مقالات الرأي

المجتمع المدني في متاهة المفاهيم والرؤى المغلوطة

الفترة الطويلة من التصحّر التي عاشها المجتمع، على مستوى التنظيم والمشاركة وتضمين كافة الآراء، أفقدته ما يُسمّى “المجتمع المدني” الذي يُعرف عمومًا بالمؤسّسات والمنظمات والنقابات؛ فما سُمّي بمنظمات المجتمع المدني كان مجرد هيئات مرتبطة عضويًا بالسلطة، وتقع تحت وصايتها المباشرة، على الرغم من الإقرار الدستوري في المادة 48 بحق تأسيس النقابات والمنظمات الاجتماعية، لكن تقييده بشرط بناء المجتمع العربي الاشتراكي وحماية نظامه في المادة 49 جعل ما شهدته سورية من منظمات مثل الاتحادات النسائية والنقابات وغيرها هيئاتٍ حكومية، لها طابعها الرسمي أو شبه الرسمي.

شكّل الحراك السوري نقلة نوعية، في إطار منظمات المجتمع المدني، من حيث الانتشار الواسع والزيادة العددية، وبدأ الرهان على دعم المجتمع المدني ليحلّ محلّ مؤسسات الدولة، ويقوم بمهمات إغاثية وتنموية وسياسية أحيانًا، هذه الآمال المسنودة إلى تجارب المجتمع المدني التي بيّنت قدرة المنظمات على الحركة والمرونة والفاعلية في التعامل مع التحديات التي تفرضها البيئات غير المستقرة عبر العالم، تجاهلت، في ما يخصّ سورية، نوعَ التحديات التي يفرضها الصراع المسلّح على منظمات المجتمع المدني، ومدى قدرتها على التعامل معها؛ وبالتالي تحقيق وجودها كجزء فاعل في المجتمع الذي لا يمكن عزله عن الحرب ومعطياتها، فانتشار هذه المنظمات، لدى طرفي الصراع “السلطة والمعارضة”، لم يحقق خلال سنوات الحرب المعايير اللازمة للاعتماد عليها، وأهم هذه المعايير الاستقلال الذاتي في اتخاذ القرار، المسؤولية والشفافية، القاعدة الشعبية، ليظهر مقدار المبالغة في ادعاء وجود منظمات مدنية سورية وعلى الجانبين؛ إذ إن المنظمات التي ظهرت في جهة النظام تحت مسمّى الفاعليات الشبابيّة الوطنية غير الحكومية التي تدعم مفهوم العمل التطوّعي والنشاط الاجتماعي، مثل “فريق دمشق التطوّعي، وبصمة شباب سورية، وشباب العلم السوري، ونسور سورية وغيرها”، اقتصر عملها في بداية الثورة على تثبيت مسيرة النظام، وتجلى نشاطها في حملات شرح الدستور الجديد، أو التظاهر أمام السفارات الغربية والعربية، كالاحتجاج على تعليق عضوية سورية في الجامعة العربية، أو التوقيع على رسالة “المجلس الوطني لا يمثلني” لتسليمها إلى بعثة مراقبي الجامعة العربية، ثم انحصر نشاطها في مجالات محددة من العمل الصحي والبيئي والخيري، فهي لم تخرج عن دعم السلطة ومؤازرتها على الرغم مما تمتعت به هذه الجمعيات من دعم مالي وعلاقات عامة، وتعيين كبار رجال الأعمال في إدارات هذه الجمعيات.

أما المنظمات في جهة المعارضة وقد تكاثرت تحت عناوين إنسانية مختلفة، فإنها وقعت في إشكالات كبيرة أنتجتها معطيات الحرب في تضييقها هامش العمل المدني؛ فالأوضاع الإنسانية المتدهورة والازدياد الكبير في أرقام المتضررين وحجم الانتهاكات اليومية حوّل عملَ المنظمات نحو أعمال “الإغاثة والإيواء والتعليم” ما أدى إلى تلاشي دورها التنموي والمساعدة في خلق مجتمع مدني وتثبيت التطلعات المتعلقة بالديمقراطية والحريات وترسيخ مفاهيم حقوق الإنسان، في بيئة غير مستقرة خاصة في مناطق الاشتباك التي غالبًا ما تتحكم بها الجماعات العسكرية “الدينية” التي فرضتْ على المنظمات العاملة في المجال المدني (الذي تعتبره “بدعة”) الكثيرَ من القيود، تحت مسمى تطبيق الشريعة والتمسك بالقيم والأعراف الطائفية. ليضاف إليه أن مجمل المنظمات المدنية “إغاثية وحقوقية ونسائية” ولدت من رحم المعارضة وتدور في فلك التجمعات السياسية، بحيث تمنع القدرة على التمييز بين السياسي والمدني في عملها، فمعظم أفرادها كانوا من المنتمين لأحزاب سياسية معينة وحتى لو استقلوا عن أحزابهم فإنهم ما زالوا يحملون الأفكار العقائدية نفسها التي يتبناها هذا الحزب أو ذاك، ويقعون في الأخطاء نفسها التي تواجهها الأحزاب، من حيث القدرة على توسيع القاعدة الجماهيرية الفعّالة.

وضع المجتمع المدني لم يتحسن كثيرًا في سورية، فهو لا يقتصر على المنظمات التي تسعى لخلق مجال عام يملأ الفراغ بين الأسرة والدولة، إنما على مجتمع متكامل يحمل أفراده اهتمامات مشتركة، ويُعمَل فيه لتطوير ثقافة ووعي مشترك، بعيدًا عن العسكرة والدين، وهو ما لم تستطع المنظمات المدنية تقديمه أو التمسك به؛ فتحوّل غالبيتها لعمل إغاثيّ يقتصر وبالحدود الدنيا على لملمة الخراب لما يشوبه من انتشار الفساد وسرقة الأموال والمواد الإغاثية لدى العاملين في كثيرٍ من المنظمات الإغاثية، وأثبتت عجزها عن تقديم الدعم والمساعدة للكمّ الكبير من السوريين المتضررين، ولما شابه من التخندق والفئويات الناتج عن انهيار بنية المجتمع السوري تحت وطأة الانشقاقات “الطائفية والمذهبية والاثنية” التي لم تقتصر على القاع المجتمعي، وإنما تركت تداعياتها على العمل المدني الذي بات يعاني صعوبة الانفتاح على كافة البيئات المجتمعية السورية من دون الانغماس في الخلفية السياسية والثقافية والاجتماعيّة؛ وبالتالي فإن الفاعلين المدنيين في جهتي “النظام والمعارضة” وقعوا في إشكالية الهوية وازدياد الخلط بين المجتمع المدني، والمجتمع الأهلي، والمجتمع السياسي. فالمجتمع المدني يعمل في الدولة الحديثة “دولة المواطنين”، ويعمل المجتمع الأهليّ في إطار الجماعة الأولية (الأسرة، الأقارب، العشيرة، الجماعة الدينية، المنطقة..) التي تضفي على انتمائه محددات اجتماعية تتميز باختلافاتها (الدينية، المذهبية، الاثنية، وغيرها)، ولم يُفصَل بين السياسة بمعناها الأيديولوجي وبين المدنية؛ فظهرت الاصطفافات السياسية داخل بنية منظمات المجتمع المدني، وصار منها “المعارض والموالي و..” في خلط كبير للمفاهيم والرؤى والأهداف.

من السابق لأوانه، في المرحلة الراهنة، الحديث عن المجتمع المدني ومنظماته كشبكات حاملة للمجتمع وقادرة على حماية المواطن والوطن من الضياع والفوضى للوصول نحو مستقبل أفضل، فحضورها كأسماء أو أعداد ليس أكثر من ذر للرماد في العيون التي ما عادت ترى في الوطن إلا بؤرة نزيف مجاني واقتتال عبثي.

مقالات ذات صلة

إغلاق