مقالات الرأي

حزيران في الذاكرة

كان والدي يذرع الصالون جيئة وذهابًا وهو يُتمتم: ما كان الأمل منك، يا عبد الناصر، أن تحتل “إسرائيل” ضعف ما احتلته في 48، كنا ننتظر منك تحرير الأرض الفلسطينية من الاحتلال الصهيوني، وليس أن تتمدد “إسرائيل” لتأخذ ما تبقى من فلسطين ومعها الجولان العصية على الاحتلال، وسيناء وتهدد مصر في عقر دارها. كان يردد ذلك وقد بلغ القهر به كل مبلغ حتى خفنا عليه من جلطة دماغية، عبثًا حاولنا تهدئته بشتى الوسائل والطرق، لقد كانت صدمة قاسية على من كان يأمل بتحرير فلسطين وعودة مشرديها إلى منازلهم، كان يحلم بالدولة القومية الواحدة، من المحيط إلى الخليج. وكانت أذنه لا تفارق إذاعة صوت العرب وهي تزف الانتصارات والطائرات الإسرائيلية التي تتساقط كالفراش أو كالذباب لم يعد التشبيه اليوم مُهمًّا.

حاولنا إغلاق المذياع وسحبه إلى غرفته الخاصة لإبعاده عما يُزعجه وخوفًا على صحته، لكنَ أصوات المدافع المضادة للطيران التي كانت قرب منزلنا كانت تُفشل خططنا لتهدئته، قُرع الباب ودخل شقيقي الأكبر سنًا، بادرناه السؤال: ما الذي يحدث، ألم تنته المعارك؟ قال: لاتخافوا، إنهم يُطلقونها لتخويف الناس ومنعها من التظاهر استنكارًا للهزيمة وتعاطفًا مع عودة ناصر عن التنحي، جرس الهاتف يرن، في كل دقيقة يحمل أخبارًا من إحدى المحافظات السورية، والحال هو نفسه، تُمنع المظاهرات منعا باتًا، في بيروت خرجت النساء بثياب النوم عندما أعلن عبد الناصر تنحيه عن السلطة معلنات التمسك به، أصوات المصريين تقتحم السماء مستنكرة إعلان التنحي صارخة “حنكمل المشوار”، متجهة إلى مقر عبد الناصر تحاصره خوفًا من انقلاب عليه وحماية له، لم تكن الحال أبدًا تمثيلية من صنع أجهزة ناصر، كانت الجماهير متمسكة به حقيقة، ربما لأن من سيمسكون السلطة بعده كانوا جزءًا من الهزيمة، وربما لأن الوعي الشعبوي العربي لم يكن قد وصل إلى الوعي الذي أوصلته معاناة اليوم إليه، بث تراجعه عن التنحي نوعًا من السلام في قلوبنا وقلوب المصريين، لكننا ما زلنا في ضياعات ومتاهات الهزيمة، أسئلة كثيرة كانت بلا أجوبة، كيف حدث هذا؟ ولماذا؟ وأين أصدقاؤنا السوفييت؟ وماهو الدور السوري في ما حدث؟ وما حجم المؤامرة وحجم مسؤولية الأنظمة؟!.. إلخ. ولم يدر بخلدنا وقتئذ أن من هُزم هذه الهزيمة الشنعاء من الصعب جدًا أن يُحقق النصر المؤمل.

بدأت ظلال أجوبة تتلاعب في ساحات عقولنا، كان أولها: عندما جمعنا ضابط سوري كبير في نقابة المعلمين ليحدثنا عن الهزيمة – الانتصار، وليزف إلينا بجرأة وثقة وتبجح انتصار الثورة في الخامس من حزيران، فقد حققت الأهداف التي أرادوها، كانت صدمة أكبر من صدمة الهزيمة، حين قال: لقد ورطنا ناصر بالحرب كي يعرف مقدار نفسه وجيشه الذي يتفاخر به، أما الأرض فهي تذهب وتعود، إما بالمفاوضات أو بحرب أخرى، لكنَ الثورة إذا انتهت وسقط النظام فلن تعود، كان ذلك الاجتماع بداية الأجوبة ثم تتالت الأخبار لتفكك بعض العقد وتترك البقية لزمن آخر.

حمدت الله أن والدي لم يحضر ذلك الاجتماع، وإلا كنا دفناه بعده بقليل، لم يكن ما قاله ذلك الضابط إلا جزءًا صغيرًا من قمة جبل الهزيمة، فقد عرفنا بعدها من مقربين من ناصر أنه كان قد حسب عدد الطائرات التي يمتلكها جيشه وعدد الدبابات أيضًا وأنواعها ووجدهما أكثر مما تملكه “إسرائيل”، وكانت الاتصالات الدولية به، وعلى رأسها الاتحاد السوفييتي، تحذره من البدء بالهجوم، وتعده بالوقوف بحزم ضد من يبدأ القتال، وتنقل إليه أخبار الخبث الإسرائيلي بأنها لن تكون البادئة؛ اطمأن ناصر لتلك الحسابات والأفكار، وانتصرت عنده الرؤية من زاوية المنطق الصوري على الرؤية الجدلية الخلاقة، أما السلطة السورية وقتها والأردنية فكان من السهولة عندهما بمكان أن تُلقي اللوم عليه، وتتنصل من كل مسؤولية على الرغم من أنه كان بإمكانهما متابعة القتال ومشاغلة الإسرائيليين، ريثما يلتقط الجيش المصري الأنفاس ويُعيد تشكيل نفسه، أما لماذا لم يحصل ذلك؟ ولماذا انسحب الجيش السوري من الجولان دون قتال حقيقي؟ ولماذا كان ممنوعًا على العرب خوض حرب طويلة الأمد “وهي المقتل الإسرائيلي”؟ ولماذا خرجت تظاهرات الفلسطينيين في عمان تستنكر على ناصر قبوله بما عرضه كسينجر وقتئذ: دولة فلسطينيةعلى كامل الضفة وغزة، وعودة الأراضي المحتلة جميعها مقابل الاعتراف بـ “إسرائيل”، وتطبيع العلاقات معها، سواء أكان الوزير اليهودي الأميركي صادقًا في عرضه ذاك أو كان يريد التقدم بالمشروع الصهيوني خطوة إلى الأمام، إذ كان مشهورًا بسياسة الخطوات، فإن ناصر كان -كما قيل- محتاجًا إلى زمن التقاط الأنفاس والبدء بالاستعداد لحرب الاستنزاف واستعادة الروح القتالية المعنوية للجيش المصري.

لم تستجب قيادة المنظمات الفلسطينية لرأي ناصر، ونجحت الأجهزة المعادية بدق إسفين الانشقاق بينهما، ولأمر ما، تتالت أعمال الاستفزاز للنظام الملكي الأردني، من خطف الطائرات إلى التحرش العسكري المقصود بالجيش الأردني، وصولًا إلى الصدام العسكري بينهما، والذي عُرف بـ “أيلول الأسود” الذي كان أحد أسباب وفاة عبد الناصر، وتتالت بعدها الهزائم، ما إن يتحقق انتصار عسكري حتى تقابله هزيمة سياسية، كانت معارك حرب 1973 على ضفاف قناة السويس والتعاون العسكري السوري – العراقي يبشر بالخير، لكنَ نظام السادات والأسد المتلطي خلفه، حولها إلى سلسلة من الهزائم السياسية، لم تكن تصفية المقاومة الفلسطينية ومجازر مخيماتها في الأردن، أو لبنان، أولها ولا آخرها… ولم تنته عند مجازر الحرب الأهلية اللبنانية أو مجزرة حماة، لقد فُتحت أبواب جهنم الهزائم داعية دومًا هل من مزيد.

عذرًا يا والدي، أعلم أنك في أحلامك وبعد أن فقدت العلاقة مع الوقائع، كنتَ ترفض الهزيمة، وكنت تُحدث الأشخاص الوهميين الذين تتخيلهم عن أن ابنتك حررت فلسطين، وأقامت الدولة الواحدة العربية، لكنني لم أستطع حتى إيقاف الهزائم المتتالية، وسأدخل قريبًا مثلك في قوقعة أوهامي، وأعلن كما أعلنت أمام الأشخاص المتخيلين، أن ابنتي أيضًا استطاعت أن تتمسك بسورية (سايكس-بيكو) الواحدة وحققت فيها الحرية والكرامة، وأعادت أهلها من مجاهل التشرد والإذلال إلى منازلهم، وهي الآن تعمل على تنميتهم وتقدمهم، وإعادة انسجامهم، لكنني وقبل أن أدخل في قوقعة أحلامي تلك أرتعد خوفًا من أن أسمع وأرى الهزائم الجديدة، وأن تقف ابنتي وأحفادي على قبري في يوم ما، ليعتذروا مني كما أعتذر الآن منك.

مقالات ذات صلة

إغلاق