سورية الآن

“داعش” واستهداف إيران

منذ بداية الألفية الجديدة تقريباً، كانت إيران بمثابة جزيرة من الهدوء وسط بحر متلاطم من العنف وانعدام الاستقرار. فجارتها الشرقية أفغانستان انزلقت إلى الفوضى عقب الغزو الذي قادته أميركا في 2001، والعراق، على الجانب الآخر من حدودها الغربية، عانى من المصير نفسه بعد 2003. وبعد ثماني سنوات على ذلك، في 2011، اندلعت الحرب الأهلية في سوريا.
وعلى الرغم من أن إيران تدخلت في كل النزاعات التي عرفتها هذه البلدان المجاورة الثلاثة – حيث أرسلت الرجال والمال والأسلحة لتأجيج الحرب ضد متعصبين سُنة – إلا أن أراضيها ظلت سليمة وآمنة من نيران هذه النزاعات على نحو لافت. إيران دولة تتمتع فيها السلطات المركزية باحتكار للقوة، والسواد الأعظم من الناس فيها – من غير الشرطة والعسكريين – غير مسلحين. وخلال زيارة له إلى أوروبا العام الماضي، وبغير قليل من الفخر قال رئيس البلاد «الإصلاحي» حسن روحاني إن إيران «هي البلد الأكثر أمناً واستقراراً» في الشرق الأوسط.
وبرأي كثير من الإيرانيين، وبغض النظر عن تموقعهم على محور البلاد الإصلاحي- المحافظ، فإن أي افتقار للحرية السياسية أو الاجتماعية في «الجمهورية الإسلامية» هو ثمن يستحق الدفع نظير دولة تنعم بالأمن، ويخشى هؤلاء اليوم الذي يزول فيه هذا الأمن. ومن الممكن أن يكون السابع من يونيو هو ذاك اليوم – عندما كدّر صفوَ أحد صباحات طهران هجومان انتحاريان، ليتبين بذلك أن الفكرة التي تقول بأن الجمهورية الإسلامية مستثناة من أعمال القتل الطائفية هي خاطئة ولا أساس لها من الصحة.
ففي نحو الساعة العاشرة والنصف صباحا، كان مبنى البرلمان الحديث، الذي يمثل رمزاً للعنصر الديمقراطي في بنية السلطة المعقدة في «الجمهورية الإسلامية»، إلى جانب الضريح تقليدي التصميم لمؤسس النظام آية الله الخميني، هدفين لهجمات منسقة نفذها مسلحون وانتحاريون.
177 شخصا على الأقل قُُتلوا في الهجمات الإرهابية إلى جانب المهاجمين الستة، ومن بينهم امرأة، كما جُرح أكثر من 40. تنظيم «داعش» تبنى المسؤولية عن الهجومين، ووسائل التواصل الاجتماعي غصت بالرسائل التي تعبّر عن الأسى والحزن، والتنديدات بوحشية المهاجمين، وعبارات التحدي.
ومنذ إعلان تنظيم «داعش» خلافته المزعومة في 20144، كان الجيش الإيراني يفتخر بقدرته على منع الإرهابيين من دخول إيران، حيث كان القادة العسكريون يتحدثون عن «خط أحمر» بعمق نحو 25 كيلومترا داخل الأراضي العراقية، خط لن تسمح إيران تحت أي ظروف لـ«داعش» بعبوره. ولكن اعتبارا من أوائل منتصف 2014، أخذت تنتشر تقارير – نفتها إيران – تفيد بعبور مقاتلي داعش الحدود العراقية، بينما اعترف بعد عامين على ذلك قائدُ القوات الأرضية الإيرانية بأن «داعش» استقطب مجندين من بين السُنة الإيرانيين (ويذكر هنا أن نحو 9 في المئة من سكان إيران الـ79 مليون نسمة من السُنة، ومعظمهم من الأقليتين الكردية والبلوشية).
وفي فبراير الماضي، أعلن رئيس الادعاء العام الإيراني توقيف عملاء لتنظيم «داعش» في محيط طهران، حيث كانوا يخططون لـ«عمل مؤذ» كانوا يريدونه أن يتزامن مع احتفالات تقام إحياء لذكرى ثورة 1979.
وبعد شهر على ذلك، صدر تحذير علني وصريح على نحو غير مسبوق عندما نشر عملاء لتنظيم «داعش» في شرق العراق شريط فيديو باللغة الفارسية على وسائل التواصل الاجتماعي. وفي هذا الفيدو، قال مقاتل من داعش: «إننا سنغزو إيران وسنعيدها لسيطرة السنة»، وتم إعدام أفراد مليشيات شيعية – يُعتقد أنهم عراقيون.
قادة إيران وإعلامها يتوقعون- بكثير من الترقب والتشفي -نهاية تنظيم «داعش» في معقليه بالعراق وسوريا، كما لو أن ذلك سيُنهي مشكلة عنف المتطرفين الدينيين. ولكنه لن يفعل. وحتى إذا تم القضاء عليه وتم حل التنظيم، أو تحول إلى شيء آخر على الأرجح، فإن قدرته على إلهام المتطرفين، وارتكاب الفظاعات تظل كبيرة جداً. كما أن الشرق الأوسط لن يُطهَّر من المشاعر المناوئة للشيعة، التي أشاعها تنظيمُ «داعش»، والتي ستشكِّل اختبارا لـ«الجمهورية الإسلامية» في المقبل من السنوات.

(*) كاتب بريطاني

Author

مقالات ذات صلة

إغلاق