مقالات الرأي

كرة القدم والانتماء الوطني

أرى أن كرة القدم من الرياضات الجاذبة، وإني أتابعها عمومًا بوصفها وسيلةً لإراحة العقل من التفكير الشديد الذي يُرهقه. وعادة ما اختار الفريق الذي أود تشجيعه استنادًا إلى معايير الجغرافيا السياسية؛ بحيث أميل عمومًا إلى دول العالم الثالث أو ما يزيد. وعندما لا تتوفر، أختار دول الجنوب عمومًا أو دول أمريكا اللاتينية تيمنًا بثوراتها الناجح منها والفاشل والذي بين بين. وعندما يجتمع الأقوياء في مباراة، كألمانيا وهولندا مثلًا، أُعمل الذكريات في الاختيار؛ فأنا أحب برلين منذ وجدتها بعد وحدتها، ولكنني درّست أيضًا في أمستردام، فيبقى الخيار محتارًا، وسرعان ما يُريحه وجود لاعب من أصل تركي في المنتخب الألماني؛ فيقع الحسم بالنسبة لي. لست من أولئك الذين يُعجبون بـ “المدحلة” أو بـ “التكتيك” أو بما شابه، فأنا أكثر تواضعًا في الاختيار، وليس لدي فريق مفضّل ويكفيني أن يُسيء أحد اللاعبين التصرّف أو أن أشعر بغبن في حدوده الدنيا من قبل الحَكَم لأقوم، بكل راحة ضمير، بتغيير الفريق الذي اخترته في البداية.

منذ عدة أيام، جمعت مباراة ودية منتخبَي فرنسا وإنكلترا في ملعبٍ باريسي، امتلأت جنباته بعشرات ألوف المحليين كما القادمين من الضفة الثانية من بحر المانش. وكان على رأس الحضور -على الرغم من التخوفات الأمنية شديدة الوطأة- رئيسُ الجمهورية الجديد في فرنسا الخارج من انتصار “كاسح”، في دورة الانتخابات التشريعية الأولى، إلى جانب رئيسة وزراء التاج الملكي التي تخرج شبه منهزمة من انتخابات بلادها التشريعية، والتي حرمتها من الغالبية المطلقة في مجلس العموم. في هذا الإطار، تجدر الإشارة إلى “العداء” التقليدي بين فرنسا وانكلترا، العداء الذي يجمع في ما يجمعه من تراكمات حرب المئة سنة الموغلة في القدم (1337 ـ 1453)، ولكنها تجددت مرارًا عبر وسطاء حيث تواجه البلدان في حروبهما الاستعمارية، كما تنازعا السيطرة على بعض المناطق الاستراتيجية في أفريقيا كما في الشرق الأوسط. وآخر ما حررته الإشارات التاريخية إلى العداء السياسي، ولو بقفازات مخملية، فقد كانت إدارة تشرشل لعلاقاته مع الجنرال ديغول، عندما لجأ إلى لندن، وأعلن منها قيام المقاومة ضد الاحتلال النازي لفرنسا.

البلَدان ليسا “شقيقين” ولا تجمعهما لغة مشتركة، وإنما على العكس، فهما يتنازعان المشهد الثقافي الكوني، بمحاولة تعزيز حظوظ لغة وثقافة كل منهما، كما أنهما لم يشتهران بالتوافق في المسائل الكبرى كما تقاسم النفوذ الاستعماري أو تجديد النفوذ الاستعماري المُلطّف العائد من النافذة. كما أنهما “تصارعا” في حلبة المشروع الأوروبي، حيث كانت بريطانيا دائمة التبرّم وفرض الشروط على الاتحاد الأوروبي الذي تلعب فيه فرنسا إلى جانب ألمانيا دور القيادة، إلى أن تُوّج هذا الدلال البريطاني بالانسحاب من الاتحاد الأوروبي، عبر ما صار يُعرفُ “تحببًا” بـ (البريسكيت).

كل هذه التراكمات، وسواها، تُتجَاوز في ظل الأنظمة الديمقراطية، وفي ظل الحكومات المنتخبة؛ لأن العداء للعداء ليس من ديدنهم وإنما هو هواية يُمارسها قادةٌ، شرعيتهم الوحيدة هي في اختلاق العداء مع جيرانهم، ولو كانوا ينتمون إليهم دينًا وثقافةً ولغةً وموقعًا جغرافيًا.

في افتتاح المباراة التي جمعت البلدين، وهي تأتي أيضًا بعد أيامٍ معدودة من العمليات الإرهابية الداعشية التي روّعت البريطانيين في مانشستر وفي لندن، قامت الفرقة الموسيقية للحرس الجمهوري الفرنسي بعزف أغنية بريطانية تعزّز تداولها في الأيام التي تلت الإرهاب الذي وقع ورسالتها الأساسية تدعو إلى “أن لا ينظر الإنسان إلى الوراء، وأن لا يحقد”. كما أنها عزفت النشيدين الوطنيين مع عرض كلماتهما على شاشة عملاقة، لحثّ الجمهور على المشاركة في الغناء. وفي لقطة أخيرة، ظهر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وهو يغني النشيد البريطاني البسيط الذي يتمحور حول عبارة “فليحفظ الله الملكة”!

لم يكن هناك من تلقائية في مشهد المنصة الرسمية على عكس مدرجات الكادحين. بالمقابل، فهذه “المسرحية” المُخرجة بإتقان، تشير بجلاء إلى الرسائل المحمّلة في جنباتها. إن غناء رئيس جمهورية بلد ما للنشيد الوطني لبلد آخر هو التعبير الأمثل عن التصالح مع الذات الوطنية والانتماء الذي ما زال يحبو في بلدان عدة والعربية على رأسها. وحيث إن العَلم كما النشيد هما من الرموز الأكثر ارتباطًا بالانتماء (الانطواء؟) الوطني، فالممارسة الديمقراطية تجاوزتهما لتجعلهما عنوانَي احتفال أو وسيلتَي تعبير وتضامن.

وفي مشهد رمزي أخير، اجتمع أعضاء الفريقين متكاتفين ومختلطين في منتصف الملعب ووقفوا دقيقة صمت طويلة حدادًا على أرواح ضحايا الإرهاب. مشهدٌ غاب عن أخلاقيات ومرجعيات منتخب عربيٍ شارك مؤخرًا في مباراة دولية، حيث وقف الجميع، في الملعب وفي المدرجات، دقيقةَ صمتٍ احترامًا لضحايا الإرهاب، وأبى أعضاء المنتخب العربي إلا أن يستمروا بالتحمية والركض في أطراف الملعب؛ حتى نالوا اشمئزاز الجميع بامتياز. وقد برّر رعاتهم الأشاوس هذا التصرف، بكل ما أوتوه من قلّة علم، ونقص وعي.

انتهت المباراة بالنسبة إلي عند هذا المشهد، واعتبرت أن رسالتها الجيوسياسية قد وصلت، وبأنني لست بحاجة إلى متابعة مجرياتها أو معرفة نتائجها.

مقالات ذات صلة

إغلاق