أدب وفنون

عروس للبيع

لقد فقدتُ منذ مدّة فضولي في متابعة أخبار حارتنا، والأصحّ أنّني لم أكن يومًا فضوليّا في ما يخصّ كلّ ساكني الحيّ؛ انتقالي للعمل والعيش في العاصمة وزياراتي القليلة للحيّ، كانت كافية كي لا يربطني به شيء سوى واجب أسريّ، أقوم به في الإجازات الطويلة دون حماس كبير.

خبر واحد نقلته أمّي لأختي على مسمع منّي كان كافيًا لتنشيط غدّة الفضول عندي.

  • “أم لسانين” تُقسم أنّها رأته قبل ليلتيْن يقود عربته بينما عروسه تجلس في مقدّمة العربة، ثمّ حملها فيما بعد بين ذراعيه إلى غرفته. كان الوقتُ متأخّرا ولم تر ملامحها جيّدا، ولكنّ هذه الثرثارة تُقسم أنّها جميلة وناصعة البياض مثل الدمية. المهم أنّه تزوّج، أقلّه سيكون هناك من يعتني به ويؤنس وحدته بعد وفاة أمّه.

علمتُ لاحقًا من أختي أنّ “الهاء” تعود إلى جارنا الشّاب، وأنّ أمّه التي كانت “تؤنسه” لم تغادر سريرها منذ سنوات، وهو من اعتنى بها وربّما كان خرسها سببًا في قلّة كلامه وعدم تواصله مع أحد من الجيران. لم يشدّني أيّ من التفاصيل وقد رأيتها عادية لا تستحقّ الوقوف عندها، إلاّ تفصيلٌ واحد رأيته لا ينسجم مع ما هو سائد في الحيّ: العريس يسحبُ عروسه من يدها وهي تجاهدُ للحاق به، بينما تنشغل يدها الأخرى بالاعتناء بفستانها وتثبيت شعرها ومجاملة فضول النساء. تدهشني قدرة العروس على عمل كلّ ذلك بيدٍ واحدة فقط.

وهذا الشاب الذي أعرف عنه القليل يحملُ عروسه بين ذراعيه إلى غرفته، وكان قبلها يجلسها على مقدمة العربة، وأكاد أجزم أنّه غنّى لها بينما نسمات الليل تتلاعب بفستانها وتسريحتها، ويداها ممدودتان كجناحيْن يستقبلان الهواء بحرّيّة. لم يكن سوى بائع متجوّل يمضي نهاره على رصيف السوق أمام واجهة دكّان للملابس النسائيّة، إذا وقفَ زاحم دمى رشيقة تعرض آخر صرعات الموضة، وإذا جلس غاب رأسه بين بضاعته الرخيصة؛ حلى بلاستيكيّة ومشابك ودبابيس وعطور مزيّفة. لا ينادي على بضاعته ولا يُروّج لها، وكأنّه يبيعُ الصمت في جلبة السوق.

 أمسكتُ بطرف الخيط، وتركتُ أمّي تشدّني بعفويّة في مكالماتنا الأسبوعيّة نحو تفاصيل متقطّعة عن الجار الشّاب وحياته الغامضة. أحيانًا كانت تستغرق في الحديث عن أحوال البيت والأسرة وتغيب عن حديثها أحوال العروسين، لكنّني كنتُ أعيدها إلى هناك بأسئلة عامّة إلى أن أصلَ إلى لغز الزواج الليليّ الغامض.

  • وما هي أخبار الحيّ؟ هل باركتِ لجارنا الشابّ بزواجه؟ أم لأنّه خجول وقليل الكلام؟
  • يا ابني لا أحد رأى العروس ولا نعرف عنها شيئا، وهو لا يردُّ على استفساراتنا، يهزُّ رأسه إذا سلّم أحدٌ عليه مُباركًا ثمّ يلوذُ بما وراء صمته. تخيّل أنّ أم لسانين أصبحت برج مراقبة ولم تنجح في معرفة اسمها حتّى، لولا أنّنا نراه ينشرُ أحيانًا ملابس نسائيّة جديدة وتنبعثُ في المساء روائح الطبخ من غرفته، لقلنا إنّ الزّواج إشاعة روّجت لها الجارة. قبل يومين سمعتُهُ يغنّي ويضحك ويكلّمها ولم أسمع لها صوتًا. هل تكون خرساء هي الأخرى؟ قد تكون عمياء أيضًا. لماذا يتزوّج فتاة بهذه العيوب؟!

حاولتُ في كلّ مرّة أن أسحب منها معلومات أكثر كمحقّق ذكيّ لئيم، ثمّ أعود لأسأل نفسي عن سرّ اهتمامي بقصّة بائع خجول كثير الصّمت، أهي غدّة الفضول تنشط في قصص الغرباء؟ هكذا ظننت. الأخبار غير المكتملة الّتي تصلني من أمّي وأختي أربطها معًا؛ وأسدُّ فجواتها بافتراضات من وحي ما أعرفهُ عن طبيعة الناس في محيطي.

شابٌّ سئمَ تدخّل الناس في شؤونه..

شابٌّ غيور يخافُ الفتنة على زوجته..

شابٌّ غريب الأطوار في حيّ شديد العاديّة..

زوجة تكتفي بزوجها عن كلّ الناس..

أو لا شيء من ذلك كلّه.

في آخر زيارة لأسرتي، قبل سفري الطويل إلى خارج البلاد، تجوّلت في السوق لأشتري بعض الهدايا الرمزيّة أحملها لأصدقائي هناك، كان الشّاب البائع يجلسُ جلسته الدائمة أمام دكّان للملابس النسائيّة. مرّ على خبر زواجه شهران أو أكثر؛

مددتُ يدي مسلّمًا، وأنا أقول:

  • مبروك زواجك، أعتذر عن التأخير في التهنئة، فأنا لا أزور البلدة إلاّ نادرًا.

لم يمدَّ يده وظلّ مشغولًا في ترتيب بضاعته. ردّ ببرود:

  • لقد ماتت، وبعتها من يومين لصاحب الدكّان، إنّها هناك في الوسط، بالفستان الأصفر المزركش.

بحدقتيْن مفتوحتين على دهشة ورعب، رأيت دمية بفستان أصفر مزركش تتوسّط دميتيْن بفساتين ملوّنة.

سنوات كثيرة غبتها عن الحيّ، وعندما عدتُ كانت أشياء كثيرة قد تغيّرت فيه، لم أستطع ربطها بصورتها قبل ذلك، الشوارع، الوجوه، رائحة أكوام القمامة، تيار الهواء. كانت قصّة الشّابّ وزوجته الدمية قد غابت بكلّ تفاصيلها عن ذاكرتي؛ لكنّها عادت لتكون أكثر من قصّة غرائبيّة مُحمّلة بأسئلة كثيرة، حينما وقعت عيني على لافتة كبيرة في واجهة أحد المحلاّت، كُتب عليها بخطّ يدويّ جميل:

“دُمى محليّة ومُستوردة”.

مقالات ذات صلة

إغلاق