أبحاث ودراسات

حرب حسمت نتائج حرب حزيران/ يونيو قبل أن تبدأ

تسارعَ تطور الأحداث في الأسابيع الثلاثة التي سبقت الحرب، وكما سنرى فإن هذا الوضع قد أفقد القيادة المصرية زمام المبادرة السياسية والعسكرية بينما كانت القيادة السورية أقل اطلاعًا وتتبعًا لتلك التطورات التي كانت تحاط بها علمًا من مصدرين اثنين فقط: ‏القيادة السوفيتية، وعبد الناصر.

وبإيجاز يمكن هنا إعادة التذكير بخريطة عامة لمسار تلك الأحداث التي سبقت الخامس من حزيران.

– الاتحاد السوفيتي، الدولة الصديقة، يبلغ حكومتي مصر وسورية أن “إسرائيل” تحشد ثمانية ألوية عسكرية على الحدود الشمالية مع سورية؛ استعدادًا لتنفيذ خطة جاهزة تستهدف ضرب الجيش وإسقاط النظام الوطني في سورية.

– ‏سبقت ذلك تهديدات متواترة للمسؤولين الإسرائيليين وعلى رأسهم ليفي أشكول رئيس الحكومة، عن نيتهم في احتلال دمشق، وإسقاط النظام السوري الذي كان -حسب ادعائهم- يشكل خطرًا كبيرًا على “إسرائيل” بسبب دعمه واحتضانه المقاومة الفلسطينية الوليدة التي كانت تمارس نشاطها من سورية، وبسبب تبنيه استراتيجية حرب الشعب الطويلة الأمد.

-عبد الناصر يعلن رسميًا أن أي اعتداء على سورية يعدّ اعتداء على مصر وسترد عليه بكل قواها تنفيذًا لاتفاقية الدفاع المشترك التي وقعت بين البلدين قبل عدة أشهر.

– عبد الناصر يطلب من أوثانت الأمين العام للمتحدة سحب القوات الدولية من شرم الشيخ ومضائق تيران ومن الحدود الفاصلة بين غزة و”إسرائيل”، والأمم المتحدة تستجيب لهذا الطلب وتسحب قواتها خلال ثلاثة أيام.

– ديغول، وبكل ما كان يحظى به على الصعيد الدولي من تقدير واحترام نظرًا لمواقفه النزيهة والاستقلالية يعلن أن فرنسا ستقف في هذا النزاع ضد الطرف الذي يبدأ العمل العسكري، مؤكدًا في الوقت نفسه على ضرورة اعتماد الحلول السياسية في معالجة هذه الأزمة.

– عبد الناصر يقرر إرسال نائبه السيد زكريا محي الدين؛ للتباحث مع إدارة الرئيس الأميركي ليندون جونسون، وكان السيد محي الدين في طريقه إلى واشنطن، صباح 5 حزيران/ يونيو عام 1967 حيث قفل عائدًا من المغرب.

– القوات الجوية الإسرائيلية تشن هجومًا عامًا، صباح الخامس من حزيران/ يونيو وتباشر ضرب المطارات المصرية، وتدمر أسراب الطيران التي كانت مكشوفة، وجاثمة على مدارجها دون أي وضعية استعداد. وخلال الساعات الأربع الأولى أنهى الطيران الإسرائيلي مهمته في تدمير الطيران المصري، وأصبحت القوات المصرية الموجودة في جبهة سيناء، وفي المواقع الأخرى دون أي غطاء جوي يحميها.

– حتى صباح الخامس من حزيران/ يونيو لم يكن هناك تنسيق بالحدود المطلوبة بين الجيشين المصري والسوري اللذين يفترض أن يكونا أثناء الحرب تحت إمرة قيادة موحدة. وكذلك كان الأمر بالنسبة للجيش الأردني الذي أصبح طرفًا أساسًا في هذه الحرب بعد توقيع اتفاقية دفاع مشترك بين الرئيس عبد الناصر والملك حسين قبل، أيام معدودات من نشوب الحرب، وتولي الفريق عبد المنعم رياض مسؤولية القيادة المشتركة في الجبهة الشرقية.

– لقد طرحت آراء وتحاليل كثيرة لتفسير أسباب ما حدث خلال الساعات الأربع الأولى صباح الخامس من حزيران/ يونيو. كيف تمكن الطيران الإسرائيلي من تدمير الطيران المصري وإخراجه من المعركة، ولماذا لم تكن القوات المصرية الجوية والبحرية والبرية على أهبة الاستعداد للتعامل مع كل الاحتمالات، وتوقع حصول العدوان في كل وقت!

معظم تلك التحليلات التي تناولت أسباب ما حدث على الأرض خلال الساعات الأربع الأولى والتي حسمت نتائج الحرب؛ ذهبت في منحيين رئيسيين:

‏أولهما: أن القيادة المصرية ربما كانت مقتنعة بعدم إقدام “إسرائيل” على شن عدوانها بمثل هذه السرعة تجاوبًا مع الموقف الدولي المعلن: الاتحاد السوفياتي، فرنسا، الولايات المتحدة، والأمم المتحدة بطبيعة الحال.

وثانيهما: أن عبد الناصر والقيادة السياسية من حوله التي كانت كما اتضح فيما بعد مبعدة عن أي إشراف فعلي على القوات المسلحة؛ وبالتالي فإنها لم تكن مطلعة بصورة مباشرة على مدى جاهزيتها واستعدادها، واعتمدت في تقدير مواقفها وتحركاتها على الصورة الإيجابية التي كان يقدمها المشير عامر ومجموعته الذين كانوا يهيمنون هيمنة شبه كاملة على شؤون القوات المسلحة.

الساعة العاشرة صباح يوم الخامس من حزيران/ يونيو، دُعيت القيادة السياسية في سورية -وهي تتكون من القيادتين القومية والقطرية- إلى اجتماع طارئ؛ وقد درست خلال هذا الاجتماع اقتراحًا متكاملًا، قدمه اللواء صلاح جديد الأمين القطري المساعد للحزب، وبعد مناقشة القيادة هذا الاقتراح أقرته بالإجماع، وكان من أبرز بنوده الدخول الفوري في المعركة بإصدار الأوامر للجيش السوري بالمباشرة بضرب المستعمرات الإسرائيلية المواجهة للجبهة بهدف تخفيف الضغط عن الجيش المصري بعد أن أصبح واضحًا أن “إسرائيل” خططت للتركيز خلال الأيام الثلاثة الأولى من هذه الحرب على جبهة سيناء. ومن البنود الأخرى التي تضمنها الاقتراح المذكور العمل على حماية طائرات القوات الجوية السورية وتقوية قدرات الدفاع الجوي في التصدي لطلعات الطيران الإسرائيلي، كما اتخذت القيادة في هذا الاجتماع قرارًا بتشكيل قيادة تشرف على سير المعركة يشارك فيها إلى جانب وزير الدفاع ورئيس الأركان عدد آخر من أعضائنا، وقرارًا آخر بمباشرة الاتصال مع القيادة المصرية للتنسيق على المستويين السياسي والعسكري، وقرارًا ثالثًا بتوزيع أعضاء القيادة على مختلف محافظات القطر، بحيث يتولى كل منهم مسؤولية الإشراف على تنفيذ الخطة الموضوعة، وتحقيق الانسجام والتكامل بين الجهاز الإداري والحزب والقطعات العسكرية والدفاع المدني، ولقد جاءت كل تلك الإجراءات في سياق تصورنا أن الحرب قد تطول وربما تستمر بضعة شهور.

في اليوم الثالث على بداية الحرب على ما أتذكر وبعد أن أنهت القوات الإسرائيلية تنفيذ معظم أغراضها على الجبهة الجنوبية، أي بعد تدمير الطيران خلال الساعات الأولى، وتراجع القوات البرية التي حرمت من أي غطاء جوي بكيفية عشوائية باتجاه الضفة الغربية لقناة السويس بعد أن قدمت تضحيات كبيرة وتكبدت خسائر فادحة، قامت “إسرائيل” بالهجوم على مدينة القدس الشرقية، ودارت في شوارعها وأحيائها وفي البلدات المحيطة معارك ضارية، استخدمت فيها مختلف أنواع الأسلحة وحتى السلاح الأبيض، حيث استبسل جنود الجيش الأردني وكذلك الأهالي في الدفاع عن المدينة المقدسة، وانتهت تلك المعارك باحتلال مدينة القدس الشرقية، من قبل القوات الإسرائيلية التي كان يقودها الجنرال موشي ديان وزير الدفاع الذي راح يتجول في شوارعها مزهوًا بطريقة فاقت في صلفها وعنجهيتها الطريقة التي دخل بها الجنرال اللنبي في أعقاب الحرب العالمية الأولى، حيث كان دايان يكرر تصريحاته بأن القدس قد عادت الآن عاصمة “إسرائيل” الأبدية الموحدة.

أما على الجبهة الشمالية، جبهة الجولان السورية فقد اشتدت حمى المعارك اعتبارًا من اليوم الرابع واستطاعت القوات الإسرائيلية خلال يومين أو ثلاثة أن تخمد معظم دفاعات الجيش السوري في قطاعات الجبهة الثلاثة، وأن تتقدم في هضبة الجولان الاستراتيجية باتجاه دمشق، حيث انسحبت القوات السورية من خط دفاعها الأول؛ بهدف محاولة التثبت في خط دفاع ثان.

وصلت القوات الإسرائيلية إلى شرق مدينة القنيطرة التي هي مركز قيادة الجبهة وأحاطت بها من كل اتجاه. وهنا أصدرت قيادة الجيش والقوات المسلحة بلاغًا عسكريًا، (لا أتذكر الرقم الذي كان يحمله) تعلن فيه سقوط مدينة القنيطرة، فوجئ أهالي المدينة بمن فيهم طبعًا قيادة فرع الحزب والمحافظ، واستغربوا صدور هذا البلاغ، حيث إن المدينة ما تزال صامدة، ولم يلحظوا أي قوّة إسرائيلية تدخل إليها. تم بعد ذلك تصحيح البلاغ السابق الذي دارت الأقاويل حوله، وأعطي العديد من التفسيرات المتناقضة، وذلك بإصدار بيان لاحق، يعلن أن مدينة القنيطرة لم تسقط في قبضة القوات الإسرائيلية، وهي ما زالت صامدة وعلى أتم استعداد كي تقوم بدور “ستالينغراد”، وفي أنها ستكون مثلها مقبرة للغزاة، على كل حال فإن خير من يعرف ملابسات هذه المسألة هو الرفيق الدكتور محمد الزعبي الذي كان آنذاك وزيرًا للإعلام، وأعتقد أنه قام بتوضيح ذلك في أكثر من مناسبة.

‏مساء العاشر من حزيران/ يونيو أصدر مجلس الأمن الدولي قرارًا يطلب فيه من جميع الأطراف المعنية وقف الأعمال الحربية فورًا. ناقشت القيادة السياسية هذا الموضوع وكان أمامها برقية مستعجلة، وصلت للتو من الرئيس جمال عبد الناصر ينصح فيها بقبول قرار مجلس الأمن المذكور. ما زلت أتذكر نص تلك البرقية التي انطوت على شحنة كبيرة من الألم والتأثر والغيرة الوطنية الصادقة، إذ يقول فيها إن دافعه لاقتراح القبول بوقف إطلاق النار هو الحفاظ على الجيش السوري العزيز، ويضيف في برقيته إحاطتنا علمًا بأن القوات الإسرائيلية تقف الآن على الضفة الشرقية من قناة السويس، وإذا ما فكرت في اجتياز القناة والدخول إلى العمق المصري فليست هناك الآن دفاعات مسلحة قادرة على صدها. اللهم إلا جماهير الشعب المصري التي ستدافع وتستبسل دفاعًا عن كل شبر من وطنها.

نتيجة نقاش هذا الوضع المستجد؛ قررنا قبول قرار مجلس الأمن المذكور علمًا بأن القبول بوقف إطلاق النار الذي ينص عليه لا يتضمن عودة القوات المتحاربة إلى مواقعها قبل الخامس من حزيران بل بقاؤها حيث هي عند صدور هذا القرار.

استمرت “إسرائيل” في حربها على الجبهة السورية، بعد صدور قرار وقف إطلاق النار على الرغم من إعلانها قبوله، مدة يومين آخرين أكملت فيها احتلال هضبة الجولان وأصبحت قواتها على بعد 35 ‏كلم من دمشق. لم توقف “إسرائيل” أعمالها الحربية إذن منذ اليوم الأول لقبولها الشكلي بقرار مجلس؛ ربما كي تستكمل تحقيق خطتها في جبهة الجولان أو كان التزامها بهذا القرار بعد ذلك نتيجة الإنذار الذي وجهه لها كوسيفين رئيس وزراء الاتحاد السوفيتي، الإنذار شديد اللهجة الذي طلب من “إسرائيل” ضرورة وقف الأعمال الحربية والتقيد بقرار مجلس الأمن، والذي أعلن فيه قطع العلاقات الدبلوماسية معها.

وعلى ذكر العلاقات الدبلوماسية، لم تتردد القيادة السورية منذ الأيام الأولى للحرب باتخاذ قرار بقطع العلاقات الدبلوماسية مع كل من الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا اللتين وقفتا في هذه الحرب العدوانية إلى جانب “إسرائيل” وشاركتا فيها بصورة مباشرة. فالولايات المتحدة أقامت طوال الحرب جسرًا جويًا لتزويد “إسرائيل” بمختلف المساعدات اللوجيستية وكذلك الاستخبارية، أما بريطانيا فقد قدمت الدعم المباشر لـ “إسرائيل” انطلاقًا من قواعدها المتواجدة في قبرص.

هكذا انتهى الفصل الأول من هذه الحرب، إذ توقفت الأعمال العسكرية ولكن إلى أمد بغروب شمس يوم الثاني عشر من حزيران عام 1967، انتهى الفصل الأول من هذه الحرب على واقع جديد في ‏خريطة المنطقة الجغرافية والسياسية، واقع جديد يختلف اختلافًا نوعيًا كبيرًا عما قبل الخامس من حزيران، لا بالنسبة للدول الثلاث التي احتلت أراضيها، لكن بالنسبة لجوهر وأساس الصراع العربي الصهيوني ألا وهو القضية الفلسطينية. أجزاء واسعة من ثلاث دول عربية احتلت وهي أكبر بثلاث مرات من مساحة “إسرائيل” السابقة كما احتلت مدينة القدس، بكل ما تمثله وما ترمز إليه.

توقفت الأعمال العسكرية، في حرب الخامس من حزيران بإيقاع هزيمة منكرة بجيوش عربية ثلاثة؛ ليبدأ بعد ذلك الفصل الثاني من تلك الحرب، ألا وهو العمل على استثمار النتائج على الأرض في تحقيق الأهداف السياسية التي رمى العدوان إليها أساسًا.

أحداث كثيرة توالت في أعقاب ذلك. في مصر وفي سورية وفي المنطقة العربية عمومًا، وكان السؤال الكبير الذي واجه شعوب الأمة العربية جميعها بعد هذه الهزيمة، وبصورة خاصة شعوب الدول التي احتلت أراضيها هو: هل من سبيل إلى تحرير الأرض واستعادة الكرامة، وكيف؟ وكانت نقطة البداية في الإجابة على هذا السؤال هي في العودة إلى الذات، وفي استشراف آفاق المستقبل في مناخ الإحباط الملبد بالغيوم الذي خلفته الهزيمة. كانت نقطة البداية مصارحة الجماهير بكل ما حدث وبحقائق الواقع الصعب والعمل على استعادة ثقتها.

في هذا السياق جاء خطاب عبد الناصر الذي وجهه للأمة معلنًا فيه تحمله المسؤولية الكاملة عن النتائج التي أدت إليها هذه الحرب، وتقديم استقالته من مهماته القيادية في رأس النظام وعودته إلى صفوف الشعب مواطنًا عاديًا. واقترح الرئيس عبد الناصر أن يخلفه في هذه المسؤولية نائبه السيد زكريا محي الدين؛ رفضت جماهير الشعب المصري -كما هو معروف- هذه الخطوة، وجددت ثقتها بعبد الناصر من أجل مواصلة العمل لتجاوز أخطاء الماضي والتأسيس لمرحلة جديدة يتم فيها تحرير الأرض المحتلة واستعادة الحقوق المسلوبة.

في مواجهة نتائج الحرب:

واقع جديد نشأ في المنطقة بعد أن هدأت نيران المعارك في مختلف الجبهات، وهذا الواقع الجديد فرض على الدول الثلاث التي احتلت أراضيها أن تعيد النظر بصورة جذرية في السياسات التي كانت تتبعها وفي أولوية الخيارات التي تعتمدها. كان الشعار الذي جرى التركيز عليه آنذاك، باعتباره يلخص مهمات المرحلة وتبعاتها، هو شعار “إزالة آثار العدوان” وذلك بديلًا عن الشعارات الأخرى، وعلى رأسها تحرير فلسطين واسترجاع الحقوق المغتصبة. ولنلاحظ أنه على الرغم من صحة وراهنية شعار إزالة آثار العدوان في مثل تلك الظروف؛ فإنه -بصورة غير مباشرة- قد فتح آفاق التفكير الاستراتيجي الجدي لدى الطرف العربي على قبول مبدأ المساومة التاريخية كقاعدة لإيجاد حل للصراع العربي الصهيوني.

سنوات أعقبت حرب حزيران/ يونيو، شهدت خلالها المنطقة أحداثًا مهمة وبالغة الخطورة بفعل ‏التداعيات التي خلفتها هذه الحرب، ثلاث سنوات كان المعطى الأبرز فيها تصميم وعزم الدول العربية الثلاث على تحرير أراضيها ومباشرتها عملية التهيئة والإعداد الشامل في أوضاعها، كي تتمكن من تحقيق هذا الهدف. وفي مصر وسورية شملت عملية الإعداد هذه مختلف الميادين وكانت الحصائل الأولية ايجابية إلى حد ما لكن الأمر اختلف جذريًا بعد ذلك حين اتخذت الأوضاع في البلدين مسارًا آخر وتطلعت نحو أهداف مغايرة بعد وقوع ما سمي بـ “الحركة التصحيحية” في 16 تشرين الثاني/ نوفمبر عام 1965 في سورية، وحركة مايو التصحيحية في 15 أيار/ مايو عام 1961 في مصر.

إن استعراض أبرز تلك التطورات التي حدثت بعد حرب حزيران يضعنا مباشرة أمام الحدث الأهم فيها ألا وهو -بلا ريب- بروز وتنامي دور المقاومة الفلسطينية التي أصبحت فيما بعد الرقم الصعب الذي لا يمكن تجاوزه في معادلة الصراع العربي الصهيوني. هكذا إذ لم يمض وقت طويل حتى التأم المجلس الوطني الفلسطيني صيف عام 1969 في القاهرة، وقرر أن تصبح منظمة التحرير الفلسطينية إطارًا لائتلاف عريض بضم مختلف فصائل المقاومة الفلسطينية المتواجدة في الساحة فعلًا.

كيف تعامل النظام الرسمي العربي، وقبل ذلك كيف تعامل النظامان في مصر وسورية مع نتائج حرب حزيران وما طرحته من تحديات؟!

قبل الحديث عن الكيفية التي سارت فيها الأمور وعن نوعية الأساليب التي استخدمت في أكثر من مجال، يجدر بنا أن نعيد التذكير بتلك العبرة ذات الدلالة التي تستخلص من تجارب الماضي القريب والبعيد في تاريخ الصراع العربي الصهيوني، والتي هي موضع اهتمام الكثير من المفكرين السياسيين (ياسين الحافظ ـ الهزيمة والأيديولوجيا المهزومة). فالأنظمة العربية منذ النكبة وحتى الآن -ومعظمها جاء في مرحلة الاستقلال الوطني- هذه الأنظمة دأبت على رفض معظم القرارات الصادرة عن الأمم المتحدة والقرارات الدولية الأخرى المتعلقة بالقضية الفلسطينية. لكن موقفها الرافض هذا والذي قد يكون في أحيان كثيرة صحيحًا ومبدئيًا، في منظار الحقوق التاريخية وفي منظار شرعة الأمم المتحدة، لم يكن يترافق بالسلوك العملي المطلوب لمواجهة تلك القرارات أو ‏تعديلها أو إلغائها. لم يكن لمثل تلك المواقف الرافضة أن تتحول إلى خطط وإجراءات عملية بهدف تعزيز القدرات الذاتية والإفادة من الظروف الدولية الملائمة لاستعادة الحقوق المشروعة، هكذا كان شأن النظام العربي الرسمي في التعامل مع القرارات التي أعقبت النكبة، دون أن نتحدث عما سبقها، مثل القرارات 181 لعام 1947 والقرار 194، والقرار 242 ‏و388 ‏ومع اتفاقات كامب ديفيد وأوسلو والمبادرة العربية وخارطة الطريق. وغيرها.

بالمقابل، كانت “إسرائيل” تتظاهر بقبولها تلك القرارات، وبالإعلان الصريح عن ذلك غير أنها في الوقت نفسه وعلى أرض الواقع كانت تعمل بصورة متواصلة على خلق وقانع جديدة تتجاوز وتتناقض مع مضمون تلك القرارات الدولية، بحيث تصبح إمكانية تطبيقها بعد مدة من الزمن -وإن عاد وقبل بها الطرف الآخر- أمرًا غير وارد وغير ممكن.

هذه المقدمة كان لا بد منها -في رأيي- كمدخل لمحاولة الإجابة على تساؤلنا كيف تعامل النظام العربي الرسمي. وقبل ذلك كيف تعامل النظامان المعنيان مباشرة. النظامان في مصر وسورية مع نتائج حرب حزيران؟

أتذكر هنا أنه بعد يومين من توقف الأعمال الحربية التزامًا بقرار مجلس الأمن. بعد عودتنا نحن -أعضاء القيادة القطرية الذين كنا موزعين في المحافظات- دعيت القيادة السياسية، مساء ذلك اليوم إلى اجتماع عام بناء على دعوة الرفيق الأمين العام رئيس الدولة الدكتور نور الدين الأتاسي، عقد الاجتماع في القصر الجمهوري، وامتد إلى ساعة متأخرة من الليل. كان موضوع هذا الاجتماع كما هو متوقع مناقشة ووضع المحاور الرئيسية لخطة العمل التي يجب أن تطبق في مختلف القطاعات لمواجهة نتائج الهزيمة وتحرير الأرض المحتلة.

لقد تركز النقاش الذي تناول منطلقات هذه الخطة في اتجاهين رئيسيين:

الاتجاه الأول عرضه في بداية الجلسة وعبّر عنه بصورة واضحة الرفيق الدكتور الأتاسي الذي استرجع أمام القيادة بعض تجارب الشعوب التي احتلت أراضيها. وكان المدخل الأساسي بالنسبة لها في مواجهة المحتل هو الانفتاح على الشعب، وتعبئة كل قواه الوطنية والاجتماعية وكل طاقاته المادية والروحية، وذلك لا يتحقق إلا ببناء الجبهة الوطنية العريضة، وأن هذا الوقت العصيب الذي نمر به يتطلب، أكثر من أي وقت مضى، تحقيق مثل هذه الخطوة.

وأذكر هنا أن الرفيق عبد الحميد مقداد عضو القيادة القطرية، وفي موقف وجداني لافت ومؤثر ذهب إلى مدى أبعد من اقتراح الأمين العام، واقترح أن تقوم القيادة بدعوة مؤتمر وطني عام في سورية، تعلن فيه تخليها عن السلطة وإعادة الأمانة إلى الشعب كي يتدبر أمره ويتولى شؤونه بنفسه ويحرر أرضه بالطريقة التي يراها مناسبة.

لم يلق اقتراح الأمين العام الاستجابة المطلوبة من معظم أعضاء القيادة الذين رأوا فيه تفريطًا بقيادة الحزب للثورة كما رأى بعضهم في اقتراح الرفيق عبد الحميد مقداد ظاهرة ضعف وتراجع؛ ووجد تفسيرًا لها بأنها قد تحدث أثناء الأزمات والظروف الصعبة.

كانت النتيجة التي خلص إليها الاجتماع المذكور إقرار المحاور الرئيسة للخطة الشاملة من أجل تحرير الأرض المحتلة، وقد شملت هذه الخطة مختلف المجالات العسكرية والدفاعية والأمنية والاقتصادية والشعبية والإعلامية. وفيما بعد شُكلت لجان خاصة ترأسها أعضاء القيادة؛ لإعداد البرامج التفصيلية لهذه الخطة العامة على أن تجري دراستها وإقرارها في مؤتمر قومي استثناني قادم.

هكذا إذن سارت الأمور في هذا المنحى، ولم تر القيادة السياسية ضرورة لإعادة النظر في طبيعة النظام السياسي الذي كان قائمًا، أو لإدخال أي إصلاح جدي في بنية الإصلاحات تستوجبها ظروف المرحلة الاستثنائية التي استجدت بعد الحرب.

لقد كان المهيمن على تفكير القيادة الفكر الإيديولوجي الذي يرى أنه هو وحده من يمتلك الحقيقة والقادر وحده على بناء المستقبل الأفضل. وكان سلاحنا في توعية الجماهير الشعبية هو الخطاب الثوري الشعبوي. وبدل أن يكون التطبيق العملي لشعار لا صوت يعلو فوق صوت المعركة، ولكل مواطن دوره في المعركة، الانفتاح على الشعب والثقة التامة به، وإطلاق الحريات الديمقراطية وقبول الرأي الآخر؛ بدل ذلك بادرت القيادة، بعد فترة وجيزة على ذلك الاجتماع، إلى القيام بحملة اعتقالات واسعة “احترازية” شملت معظم محافظات القطر، وطالت كل العناصر الرجعية والبورجوازية. حسب تعبيرات وتصنيفات ذلك الزمان. ولم تتوقف الاعتقالات عند هذا الحد بل تواصلت، بعد أقل من ثلاثة أشهر، لتشمل قوى سياسية وطنية، كانت قد دعت في بيان مشترك لها إلى ضرورة إنهاء نظام الحزب الواحد وإقامة جبهة وطنية من أجل إعداد الشعب الإعداد اللازم لتحرير الأرض المحتلة -طالت حملة الاعتقالات قيادات وكوادر تلك القوى السياسية وفي مقدمتها حركة الاشتراكيين العرب والاتحاد الاشتراكي الناصري حيث لم توفر الاعتقالات أمينه العام الدكتور جمال الأتاسي، والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بما في ذلك اعتقال أمينها العام جورج حبش- وكذلك طالت الاعتقالات عناصر التنظيم الذي ظل تابعًا للقيادة التاريخية لحزب البعث والذي كنا نطلق عليه تسمية اليمين.

واستطرادًا لموضوع الاعتقالات هذا أتذكر أن عددهم كان نحو 370 ‏شخصًا. وعكس ما هو شائع وما كانت الدعايات المغرضة تغذيه، فلقد كان الرفيق عبد الكريم الجندي عضو القيادة ومسؤول مكتب الأمن القومي يحرص في كل الاجتماعات الدورية التي كانت تخصصها القيادة السياسية لبحث الأوضاع الأمنية في البلاد كان يحرص على ضرورة استعجال البت بمصير هؤلاء المعتقلين، ويطرح في كل اجتماع إما إحالتهم إلى محكمة مدنية عادلة -إذا كان ثمة ما يستوجب ذلك- وإما الإفراج عنهم دون أي تأخير. وكنت من جانبي أشاركه دائمًا هذا الرأي حيث أن هذا الموضوع يعنيني أيضًا ذلك أن القيادة السياسية كانت قد أعلنت، كتبرير لحملة الاعتقالات هذه، أن هؤلاء كانوا يعدون لمؤامرة استعمارية رجعية تستهدف الحزب والثورة، وكنت من موقعي آنذاك -بصفتي وزيرًا للإعلام في الحكومة التي تشكلت بعد حرب حزيران وأوكل إليها تنفيذ خطة الإعداد والمواجهة التي تحدثنا عنها، والتي كانت برئاسة الرفيق الدكتور يوسف زعين- كنت من جانبي أشعر بحرج بالغ عندما يسألني الصحفيون عن طبيعة هذه المؤامرة وأبعادها والجهات الضالعة فيها، ومتى يعلن عن ذلك رسميًا ويحال المتهمون المعتقلون إلى المحاكمة؟.

طبعًا، وكما هو متوقع، كانت اقتراحات الرفيق عبد الكريم الجندي المتكررة تقابل بالرفض من قبل المؤسسة القيادية، وكانت المواقف المتشددة لبعض أعضائها ترى أن الاستعجال في طرح هذا الموضوع لا مبرر له إطلاقًا، وكان البعض الآخر يستشهد بالقول إننا إذا كنا نضيق ذرعًا بهذا العدد المتواضع، من المعتقلين المعارضين، فهناك لدى كاسترو نحو 10 آلاف معتقل سياسي في أقبية مأمونة، بحيث يمكن تصفيتهم مباشرة عند ظهور أول بادرة تشير إلى حدوث غزو من قبل الولايات المتحدة الأمريكية لكوبا. أمضى هؤلاء المعتقلون السياسيون -على ما أذكر- بين عامين وثلاثة في السجون خرجوا خلالها على دفعات. أما الدكتور جورج حبش وكان يُعرف فيما بعد بضمير الثورة الفلسطينية؛ فقد حُرّر بعد أن أمضى نحو عام في أثناء نقله من سجن إلى سجن آخر، بواسطة عملية أعد لها ونفذها بكل عناية ودقة الدكتور وديع حداد، واستطرادًا لموضوع الاعتقال السياسي، وما يعنيه بالنسبة إلى كل القوى الوطنية التي ينبغي عليها، وبكل جرأة معلنة أن تنفد ذاتها وتتجاوز سلبيات ممارساتها تأكيدًا لصدقيتها في احترام الكرامة الإنسانية والإيمان بأن الحرية هي جوهر هذه الكرامة، أتذكر أنه في نهاية عام 1973 -وكنا آنذاك مجموعة من الرفاق في الجزائر، وصدف أن جاء الدكتور حبش على رأس وفد من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين لزيارة الجزائر- قررنا أن نزور الحكيم في مقر إقامته، وكانت تلك أول مرة نلتقي ‏معه بصورة مباشرة؛ وفي الطريق اتفقنا على ضرورة أن نبدأ اللقاء مع الحكيم بالاعتذار عن أخطاء الماضي وعن واقعة اعتقاله التي لم يكن لها أي مبرر.

وحالما جلسنا سوية أخذ كل واحد منا، بحسب أسلوبه الخاص، يعتذر عما حدث في الماضي وكيف أن القوى الوطنية والتقدمية وبحسن نية لم تقصر في ارتكاب أبشع الممارسات تجاه بعضها بعضًا لكن الرجل -وهذه شهادة للتاريخ في حق واحد من رموز حركة التحرر العربية- لم يدعنا نستطرد في حديثنا بل قاطعنا بنبرة تنطوي على كل معاني الصدق والتواضع والود قائلًا: “لا عليكم أن تشعروا بأي إحراج؛ فهذه الواقعة كانت إحدى الأمثلة على خطأ ممارستنا نحن -القوى الوطنية والثورية- يوم أن غلبت تناقضاتها الثانوية على التناقض الرئيسي مع القوى المعادية. إن هذه المسألة -وأصارحكم بذلك- لم تترك في نفسي أي حساسية سلبية، بل إنني أشكر الرفيق المرحوم عبد الكريم الجندي؛ لأن فترة الاعتقال هذه قد أتاحت لي وقتًا كنت بحاجة إليه كي أطلع على العديد من الكتب المهمة وأتعمق في بعض القضايا النظرية الضرورية”.

أما على صعيد التطورات السياسية التي تلاحقت، بعد حرب الخامس من حزيران، فلم يكد ينقضي أكثر من شهر واحد حتى انعقد في شهر تموز/ يوليو 1967 مؤتمر القمة العربية في الخرطوم، كي يبحث دور العمل العربي المشترك في مواجهة الاستحقاقات التي طرحتها الهزيمة على الأمة العربية كلها. كان أهم ما أنجزه هذا المؤتمر المصالحة بين مصر والمملكة العربية السعودية التي كرستها مشاركة كل من الرئيس عبد الناصر والملك فيصل في المؤتمر المذكور؛ وكانت تلك في الواقع خطوة مهمة ومطلوبة فالبلدان يخوضان حربًا مكشوفة في اليمن، حيث تقاتل القوات المصرية إلى جانب النظام الجمهوري، بينما تدعم السعودية قوات الإمام البدر والقبائل الموالية له؛ نجم عن هذه المصالحة قبول الطرفين بوقف تدخلهما، وساعد ذلك في سحب تدريجي للقوات المصرية التي كانت تحارب في ظروف صعبة والتي قدمت تضحيات جسيمة وكان تعدادها يساوي ثلث تعداد الجيش المصري تقريبًا. أما أهم قرارات مؤتمر الخرطوم الأخرى فلقد لخصها في ثلاث قضايا “لا صلح، لا تفاوض لا اعتراف” من هنا عرف هذا المؤتمر بمؤتمر “اللاءات الثلاث”. وعلى صعيد الدعم المادي قرر المؤتمر تقديم مساعدة سنوية لكل من مصر والأردن، لمشاركتهما في المؤتمر، وحسب علمي استمرت تلك المساعدة مدة ثلاث سنوات. أما نحن في سورية فقد كان لنا موقف آخر مختلف من مؤتمر الخرطوم، إذ قاطعناه ولم نشارك في أعماله.

كان موقفنا من مؤتمرات القمة، ومن مبدأ المشاركة فيها، من حيث الأساس سلبيًا وكان يتحكم في موقفنا هذا أيضًا المنطلق العقائدي وغير الواقعي؛ فقد كنا ننظر إلى هذه المؤتمرات التي تضم الأنظمة التقدمية والأنظمة الرجعية على حد سواء أنها أداة لتمييع العمل العربي المشترك وصيغة لتضليل الجماهير العربية الكفيلة بتحرير فلسطين! كنا نتصور إذن أن مشاركتنا في مؤتمرات القمة التي يمكن أن تؤمن الحد الأدنى من التضامن العربي والجهد العربي المشترك إنما تعني، بالنسبة إلينا، قبولنا بهذه المؤتمرات بديلًا عن دور الأنظمة العربية التقدمية التي يقع عليها عبء التحرير الأساسي. وهكذا كانت النقاشات تتواصل وتتشعب في مؤسسة القيادة حول جدوى من ثمرات القمة كأنما الخيار المطروح أمامنا أن نقبل واحدًا من خيارين؛ فإما وحدة الهدف وإما وحدة الصف.

درست القيادة السياسية موضوع المشاركة في مؤتمر الخرطوم هذا؛ وبنتيجة ذلك أقرت اقتراح جدول أعمال لهذا المؤتمر، يتضمن ذلك الاقتراح على ما أتذكر الآن خمسة بنود كانت القيادة ترى فيها الحد الأدنى المطلوب من العمل العربي المشترك لإزالة آثار الهزيمة وتحرير الأرض المحتلة. هذا الاقتراح يقدم أولًا إلى اجتماع وزراء الخارجية الذي يحضر لانعقاد مؤتمر القمة، فإذا وافق عليه كجدول عمل لمؤتمر القمة يمكن لنا في سورية أن نشارك في أعمال مؤتمر القمة تضمنت تلك البنود قطع العلاقات الدبلوماسية مع الدول التي شاركت “إسرائيل” في عدوانها وفي ‏مقدمتها الولايات المتحدة وبريطانيا وكذلك وقف تصدير البترول إليها، وإنشاء صندوق خاص من أجل تحرير الأرض المحتلة عن طريق دعم المجهود الحربي لكل من مصر وسورية والأردن، وتسهم في تمويل هذا الصندوق بصورة رئيسية الدول المنتجة للنفط حسب نسب يتفق عليها. كذلك تضمنت تلك البنود عدم إجراء أي مفاوضات مع “إسرائيل” أو تقديم أي تنازلات لها.

حمل الرفيق الدكتور إبراهيم ماخوس وزير الخارجية آنذاك الموقفَ السوري مزودًا بتعليمات واضحة؛ وشارك في مؤتمر وزراء الخارجية التحضيري. غير أن محاولاته في إقناع الوزراء الآخرين للقبول بهذا الاقتراح كأساس لجدول أعمال المؤتمر لم تجد نفعًا؛ فعاد أدراجه من دون أي نتيجة تذكر، وبذلك غابت سورية عن مؤتمر الخرطوم.

من التطورات المهمة التي أعقبت حرب حزيران صدور قرار مجلس الأمن رقم 242 ‏في تشرين الثاني عام 1967 الذي وافقت عليه “إسرائيل” ومصر والأردن ورفضته سورية، وفي إطار القبول بهذا القرار تعاملت هذه الأطراف مع المهمة التي كلف بها السويدي غونار يارنغ مندوب الأمين العام للأمم المتحدة الذي قام بعدة جولات روتينية إلى المنطقة.

استند موقفنا، في رفض قرار مجلس الأمن المذكور الذي حبك صياغته مندوب بريطانيا في مجلس الأمن اللورد كارادون، إلى عدة أسباب جوهرية، في مقدمتها أن هذا القرار على الرغم من أنه ينص على عدم جواز الاستيلاء على الأرض وحيازتها بالقوة إلا أن النص في النسختين الإنكليزية والفرنسية جاء متباينًا، في ما يتعلق بالانسحاب الكامل من الأراضي المحتلة؛ إذ أن إحدى النسختين كانت تتضمن النص التالي “الانسحاب من أراضٍ احتلت”، وليس الانسحاب من الأراضي التي احتلت، وأهم من ذلك أن القرار لا يعالج القضية الفلسطينية كقضية شعب له حقوقه التاريخية الثابتة في وطنه وإنما تحدث عنها كقضية لاجئين.

كان موقفنا إذن من رفض القرار 242 ‏موقفًا صلبًا ومبدئيًا؛ لم نتراجع عنه استجابة لنصائح الأصدقاء السوفييت تارة وضغوطهم تارة أخرى، والذين كانوا يرون في قبولنا بقرار مجلس الأمن هذا شرطًا لازمًا، لتحقيق الانسجام في مواقف النظامين السوري والمصري، إزاء مهمة استرداد الأراضي المحتلة. والواقع أن الاختلاف في الموقف بين القيادتين من هذا القرار لم يحُل دون تحقيق التنسيق والتعاون بين سورية ومصر مع التفهم والتقدير التام لظروف كل منهما، بل إن هذا التنسيق بين الجانبين قد وصل إلى مستوى متقدم لم يشهده في أي وقت سابق.

أما على الجانب السوفيتي فقد كان موقف القيادة السوفيتية من هذه الحرب ونتائجها صعبًا وحرجًا للغاية. وكما يشير الدكتور مراد غالب سفير مصر وقتئذ في الاتحاد السوفيتي، في مذكراته، فإن هزيمة حزيران/ يونيو قد أثرت تأثيرًا سلبيًا كبيرًا على القيادة السوفيتية المتمثلة آنذاك بالترويكا أي بريجنيف وكوسيفين وبودغوني، وأن الشارع أخذ يتساءل لماذا تقدم قيادته أسلحة لدول لا تحسن استخدامها. وإضافة إلى ذلك فإن المواطن السوفيتي، وكردة فعل أولي على ما حدث، أصبح يعدّ الهزيمة هزيمة للسلاح السوفيتي وللشعب السوفيتي.

لكن وعلى الرغم من تلك الانعكاسات السلبية المباشرة. فقد كان موقف الاتحاد السوفيتي الرسمي داعمًا بقوة لسورية ومصر، في أثناء الحرب وبعدها. فتدخل السوفييت كما أسلفنا في مجلس الأمن من أجل إصدار قرار بالوقف الفوري لإطلاق النار، ولما لم تمتثل “إسرائيل” وجه كوسيفين إنذاره الحازم لها بضرورة التوقف وقطع الاتحاد السوفيتي علاقاته بـ “إسرائيل”. وفي الاتحاد السوفيتي أيضًا نظمت الحكومة اجتماعًا عامًا لممثلي اليهود السوفييت؛ واتخذ هذا الاجتماع موقفًا واضحًا بإدانة “إسرائيل” ومطالبتها بالانسحاب من الأراضي التي تحتلها.

على صعيد إعادة بناء القوات المسلحة في سورية ومصر، كان موقف الاتحاد السوفيتي موقفًا تاريخيًا مشرفًا وداعمًا إلى أبعد الحدود. فلقد باشر الاتحاد السوفيتي حالما توقفت الأعمال الحربية على الجبهتين بتزويد مصر وسورية بالسلاح والعتاد وبالفنيين والخبراء وذلك في ‏مواجهة المساندة الكاملة للإدارة الأمريكية لـ “إسرائيل”، حسبما يروي الفريق محمد فوزي وزير الحربية المصرية في مذكراته.

في إطار الاهتمام والدعم الاستثنائي الذي أولته القيادة السوفيتية لمصر وسورية، بعد حرب حزيران، فقد حرصت أن يكون التمثيل الدبلوماسي في البلدين في أفضل وضع ممكن، وهكذا فقد كان هناك فلاديمير فينوغرادوف عضو اللجنة المركزية سفيرًا في القاهرة، ونور الدين محي الدينوف عضو المكتب السياسي السابق، كعضو اللجنة المركزية وقتئذ سفيرًا في دمشق، وخولت كل منهما صلاحيات استثنائية، بحيث يستطيع -ولمست ذلك بنفسي- أن يتصل بالقيادة -الترويكا- في أي وقت يراه دون المرور بالطرق الدبلوماسية الاعتيادية.

تلك كانت الخريطة السياسية لأهم الأحداث التي تعاقبت على المنطقة، بعد حرب حزيران. وتلك كانت أهم التوجهات التي تقررت، ورسمت الإطار العام لعملية الإعداد والتحضير لمعركة “إزالة آثار العدوان” وتحرير الأرض. فكيف سارت الأمور في سياق هذه العملية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق