كلمة جيرون

لك يا منازل في القلوب منازل

الشعب السوري ليس شعبًا طائفيًا أو إرهابيًا، كما يحلو للبعض أن يصنفه، بل هو شعب عريق متحضر ومنفتح؛ يحب الحياة ويحلم بمستقبل أفضل لأجياله. وقد عاش الكثير من النكبات والنكسات، واستطاع –في كل مرة- أن ينهض من رمادها، مثله مثل بقية شعوب الأرض التي تعرضت للمحن والأهوال. فعندما استسلمت ألمانيا للحلفاء، كانت حطام دولة وبقايا شعب، وكذلك اليابان وفيتنام وأغلب دول إفريقيا وأمريكا اللاتينية؛ بعضها تمكن من النهوض بسرعة، والبعض ما زال يحاول.

شعوب كاملة في أوروبا أصيبت بالإحباط والتمزق والانهيار التام، بسبب الحرب! خمسة ملايين أسير ومعتقل ألماني (في سيبيريا وحدها)، عشرة ملايين قتيل، عشرات ملايين الجرحى والمعوقين، منازل ألمانيا ومدنها العامرة سُوّيت بالأرض، قوات الحلفاء فككت مصانعها وسرقت آلاتها ودمرت بنيتها التحتية بشكل كامل. لم يبق فيها غير النساء والأطفال والشيوخ، ثم تلتها فترة النهوض من الركام، بقيادة نسائها، وفي غياب تام للحكومة! بدأن بجمع الأنقاض لإعادة بناء البيوت، ومن تحت الركام، جمعن الأوراق والكتب، وفتحن المدارس. كتبن على بقايا الجدران المحطمة شعاراتٍ تبث الأمل وتحث على العمل: (لا تنتظر حقك- افعل ما تستطيع- ازرع الأمل قبل القمح..). وفي عام 1954، فازت ألمانيا بكأس العالم لكرة القدم (وكانت أصابع اللاعبين تخرج من أحذيتهم المهترئة). بدأت مرحلة البناء بالإيمان والأمل والعمل، وتمكن (نساء المباني المحطمة) من صنع النجاح تلو النجاح، إلى أن توحدت ألمانيا من جديد، وسقط جدار برلين، وأصبحت ألمانيا أقوى اقتصاد أوروبي.

يختلف الألمان –طبعًا- عن السوريين، من حيث الثقافة والتاريخ والجغرافيا والاقتصاد، لكن الشعوب هي هي؛ إرادة الحياة فيها أكبر من الموت والدمار، وهي تحمل في جذورها بذور الرحمة والحب والعدالة والجمال، وفي نسغها رحيق المستقبل! وهي -في النهاية- ضحية الحروب والصراعات والأطماع السياسية والاقتصادية التي تقف أمامها وخلفها، عبر العصور.

لا يوجد شعب طائفي أو متخلف أو همجي! ولا يجوز أن نطلق مثل هذه الصفات على أي تجمع بشري، تجاوز عصر الظلمات، فما بالك إذا كان هذا التجمع شعبًا واحدًا، تحكمه وحدة اللغة والأرض والثقافة والتاريخ والمصير المشترك؟!

إذا أردت أن تتعرف على السوريين حقًا، فاخرج من شاشات التلفاز وغص في أعماقهم. عش معاناتهم، وسوف ترى بعينك وتلمس بيدك، طيبةَ هذا الشعب المفعم بالعواطف النبيلة واللهفة الإنسانية. إنهم اليوم (بكل أطيافهم) يتقاسمون الرغيف واللحاف، كما تقاسموا الدم والدمار والبراميل المتفجرة والموت تحت التعذيب. لم يعرفوا الطائفية قبل أن يتبرع النظام بسحقهم وكسر وحدتهم، وتخويف (الأقليات من الأكثرية)؛ ولم يعرفوا العنف قبل أن تتبرع الفصائل الطائفية (المصنعة والمستوردة) بذبحهم، دفاعًا عن الجنة، أو المقامات الدينية ورموزها. من يريد أن يتعرف على هذا الشعب الذي تُرك في مهب الريح والقسوة، وتآمرت عليه وسائل الإعلام كلها -دون استثناء- بما في ذلك المعارِضة، وبجميع اللغات، بما في ذلك اللغة العربية التي كانت تصب النفط على النار، وتدفع هذا الشعب -بقوة- نحو العنف والتطرف والطائفية، وما استطاعت -حتى الآن- أن تحقق أهدافها. من يريد أن يتعرف على السوريين، عليه أن ينظر بعمق في عيون أطفالهم ونسائهم (المحجبات والسافرات)، ليكتشف -ببساطة- أنهم شعب لا يهزم، ومن لا يرى في هذه العتمة غير السواد، أو يرغب أن يدفع بالتي هي أسوأ؛ فله ذلك!

لا شك أن الأنذال والمجرمين وتجار الحروب والقوادين، موجودون أيضًا، لكنهم لا يمثلون السوريين. إنما نتحدث هنا، عن الناس البسطاء الفقراء العاديين الذين فقدوا كل شيء، وهم لا يهتمون –اليوم- إلّا بالمنزل أو مسقط الرأس الذي يسمونه وطنًا، ضاربين عرض الحائض بالتنظيرات والتحليلات السياسية والفكرية والفلسفية كلها، التي لا تعتبر مسقط الرأس شرطًا كافيًا للوطنية والمواطنة. إنهم يؤمنون بأن سورية هي بيتهم النهائي، وهم من سيعيد بناء هذا البيت. فكم سوري اليوم، يردد ما قاله المتنبي:

لَكِ يا مَنازِلُ في القُلوبِ مَنازِلُ … أقفَرْتِ أنْتِ وهنّ منكِ أواهِلُ

مقالات ذات صلة

إغلاق