واضح: “أنت الآن تنقد ما قمت به طوال الفترة السابقة؟ ولكن هل يمكن أن تعطينا الحل، ما هو الحل برأيك؟” وتحول تكرار السؤال المعلوم استحالة الإجابة عليه إلى حالة مناكفة بين الطرفين، ولكن ينطوي خلف تلك المناورة مشكلة أخرى، ما الحل بالفعل؟ أو بالأحرى هل يمكن لهذا الشاب أو غيره من الشباب الديمقراطي أن يقول شيئًا عن الحل أو عن محاولة الحل؟ ألا يتحمل الشباب الديمقراطي مسؤولية أيضًا عما حصل؟ لماذا يحبذ هؤلاء الشباب أن يبقوا محاطين بطهرية الثورة وشرعية الأيام الأولى؟ لنحاول تركيب بعض المفاهيم وتلمس المهام الرئيسة التي كان على الشباب القيام بها، لنعرف حجم المسؤولية التي يمكن أن تقع على عاتقهم فيما وصلت إليه الأمور.

“الثورة الشبابية”

التصق هذا المصطلح بثورات الربيع العربي تعبيرًا عن أن الشباب هم الذين انطلقوا فيها ليغيروا وجه الحياة في المنطقة، وبات هذا الاسم يشكل شيئًا من “ورقة الطابو” التي تمنح ملكية تلك الثورة للشباب، وهنا يجب على المرء أن يسأل؟ كيف تكون الثورة شبابية، أو هل يمكن أن توصف ثورة ما بأنها شبابية لتميزها عن ثورات أخرى؟ ألم تكن الثورات السابقة على مر التاريخ شبابية، هل كان العمال السوفييت عام 1917 الذين نزلوا إلى الشارع في عمر الستين أو السبعين مثلًا، هل كان الإيرانيون الذين ملؤوا الشوارع في ثورتهم الخضراء 2008 من شرائح العجزة؟ لا توجد ثورة على الإطلاق ليست شبابية، لأن الثورة، ببساطة، أعنف أدوات التغيير، وبالتالي فأهم شروطها تواجد شريحة عمرية شبابية جاهزة لإشعالها والانخراط فيها، ولنتفق إذًا أن الثورة هي ثورة شعب، وليست ملكًا لأحد حتى تسرق منه.

“تقهقر النخب التقليدية الديمقراطية وعجزها عن مواكبة الثورة”، وهذه حجة الشباب الديمقراطي دائمًا الذي يرى السبب الرئيسي لتراجع الثورة تمثيلها السياسي من قبل مجموعة عاجزة من المعارضة البائسة في المجلس الوطني أو الائتلاف، ولكن هل قامت النخب التقليدية تلك إلا بدورها التاريخي، فالدور التاريخي لتلك النخب يمكن تلمسه من خلال قراءة تاريخ الثورات، حيث تنقسم مجموعاتهم إلى جماعة أرهقها النضال لفترة طويلة من الزمن فباتت رومانسية تحلم بحلول صوفية وتتصور كل من حولها ملائكلة فقط لأنهم صرخوا في وجه الديكتاتور، ومجموعة أخرى ترى شرعية قيادتها تتمثل في تاريخها النضالي وتقاتل من أجل ذلك، وأخرى تجد في مكاسب الثورة فرصة لتعويض ما خسروه في نضالهم السابق، أو بوابة ضامنة لمستقبل أفضل لهم “وهؤلاء المستثمرون”، وأخيرة تحترم التغيير وتسعى جاهدة لأن يكون لأصحاب التغيير الشباب دور في اتخاذ القرار، ولكن لا يمكن أن تمنحهم هذا المكان، لأنه ببساطة، وخاصة في أوقات الحرب -والثورة حرب- الأدوار تؤخذ ولا تمنح، فهل استطاع الشباب السوري الديمقراطي أن يأخذ دوره. قراءة بسيطة لتاريخ الثورة تبين أن الشباب، وأكرر أن كاتب المادة أحدهم، فشلَ فشلًا ذريعًا ومخزيًا قياسًا بحجم التضحية التي قدمها بداية الثورة بأن يقوم بدوره، وأن يسعى لإنضاج جسد سياسي يمثل الثورة وأهدافها بشكل فعلي، وقد نجد العذر في ذلك في السنتين الأوليين ولكن ماذا بعد ست سنوات؟ هل تمكن الشباب من إيجاد جسد سياسي متماسك أو القيام بمشروع مستدام له تأثير واضح مهما كان بسيطًا يمثل الشباب الديمقراطي طيلة ست سنوات؟ الإجابة طبعًا جاهزة، نحن محارَبون، ولكن لنكن واقعيين نحن الشباب الديمقراطي أكثر من نتحارب فيما بيننا، ولقد فشلنا في أن نشكل جسدًا سياسيًا واحدًا يؤطر أهداف الثورة في مشروع سياسي، أو على الأقل يشكل كتلة رقابة معارضة ضد النظام وفي وجه المعارضة الرسمية في مؤسسة الائتلاف أو غيرها، لقد تخلى الشباب الديمقراطي عن مهمته وحوّل التنسيقية إلى مكتب إغاثي أو مكتب إعلامي لا يملك سياسة تحريرية تصب في سياق معين، وإنما فقط كان الإنجاز في نقل الصورة والواقع، وعلى أهمية هذه الأعمال لكن كان لا بد أن يكون لها سياق آخر، تخلى شباب الديمقراطية عن الثورة، فتخلت ببساطة عنهم.

عسكرة الثورة وأسلمتها

يرى معظم شباب الثورة أن مشكلة الثورة في ظهور السلاح الذي أدى إلى تصدر فئات مهمشة الموقف على الأرض وانحرافها في الثورة إلى مناح شخصية أو أيديولوجية، ولكن هل المشكلة تكمن في السلاح، أم فيمن حمَله؟ إن من ينتفض ضد نظام الأسد وهو على علم بتاريخ المواجهة معه يعي تمامًا ما ستصل إليه الأمور، وإن كان غافلًا عنها فإن الحقيقة ستتبدى أمامه منذ الأيام الأولى للثورة، والتي تقول بأن السلاح لا بد سيظهر لصد المواجهة الدموية اللاأخلاقية التي فرضها النظام، وخاصة بعد انشقاق ضباط من الجيش وإعلانهم تشكيل الجيش الحر. ابتعد الشباب الديمقراطي عن حمل السلاح رافضين إراقة الدماء على الرغم من أن شوارع سورية طفحت بالدم منذ قرر هؤلاء الشباب النزول للشارع، ومن ثم ظهرت صيحات رفض عسكرة الثورة، وكأنّ الأمر قرار ذاتي، ولا أدري كيف يمكن أن نقول لرجل دخل الجيش بيته وقتلوا أبناءه واغتصبوا زوجته أن المرة القادمة عليه ألّا يقاوم أيضًا. لم تكن المشكلة يومًا حمل السلاح، فالسلاح إن خضع للقرار السياسي بات مقاومة، وإن خضع القرار السياسي له بات عسكرة، وحتى يخضع السلاح للقرار السياسي يجب أن يكون بأيدٍ واعية تمامًا ما مهمة ذلك السلاح، أيدٍ تملك هدفًا تناضل من أجله، وهذه الأيدي كانت موجودة، فلم يكن هناك حي في سورية لم تتشكل فيه تنسيقية من مجموعة من الشباب، معظمهم كان يفكر بمنطق المجتمع المدني أكثر من منطق المجتمع الأهلي، وكان للجامعيين حينئذ احترام أكبر، وقد حازوا على نوع من السيادة الكاريزماتية على الباقين، وكانوا الأكثر تأهيلًا لاستمرار تلك السيادة في حين قرروا حمل السلاح، فحتى يتمكن الشباب الديمقراطي من الحفاظ على مدنية الثورة وحالة اللاعنف، كان عليه ببساطة أن يحتكر العنف، لا أن يستجدي السلمية من غيره، تخلى الديمقراطيون عن فكرة حمل السلاح ففقدت الثورة الحضور الفيزيولوجي للقائد، والمقصود هنا ليس القائد الذي يقود العمليات العسكرية فحسب، وإنما القائد الاستراتيجي الواعي والمدرك والمؤمن بأهداف الثورة والقادر على جعل كل لحظة في الثورة هي اللحظة الأولى، حيث يعيد بتواجده وكلماته مبادئها لامعة براقة مهما علاها غبار التراجع أو الانتكاس، هذا القائد الذي فرضته سيادة كاريزمية في أيام السلمية كما سلف، ولكن للأسف هذا الطابع الانهزامي لنا والتباكي على السلمية قابله وجود نخب تتبنى أيديولوجية عرقية أو دينية نابهة حاضرة واعية لما تريد ومستعدة للتواجد الفيزيائي في كل ساحة قتالية، وباتت بعد أن أشغلت مكان القيادة للثورة في الميدان تشترط على الآخرين من الشباب الديمقراطي كل شيء، من اجتماعاته إلى تصريحاته وبياناته، إلى الأماكن التي ينشط فيها إعلاميًا، حتى إلى مكان توزيعه ربطة الخبز، وبذلك لم يبق مكان له؛ فوجد أنه شيئًا فشيئًا يخرج من المحيط الجغرافي للثورة حتى يصبح خارج الحدود، أو أنه يقرر المقاومة متأخرًا جدًا ويؤدي به الأمر مرة أخرى منفيًا خارج الحدود.

قد يرى البعض أن الشباب الديمقراطي لو قرر تبني المقاومة المسلحة لكان هناك من يمنعه من ذلك، لأن هناك خطة دولية أساسًا لتكوين حالات الاستقطاب الأيديولوجي تلك، وهذا ممكن جدًا، لكننا لم نحاول من الأصل لننجح أو نفشل.

أحضر هذا الشباب إلى منفاه حالة الاتكالية في العمل الوطني والاستعداد الفطري للنقد والشعور بأن كل شخص على حدة أو كل مجموعة هي صاحبة الحل الأمثل والمنقذ للشعب السوري، وعلى الرغم من أن الشباب في أوروبا يتوفر له مناخ صحي للنشاط سياسيًا واجتماعيًا لصالح الثورة السورية، ويملك فرصة لاستقلالية التمويل (حيث يمكن لتنظيم سياسي من 1000 شاب يقدم كل منهم 30 يورو شهريًا أن ينتج حركة سياسية يتوفر لدى قيادتها تمويلًا قدره 30 ألف يورو شهريًا للعمل) إلا أنه إلى اليوم ما زال يتقن الفشل وتبريره ونقد الآخرين، هناك ما يقارب 500 مجموعة شبابية تنشط في أوروبا فيما بينها وجميعها تتحدث عن الأهداف والوسائل نفسها وجميعها تُظِهر النوايا نفسها، ولو أن كل مجموعة فيها فقط خمسة أشخاص فإن العدد يصل إلى 2500 شخص، لكن الله وحده يعلم لماذا لا يتفقون على صياغة مشروع مشترك.

نعم، واجهنا نحن -الشبابَ الديمقراطي- في الثورة عقباتٍ واستعداءً بالغين، ولكن طريقة تفكيرنا وشكل العلاقة التي تربطنا ببعضنا كانت -وما زالت- العائقَ الأكبر أمامنا.

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق