ترجمات

نيو يورك تايمز: هل تنحدر إيران إلى الفوضى؟

شاب وفتاة يتأملان طهران في عام 2014. أكو ساليمي

منذ بداية هذه الألفية تقريبًا، كانت إيران جزيرةً من الهدوء وسط عدم الاستقرار والعنف. تجدر الإشارة إلى أنَّ جارتها الشرقية أفغانستان انحدرت إلى حالةٍ من الفوضى، بعد الغزو الذي قادته الولايات المتحدة عام 2001، ومثلها العراق، على حدودها الغربية، البلد الذي عانى من المصير نفسه بعد عام 2003، وبعد ثماني سنوات في عام 2011، انخرطت سورية في حربٍ أهلية.

وعلى الرغم من أنَّ إيران الشيعية كانت مشاركةً في الصراعات التي تلت ذلك في جميع الدول الثلاث، بإرسال الرجال والمال والأسلحة لمزيدٍ من القتال ضد الشوفينين السنة، ورعاتهم في الخليج إلا أن أراضيها ظلّتْ بعيدة عن أن تُمسّ.

لقد كانت إيران دولةً وظيفية، حيث كانت السلطات المركزية تتمتع باحتكار القوة، وكان الناس غير الرسميين غير مسلحين بأغلبيتهم ساحقة. العامَ الماضي، وفي زيارةٍ إلى أوروبا، قال رئيس البلاد المنفتح حسن روحاني: إنَّ إيران هي “أكثر الدول أمنًا، واستقرارًا”، في الشرق الأوسط.

يرى كثيرٌ من الإيرانيين -بصرف النظر عن موقفهم، سواء كانوا مع محور المحافظين أو الإصلاحيين- يرون أنّ أيّ نقصٍ، في الحرية السياسية أو الاجتماعية في الجمهورية الإسلامية، هو ثمنٌ يستحق الدفع مقابل العيش في دولةٍ آمنة، وكانوا يخشون اليوم الذي يتلاشى فيه ذلك الأمن.

ومن الممكن أن يكون يوم 7 حزيران/ يونيو، هو ذلك اليوم، عندما توقفت الأعمال العادية في صباح طهران، من خلال هجماتٍ انتحارية، وانكشف كذب فكرة أنَّ الجمهورية الإسلامية مستثناةٌ من القتل الطائفي.

في الساعة 10:30 صباحًا، كان مبنى البرلمان الحديث المائل، وهو رمزٌ للعنصر الديمقراطي في بنية السلطة المعقدة في الجمهورية الإسلامية، إلى جانب ضريح مؤسس النظام “آية الله روح الله” الخميني، الأكثر تقليديةً، هدفًا لهجماتٍ منسقة من قبل مسلحين وانتحاريين.

قُتل ما لا يقل عن 17 شخصًا في الهجمات الإرهابية، إلى جانب المهاجمين الستة، (أحدهم من النساء) وأُصيب أكثر من 40 شخصًا، وأعلن تنظيم (الدولة الإسلامية) مسؤوليته عن هذه الهجمات، كما غمرت وسائل الإعلام الاجتماعية الإيرانية تعبيراتٌ عن الحزن والقلق، وإداناتٌ لبربرية المهاجمين، صرخات التحدي: الموسيقى المزاجية لهجومٍ جهادي وحشي آخر.

 

جزيرة كيش، إيران، 2014 أكو ساليمي

الحرس الثوري الإيراني بسرعةٍ، وبغموضٍ متعمد، اتهمَ المملكة العربية السعودية، والولايات المتحدة. إنّه قوتُ أصحاب عقل المؤامرة الإيرانيين الذين يعتقدون أنَّ (الدولة الإسلامية) هي الخلق أو الإنشاء المشترك لخصمها السني الرئيس، وخصمها الغربي الرئيس. ولكن في الأيام المقبلة، وبمجرّد أن يُمحى الدم عن الجدران، ويُكرّم الموتى، سيتحول المزيد من الاهتمام الرصين إلى الهفوات الأمنية التي سمحت لفِرق الانتحاريين باختراق اثنين من أكثر المباني رمزيةً في البلاد.

منذ أنْ أعلنت (الدولة الإسلامية) خلافتَها في عام 2014، تفاخرت القوات المسلحة الإيرانية بقدرتها على منع الجهاديين من دخول إيران؛ في الواقع، كان القادة معتادين على التحدث عن “خطٍ أحمر” يشمل نحو 25 ميلًا ضمن الأراضي العراقية، حيث لن تسمح إيران، بأيّ حالٍ من الأحوال، لتنظيم (الدولة الإسلامية) بتجاوزه.

لكن في منتصف عام 2014، كانت التقارير تنتشر عن مقاتلي (الدولة الإسلامية) الذين يعبرون الحدود العراقية؛ وكانت إيران تنفي ما في تلك التقارير، في حين اعترف قائد القوات البرية الإيرانية، بعد ذلك بعامين، بأنَّ (الدولة الإسلامية) استقطبت مجندين من السنة الإيرانيين. (يقدر عدد السنة في إيران نحو 9 في المئة من عدد السكان البالغ 79 مليون نسمة، يعتقد أنهم من السنة، ومعظمهم من أفراد الأقليات الكردية والبلوشية).

في شباط/ فبراير، أعلن المدعي العام الإيراني اعتقالَ عناصر من تنظيم (الدولة الإسلامية)، “في محيط طهران”؛ حيث كانوا يخططون لـ “أذى” يتزامن مع احتفالٍ لإحياء ذكرى ثورة 1979.

وجاء التحذير من جمهورٍ لم يسبق له مثيل بعد شهر، عندما نشر ناشطو (الدولة الإسلامية)، في شرق العراق، شريطَ فيديو باللغة الفارسية على شبكاتهم الاجتماعية؛ وفي هذا الفيديو، تعهد مسلحو تنظيم (الدولة الإسلامية) بالدخول إلى إيران، وقالوا: “سنغزو إيران، ونعيدها لحكم السنة”، كما أُعدم رجال ميليشيا شيعة، يُعتقد أنّهم عراقيون.

وأشار فيديو تنظيم (الدولة الإسلامية) إلى المرشد الأعلى الإيراني “آية الله علي خامنئي”، ووصفه بسوء المعاملة، وانتقد نظامه لموقفه المتهاون نسبيًا تجاه أكثر من 8000 يهودي، يعيشون داخل إيران. وقال الراوي: إنَّ “إيران تصرخ بشعاراتٍ ضد أميركا و(إسرائيل)، من أجل خداع السنة، بينما يعيش يهود إيران في أمانٍ تحت حماية الدولة الإيرانية”.

إنَّ ضرورة انتقاد (الدولة الإسلامية) للجمهورية الإسلامية لكونها وديةً جدًا مع يهودها، يشير إلى أنَّ هناك اتفاقًا كبيرًا غير الهوية الطائفية يفصل بينهما. وكان هذا التمييز قد غاب تمامًا عن الرئيس ترامب، عندما بدا وكأنه يجمع إيران، والجهاديين السنة معًا كجزءٍ من “الشر” نفسه، وذلك في خطابه أمام القادة المسلمين في المملكة العربية السعودية، في 21 أيار/ مايو، ويبدو أنه فات الكثيرين في الغرب.

تتشارك أيديولوجية تنظيم (الدولة الإسلامية) كثيرًا مع العناصر الأكثر تطرفًا في المؤسسة الدينية الوهابية في المملكة العربية السعودية، بما في ذلك استخفافها المشترك بالشيعة، باعتبارهم مرتدين يستحقون الموت.

طهران، 2014. أكو ساليمي

في إيران، على النقيض من ذلك، كان الخطاب أكثر تسامحًا؛ في حين يُعلَّم الشيعة الإيرانيون، أنّ نسختهم من التاريخ والممارسة الإسلامية هي الصحيحة، وبينما يتم التمييز ضد السنة بشكلٍ روتيني، لكن لم أسمع في أيّ مكانٍ أيَّ وصفٍ آخر للسنّة العاديين بأنهم غير مسلمين. أن تكون سنيًّا في إيران، قد لا يكون أمرًا سهلًا ومريحًا، ولكنه ليس تهديدًا للحياة.

بيان الحرس الثوري الذي اتهم ضمنيًا السعودية، في هجمات الأربعاء 7 حزيران/ يونيو، يجب أن يُنظر إليه في إطار تصاعد التوتر الاستراتيجي بين طهران والرياض، أكثر من بيان جمودٍ طائفي.

إنّ إيران، بكلّ ما لها من ارتباطٍ بأتباعها، تتخذ موقفًا براغماتيًا في التعامل مع العلاقات الخارجية، كما يتضح من قرارها، بتزويد الأغذية للدولة الملكية السنيّة الصغيرة: قطر، بعد أن قطعت المملكة العربية السعودية، والعديد من دول الخليج الأخرى علاقاتها مع القطريين عقابًا على علاقاتهم الودية مع الجمهورية الإسلامية.

يتنبأ قادة إيران، ووسائل الإعلام بنشوةٍ، بتدمير (الدولة الإسلامية) في معاقلها في العراق وسورية، وكأن هذا سيؤدي إلى إنهاء مشكلة العنف الجهادي. لن ينهيها، حتى لو تم القضاء عليها، فإنْ اندثرت المنظمة، أو أخذت أشكالًا أخرى، فإنَّ قدرتها على التحفيز، وارتكاب الفظائع لا تزال هائلةً. لن تنتهي المشاعر القاتلة والمعادية للشيعة، المشاعر التي نشرتها “الدولة الإسلامية” في الشرق الأوسط، وستكون اختبارًا للجمهورية الإسلامية لسنواتٍ مقبلة.

الخوف الآن، هو أنّه إذا تعرضت إيران بشكلٍ متزايد للهجمات الجهادية، فإنَّ المواقف تجاه السنة -ولا سيّما الأقلية السنية في البلاد- سوف يتصلب. وكما قال المدعي العام الإيراني للجمهور، في آذار/ مارس: “إذا لم نصفع العدو خارج حدودنا، فسيأتي إلى أبوابكم”، وماذا لو كان ينظر إليه على أنه فعليًا بالداخل؟

من المرجح أن تتراجع الهجمات على إيران على الصعيدين المحلي والخارجي؛ فقد انتقد الإصلاحيون بالفعل دعمَ إيران للطاغية العلماني في سورية، وتلك الانتقادات قد تتزايد.

هل أدخلت التدخلات العسكرية لإيران في المنطقة، في صراعٍ مع تنظيم (الدولة الإسلامية) في الوقت الذي زادت فيه حدّة التوتر مع السعودية، وتوابعها من السنة، وتجاوزت دورها؟

أضف إلى هذا التعبير العدائي الذي أدلى به ترامب مؤخرًا، ومن الواضح أنَّ العالم خارج إيران هو مكانٌ معقد، وغادر بالفعل، قد حطَّ في وسط طهران.

اسم المقالة الأصليWill Iran Descend Into Chaos?
الكاتبكريستوفر دو بيلاجيه، Christopher de Bellaigue
مكان النشر وتاريخهنيو يورك تايمز، The New York Times، 11/06/2017
رابط المقالةhttps://www.nytimes.com/2017/06/11/opinion/will-iran-descend-into-chaos.html
ترجمةأحمد عيشة

مقالات ذات صلة

إغلاق