تحقيقات وتقارير سياسية

“خفض التوتر”… مناطق الفناء الذاتي

ما سُمّي زورًا وبهتانًا “مناطق آمنة” أو مناطق “خفض التوتر” ما هي إلا مناطق للفناء الذاتي، بمعنى أنها مناطق محاصَرة من الخارج، حيث يتحكم النظام بدخول أسباب الحياة إليها من غذاء ودواء وماء وكهرباء، والفرق بينها وبين المدن التي حاصرها النظام سابقًا ثم هجرها، هو أن المناطق الجديدة أقل خطرًا على وجود النظام، وبهذا يكون حصر الثورة في جيوب متفرقة يسهل، خلال أشهر من الاجتماعات والمماطلات، أن يقضمها الواحدة تلو الأخرى، وبطبيعة الحال روسيا تشلّ قرارات مجلس الأمن، والتدخل الأميركي محصور بما يخدم مصالح أميركا وأهدافها في المنطقة، دون النظر إلى مصلحة الشعب السوري.

النظام من طرفه، ومن خلال أصدقائه الروس، قدم ضمانات كافيه لـ “إسرائيل” بأن يحرس حدودها الشمالية فور سيطرته على الجنوب السوري، أما الأردن، ومن منظور آمنه القومي، فلا مصلحة لها مطلقًا مع أي جهة معارضة -سواء كانت إسلامية أو من الجيش الحر أو غيرها- بالسيطرة على الحدود؛ إذ إنها لا تثق إلا بالنظام السوري المُجرَّب من طرفها، خلال عقود لذلك نراها تقف متفرجةً على ما يحصل في درعا، وتنتظر لحظة وصول الميليشيات إلى نقطة الحدود الدولية. ولا شك أن للحكومة الأردنية مستشاريها ومفكريها الذي ساهموا باتخاذ هذا الموقف ليس من الجانب الأمني فحسب، وإنما من الجانب الاقتصادي أيضًا، حيث أدت الثورة في سورية إلى أزمة اقتصادية خانقة بالنسبة إلى الأردن.

ولكي نكون منصفين فقد أُتيحت لنا الفرصة بأن ندير الحدود الدولية حين وصلنا إليها، ولكن الذي حصل أعطى أبشع الصور للأردن والعالم بأسره، والصور التي شاهدها الجميع لا تتحدث عن ثورة، وإنما عن قطعان من المرتزقة واللصوص وقطاع الطرق، حيث تجاوز الأمر حدود السرقة إلى تخريب بلاط وسيراميك مبنى الحدود، وهنا لا أبرر للأردن موقفها بقدر ما أصف واقع الحال وما حصل، وجميعنا يعلم أنه قد يصل الحال بالمرء إلى أن يبيع منزله إن ابتلاه الله بجار سوء، ولكننا هنا نتحدث عن دولة جارة، حيث لا يمكن البيع والشراء والانتقال.

بالعودة إلى المناطق “الآمنة” لا يوجد، في المناطق المسماة آمنة، فصيلٌ واحد يسيطر سيطرة كاملة على هذه المنطقة أو تلك، وكل منطقة فيها عشرات الفصائل التي تحمل الضغينة لبعضها، وأحيانًا تتبع الجهة الداعمة أو الممولة نفسها، وغالبًا قادة هذه الفصائل هم أشخاص مدنيون لا شأن لهم في الشأن السياسي أو العسكري، ولا يملكون نظرةً استراتيجية، وكل تصرفاتهم محكومة بالخطوات التكتيكية ومحصورة بمناطق سيطرتهم، والقائد الذي لا يملك نظرةً استراتيجية يظن أن حدود العالم هي حدود الحي الذي يسيطر عليه، ولايدرك حجم المخاطر البعيدة، وبهذا يتحول إلى أمير حرب، يخوض اقتتالًا داخليًا حتى يصبح بين نارين: نار الخصم ونار المجتمع الموجود فيه؛ وبالتالي لا نستطيع الحكم من أي جهة ستأتيه طلقة الخلاص، لتضع حدًا لحياته وتسقط “حارته” التي كان يستعرض فيها عضلاته.

الفصائل الموجودة على الأرض اليوم متعددة الولاءات ومتشعبة، فمنها الولاء للجهة الداعمة سواء كانت محلية أو إقليمية، وهناك الولاء المناطقي المؤدي لخلاف مناطقي، وهناك الولاء القبلي كما في القوات المستحدثة من قوات العشائر وغيرها، والمؤسف أن كل هذه الدماء، على مدار ست سنوات، لم تستطع أن تشكل وعيًا ثوريًا كافيًا على الأرض، ولربما تشكل ذلك الوعي ولكن الداعم منعه من الظهور عملًا محسوسًا، فحين تطالب قائد فصيلٍ -اليومَ- بأن يساند المقاتلين في درعا؛ يقول لك لا أستطيع أن أفعل، ذلك بأني لو ذهبت لغضب الداعم؛ وإن غضب الداعم فمن أين سوف أطعم “رجالي”؟ وهنا لا يدرك ذلك القائد بسبب قصور في الإدراك أن رجاله -إذا ما سقطت درعا- لن يعودوا رجاله، وسوف يصبحون رجال أستانا، وقرار الفطام عن الداعم قرار رجولي كبير بحاجة إلى قائد كبير مستعد للتضحية، وهذا لم يحصل مع أي فصيل حتى اللحظة، عدا المقاتلين في حي المنشية في درعا، حين قرروا فتح معركتهم دون النظر إلى رأي الممول والداعم؛ وكانت النتيجة أنهم يقاتلون قتالًا بطوليًا ببسالة منفردة ومنقطعة النظير.

في أستانا لا يوجد شيء اسمه دول ضامنة، بل يوجد مخطط روسي، وافقت عليه تركيا وإيران؛ ضمانًا لمصالحهما، وقادة الفصائل المشاركين يعلمون ذلك جيدًا، ولكن لماذا يذهبون. ربما يتعلق الأمر بمرتبات “رجالهم” وربما بضمان حياتهم الشخصية، ولكي ننصفهم لا بد من أن نذكر بأن الدعم المالي والعسكري من الشمال والجنوب قد توقف جزئيًا، وقد يتوقف كليًا؛ إن هم لم يذهبوا إلى أستانا، وبمعنى واضح وجلي لقد رُهِن القرار الوطني للداعم، فمن منحنا البندقية صادر قرارنا الوطني المستقل، منذ أن منحنا البندقية الأولى، وهذه حقيقة قائمة لا تحتاج إلى دليل أو برهان، وحتى نعود ثوارًا، بقرار وطني بتنا بحاجة إلى ثورة شاملة، من جميع الفصائل دفعةً واحدة، ضد الداعم أو الداعمين، وإلى العمل على إعادة خلط الأوراق وخلق واقع جديد يجبر الجهات المانحة والداعمة على تغيير سياساتها، بما يخدم ثورة الشعب، وإن كان لا يخدم مصالحها بشكل كلي، وإن لم يحصل هذا فلن تطول المدة التي سيستعيد النظام فيها كامل المناطق الخارجة عن سيطرته، وسيُدفن قادة أستانا فيها؛ وستتحول المناطق الآمنة إلى مناطق فناء ذاتي، نتيجةً للاقتتال الداخلي الذي سينشب لا محالة بين الفصائل المسيطرة على هذه المناطق من جهة، وبينهم وبين الأهالي من جهة ثانية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق