سورية الآن

في يوم حفظة السلام… لا تنسوا نورس السوري

في طريقي إلى منزلي ذات ليلة في منتصف نيسان (أبريل) 2012، تلقيت اتصالاً من صحافي بريطاني يحتاج مرافقاً يصحبه مع بعثة الأمم المتحدة للمراقبة في سورية (UNSMIS). وافقت على رغم إدراكي خطورة الموقف فقد انصب تفكيري على رؤية الواقع خارج دمشق بعيداً من شاشة التلفزيون. ووضعت في حسباني أنني قد أُقتل كما قُتل صحفيان أجنبيان في حمص بصواريخ أطلقتها القوات الحكومية على منزل تواجدا فيه. وما كانت موافقة الرئيس السوري بشار الأسد على الخطة في 27 آذار (مارس) 2012 لتخفف من قلقي، فخطأ بسيط قد يكلفني حياتي، لا سيما أن الرعب استبدّ بي سابقاً حين قبضت المخابرات عليّ برفقة ثلاثة صحافيين− سوري وأجنبيان− في «مقهى الروضة» بدمشق في 4 شباط (فبراير) 2011. ما هي التهمة؟ لا أدري. لكن− ومن حسن حظنا− أن عقيداً، انشق عن المخابرات لاحقاً، استقبلنا في مكتبه وقدم لنا القهوة والماء ثم أطلق سراحنا من فوره.
عدلت تلك الليلة عن قراري بألا أغادر دمشق وريفها بعد 6 آذار 2011 إثر عودتي من جولة في بعض المحافظات، بعضها بغرض كتابة قصص صحافية عن الثورة السورية الكبرى (1925-1927). قراري حينها لم يأت بناء على معلومات أو بسبب انتشار حواجز أمنية غير اعتيادية. كل ما في الأمر أنني جزعت من أن أُساق إلى الخدمة العسكرية الإلزامية، مع توضّح حالة ارتباك أجهزة المخابرات والشرطة إثر اندلاع الاحتجاجات الشعبية في تونس ومصر. وازدادت خشيتي مع ضغط ظروف العمل الصحافي الدقيقة من الاعتقال والقتل بتفجير أو رصاصة إثر امتداد مظاهرات درعا في آذار 2011 إلى مدن وقرى أخرى على امتداد البلاد.
أخيراً تسنَّى لي مع الخروج من دمشق وريفها، وأنا المطلوب للخدمة العسكرية، برفقة ستة مراقبين من البعثة الدولية وصلوا إلى دمشق في 16 نيسان 2012. ودعت خطة كوفي أنان، مبعوث الأمم المتحدة والجامعة العربيّة لسورية، السلطات السورية إلى «ضمان حرية حركة الصحفيين في أنحاء البلاد». وتشكلت لجنة المراقبين بناءً على قرار مجلس الأمن 2042 الذي أذِن بنشر مراقبين غير مسلحين «لمعاينة تطبيق القرار، والوقف الكامل للعنف المسلح، ومراقبة وقف إطلاق النار» الذي سرى مفعوله اعتباراً من 12 نيسان 2012.
وعلى مدار أسبوع زرتُ مدن وقرى عدة برفقة المراقبين الذين أخبروني أنهم غير مسؤولين عن سلامتي وزميلي البريطاني وزميلتي المصورة السورية التي انضمت إلينا لاحقاً. وتجولنا سريعاً في الزبداني ودوما وحرستا والسويداء ودرعا.
وفي 26 نيسان 2012 توجهنا من السويداء إلى درعا. وترجّلنا من سياراتنا حال عبورنا وادي الزيدية الفاصل بين منطقة درعا المحطة، التي لا تزال تحت سيطرة القوات الحكومية، إلى منطقة درعا البلد، التي لا تزال تحت سيطرة قوات المعارضة.
لم يكن دمار المكان مختلفاً عن مثيله في المدن والقرى التي زُرناها. ورفض حلاقٌ الحديث عن سبب تحطّم محله. بينما تهكّم الزبون بقوله: «إن من لا يرى من الغربال أعمى»، غامزاً إلى عدم الثقة بنا من جهة، وإلى وضوح أن القوات الحكومية هي من دمّرت كثيراً من منازل المدينة.
لحقنا بالمراقبين الذين انطلقوا جنوباً باتجاه المدينة القديمة حيث مررنا بالجامع العمري، أحد رموز الثورة السورية. وتوافد الأهالي هاتفين «الله أكبر» و «الموت ولا المذلة». استحال علي أن أنزل من سيارتي لأتكلم مع الناس، إذ خشيت أن أفقد أثر المراقبين فتضيع الورقة التي تحميني ولم تغب عن ذهني حادثة اعتقال المخابرات لمراسل رويترز أثناء تغطيته للمظاهرات في درعا أواخر آذار 2011.
اعتمرت خوذة صديقي البريطاني الزرقاء وفتحت النافذة وبدأت أستمع وأصرخ بصوت عالٍ بالإنكليزية وصديقي البريطاني يكتب في المقعد الخلفي.
«ابن عمي في الحبس من خمسة شهور. قل له يطلعو» قال لي طفل لم يتجاوز العاشرة بلهجة منكسرة. «بتقول له؟!». سؤال جعلني أبكي بمرارة إذ اعتقد الصغير أنني أعرف الرئيس الأسد شخصياً. وقالت شابة تحمل طفلاً بصوت حازم: «زوجي في السجن من تسعة أشهر وما نعرف عنه شيئاً. إذا ميت، فليقولوا لنا فقط.»
تابعنا السير ببطء خلف سيارات المراقبين باتجاه مسجد أبو بكر الصديق حيث أكياس رمل مجهزة كدشم قال الأهالي إنها للجيش يستخدمها. وقذف المتظاهرون حجارة إلى داخل المسجد حيث يختبئ عناصر الجيش الحكومي.
ومع غروب الشمس بدأ إطلاق الرصاص في الهواء من داخل المسجد بينما علا صوتي أكثر محاولاً أن أتابع الترجمة. وبالقرب من سيارات المراقبين، قُتل طفل− عرفت لاحقاً أنه نورس الغزاوي− برصاص في البطن.
بدأ المتظاهرون يضربون بأيديهم على السيارات ما دفع المراقبين إلى الإسراع بالعودة إلى درعا المحطة. وتوقفت سيارتنا الصغيرة عند صف من الأحجار على قارعة الطريق لم تستطع تجاوزه. ونزل السائق ليزيح الأحجار بينما تسمّرت في السيارة مع زملائي هلِعين من أزيز الرصاص. عادت سيارات المراقبين إلينا للتأكد من سلامتنا وسارت خلف سيارتنا إلى أن وصلنا إلى مبنى المحافظة في درعا المحطة.
وبعد مؤتمر صحافي مقتضب، قفلنا مع المراقبين عائدين إلى دمشق في رحلة لم تستغرق أكثر من 900 دقيقة، فتح خلالها الجيش الحكومي حواجزه أمامنا بسرعة. وخيم الصمت طوال الطريق بعد أن علقت زميلتي المصورة على مقتل الطفل بقولها: «وما يُدريك أن هؤلاء ليسوا عصابات إرهابية ترتدي لباس الجيش؟».
وجدت نفسي فجأة أمام نوافير ساحة الأمويين المُضاءة. نزلت أمام فندق شيراتون وسرت مذهولاً من سير الحياة «الطبيعية» هناك.
في اليوم التالي لمقتل نورس، ارتفعت لافتة أثناء تشييعه تقول: «رفع علم الاستقلال أمام سيارة المراقبين، ظن أنه بأمان، فأصابه القناص، وهرب المراقبون إلى فنادقهم». في 20 تموز (يوليو) 2012، قرر مجلس الأمن تمديد ولاية البعثة لثلاثين يوماً. وقال المجلس إنه لن يكون هناك أي تمديد آخر إلا في حالة قدم الأمين العام ومجلس الأمن تقارير تؤكد وقف استخدام الأسلحة الثقيلة وانخفاضاً في مستوى العنف بدرجة كافية من جانب جميع الأطراف للسماح للبعثة بتنفيذ ولايتها. وبما أنه لم يتم الوفاء بتلك الشروط، تم إنهاء ولاية البعثة في منتصف الليل في 19 آب (أغسطس) 2012.
أتذكر كل ذلك في اليوم العالمي لحفظة السلام التابعين للأمم المتحدة الذي أقرته في 111 كانون الأول (ديسمبر) 2002، إذ اعتبرت يوم 29 أيار اليوم الدولي لحفظة السلام التابعين للأمم المتحدة.
في هذا اليوم، أتذكر نورس وآلاف الأطفال الذين قتلوا في سورية وأحسب أن قاتلهم فرح بالمراقبين إذ يكتبون: «مات طفل سوري، ولا ندري من قتله»!

Author

مقالات ذات صلة

إغلاق