مقالات الرأي

نقاش في فكرة الأقلّيات

مع ثورات “الربيع العربي” -بما لها وما عليها- ظهرت المجتمعات العربية على مسرح التاريخ، لأول مرّة، وتعرّف عامّة الناس على مفهوم المواطنة، وحقوقها وواجباتها، وتفتّحت إدراكاتهم على مفاهيم السياسة، ومصطلحاتها، ومؤسّساتها، وطرق عملها، وعلى مكانة الدستور وفكرة الفصل بين السلطات، والديمقراطية.

إلا أن السياسة، أيضًا، ليست شيئًا واضحًا، أو بسيطًا، أو ناجزًا، حتى يصبح فهمها أو هضمها عملية سهلة وميسّرة، فهي على وجه الخصوص أكثر نشاط، عرفته البشرية في تاريخها، يجري فيه تطويع المبادئ والأفكار والشعارات والمصطلحات لتوازنات السلطة والهيمنة، ضمن شبكة معقدة من عمليات التلاعب والمواربة والتوظيف، أي أن المسألة لا تتوقف على قصة الاستيعاب والفهم، فحسب، وإنما تحتاج إلى ثقافة ممارسة، وإلى خبرات، وآليات، ومؤسسات كي تترجم ذاتها إلى واقع.

بيد أن هذا الإنجاز، أو هذا التطور، لم يكتمل إذ سرعان ما ووجه بتحديات وصعوبات ومشكلات جمّة، من ذلك العلاقة بين الديني والمدني، والديني والطائفي، والأكثريات والأقليات، الدينية أو الإثنية، كما العلاقة بين الداخل والخارج، وبين الثورة والإصلاح المتدرج.

هكذا جرى، على سبيل المثال، حجب التمييز بين الطوائف والطائفية، والقطع بين مفهومي التحرير والحرية، وتبرير الاستبداد بحجّة المقاومة، وإعلاء شأن العصبية القومية لتقويض الدولة الوطنية، وتأجيل الديمقراطية بدعوى صيانة “السلم” الاجتماعي، وادّعاء الخصوصيات الدينية أو الثقافية لمقاومة التجديد والتطوير ومحاكاة العالم.

في الإطار ذاته، أيضًا، ربما يمكن التعامل مع مصطلح “الأقليّات” الذي برز باعتباره من أكثر المصطلحات التي بات يجري التلاعب بها، وتوظيفها، من قبل النظم الاستبدادية، في محاولاتها تبرير ذاتها، وترسيخ هيمنتها على البلاد والعباد، بلا رقيب أو حسيب. وقد ظهر ذلك جليًّا في خطابات النظام السوري الذي بات يروّج لنفسه باعتباره “حامي الأقليات”، بعد أن أمعن في إفساد الحياة العامة، وصادر تاريخ سورية، وبدّد ثقافتها، وهمّش كل مكوّناتها المجتمعية، فضلًا عن تحويله البلد إلى مجرد مزرعة وراثية.

ومن مراجعة التجربة السورية، يمكن ملاحظة أن النظام اشتغل على هذا الأمر في إطار ثلاث عمليات مترابطة: أولها، تتمثّل بحؤوله دون قيام دولة المواطنين الأحرار والمتساوين. وثانيها، تتمثل بانتهاجه سياسة “فرق تسد” بين المواطنين، وإقامة جدران وسدود بين مختلف الأطراف المكونة لمجتمع السوريين، بتنصيب نفسه كموزع للتناقضات أو “الجوائز” بينها. وثالثها، تتمثل بتنميط المجتمع، وإنكار حال التنوّع والتعدّدية فيه، لحجب طبيعته كسلطة استبدادية. وطبعًا، فإن هذه العمليات تضافرت في مجمل الأحوال مع تسلط النظام على الدولة، واحتكاره مواردها، ومع تغوّله على المجتمع بواسطة الأجهزة الأمنية الواسعة والمتشعّبة.

على ذلك، يمكن النظر إلى فكرة “الأقليات” الدينية والإثنية باعتبارها من اختراع النظم الاستبدادية الشمولية، فهي التي تشتغل عليها، وتحوّلها إلى عصبيّات هوياتية، تمامًا مثلما يحصل في شأن دفع الطوائف نحو الطائفية، أو في شأن اختراع الطائفية لأغراض سياسية، إذ الطوائف شيء، بوصفها تعبيرًا اجتماعيًا أو دينيًا، والطائفية شيء آخر ينطوي على توظيف أو استخدام سياسي. ويفيد الحديث عن فكرة الاختراع هنا أنه لا يجوز تحويل جماعات من المواطنين إلى “أقليات” على أي خلفية كانت، أو لأي سبب يميّزها، فهذا قد يجوز، فقط، على جماعات بشرية وفدت في مرحلة تاريخية معينة إلى بلد ما، من خارجه، لكنه لا يشمل الجماعات الدينية والإثنية التي تعيش فيه عبر التاريخ.

والمعنى، أنه لا يصحّ -بأي حال من الأحوال- اعتبار الطوائف الدينية (مسيحية أو إسلامية، سنية وشيعية ودرزية وعلوية وإسماعيلية) مجرّد أقلّيات، فالطوائف شيء والأقلّيات شيء آخر. وبديهي أن ذلك يشمل الجماعات الإثنية، أيضًا، مثل الأمازيع في المغرب، والأكراد في المشرق، والنوبيين في صعيد مصر، فهؤلاء ليسوا أقلّيات، كونهم لم يهبطوا من السماء بـ “البراشوت”، ولم يأتوا من الخارج، وليس لهم وطن آخر، وإنما هم أبناء الوطن، ولا يقلون في ذلك عن غيرهم بأي شيء.

ماذا يعني ذلك؟ إنه يعني، أولًا، أن النظم التسلّطية التي هيمنت عشرات السنين، وحالت دون قيام دولة المواطنين ودولة المؤسسات والقانون، هي المسؤولة عن ضعف الاندماج الاجتماعي بين مواطنيها، وعن إبقائهم عند حيّز الانتماءات قبل الوطنية (العشائرية والطائفية والمذهبية والإثنية).

ثانيًا، هذا يعني أن مصطلح “الأقليّات” مصطنع ومزيّف وملتبس، كونه يُخرج مواطنين كثر من نطاق المواطنة، ويعاملهم كغرباء أو وافدين أو طارئين على وطنهم، وكأنّ لهم وطنًا آخر. ومثلًا، فليس من المعقول أن نعدّ يوسف العظمة، وإبراهيم هنانو، وجول جمال، وفارس الخوري، وسلطان باشا الأطرش، وكثر غيرهم من الشخصيات التي أسّست تاريخ سورية، وصاغت هويتها الحديثة، بمنزلة “أقلّيات”؛ فهذا إجحاف ليس بحق هؤلاء وبحق ما يمثلوه، فحسب، وإنما هو إجحاف بحق سورية، الدولة والمجتمع، وبتاريخها وثقافتها.

وتبدو معضلة السوريين خصوصًا، ومجتمعات المشرق العربي عمومًا، أن إجماعاتهم -بمعنى مشتركاتهم واختلافاتهم- كانت تأسّست على مقولات وشعارات وهويات وعصبيات ما قبل، وما فوق وطنية، أي قبلية ودينية ويسارية وقومية وأممية، أي أنها لم تتأسّس على المواطنة، وعلى الحقوق، وعلى كونهم مواطنين أفراد، متساوين، في وطن متعيّن.

ويستنتج من ذلك أن الوعي بالمواطنة، وحقوق المواطنة التي تحيل المجتمعات إلى مجتمعات حقًا، والتي تجعل الدول دولًا حقًا، كانت هي الغائب الأكبر خلال العقود الماضية، بعد أن غيّبتها نظم الاستبداد، بديماغوجيتها، وشعاراتها، وادعاءاتها الفارغة والمزيفة والعبثية.

جدير بالذكر أنه ليس ثمة مجتمعات أو دول صافية، دينيًا أو عرقيًا، فكل البلدان والمجتمعات تنطوي على مكونات دينية وإثنية وهوياتية مختلفة، لكن في بلدان النظم المستبدة فقط، يتم اختراع فكرة، أو سياسة “الأقليات”؛ لأغراض التلاعب، وترسيخ الاستبداد، والتملص من دولة المواطنين الأحرار. بالمقابل في البلدان الأخرى، حيث تسود دولة المؤسسات والقانون والمواطنين، هي تفتخر بتنوعها الديني والإثني وتستثمر فيه، باعتباره دليل عافية وحيوية وغنى.

مقالات ذات صلة

إغلاق