تحقيقات وتقارير سياسية

أيمكن استعادة القرار الوطني؟

نعرف مسبقًا أن استقلالية القرار الوطني، في الظروف العادية لعالم اليوم، ليس سهلًا أو ميسورًا، حتى لو توفّرت الإرادة والنيّة، فدون ذلك قوى كبيرة مهيمنة، وعلاقات دولية متداخلة حوّلت العالم فعلًا إلى قرية كبيرة متشابكة المسارب، ومشاريع استراتيجية، ومصالح دول تريد تأمينها بكل الوسائل المشروعة وغيرها، الظاهرة والخفية، وأن حروبًا عنيفة بأشكال متعددة تجري على الجانبين: جانب الدول التي تحاول بناء قرار وطني مستقل، وتلك التي ترى في الاستقلالية خروجًا من دائرة النفوذ والهيمنة والتبعية، وضربًا للمعتاد من علاقاتها، ومصالحها.

استقلال القرار الوطني ليس أغنية، أو شعارًا.. كما جرت عاداتنا في التغني بالشعارات وترديدها، بينما الوقائع على الأرض مختلفة، ولا تسمح لتلك الشعارات بالتجسيد ولو بالحد الأدنى.

من أوليات وأسس بناء قرار وطني، وجودُ اقتصاد حديث قادر على تأمين الأساسيات، وبنى تحتية قوية ومتطورة، ومؤسسات وبحوث وإنتاج يستجيب للمطلوب، ويكون قادرًا على التكيّف مع التطورات، ومنتجات العلم واكتشافاته، ووعي شعبي يوفر البيئة المطلوبة، وأمور متشابكة يجب العمل على توفيرها حتى لا تسبح الشعارات في الفراغ.

بالأصل، عانت الدول التي خضعت للاستعمار من بلورة وتجسيد قرارها المستقل، وعلى الرغم من وجود حركات تحرر في بعضها خاضت كفاحًا مريرًا لإحراز الاستقلال وطرد القوى الأجنبية فيها، إلا أنها أخفقت في مواجهة التركة الثقيلة، وفي بناء تجارب تهيّؤها للانتقال من التبعية إلى الاستقلال؛ فبدا ذلك عند كثير منها ضربًا من المستحيل، خصوصًا بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، وانكشاف عيوبها البنيوية، وسيطرة مافيات نهّابة في أغلبها جوّفت المحاولات الاستقلالية ولغّمتها.. فباتت التبعية أكثر تشعبًا.

حديث استقلالية القرار الوطني طويل وشائك، حيث إنه في عالم اليوم يصعب وجود حالات استقلالية صافية حتى لدى الدول الكبرى التي كانت حتى الأمس من كبريات الدول الاستعمارية التي حققت تراكمات رأسمالية مهمة من خلال نهبها لمنتوج الآخر، أو سيطرتها التنافسية على الأسواق، وفرض نمط إنتاجي متطور يصعب، على الدول “النامية” أو ضعيفة الإنتاج، اللحاق بها والمنافسة.

من جهة أخرى لا وجود لاستقلالية خالصة أمام حاجات الدول لبعضها، وللعلاقات فيما بينها، وتبقى هنا نسبية، والنسبية متفاوتة جدًا بين دولة منتجة، ومسيطرة على مناطق واقتصاديات العالم، ودولة مستهلكة لا تملك سوى ثرواتها الباطنية، والنفط والغاز مثال صارخ.

حين نجيء إلى الحالة السورية وما حدث للثورة، تقف أمامنا معطيات جبرية في معظمها، خارجة عن إرادة السوريين، بدءًا، ثم منتجة لأفراخ هامشية محسوبة على السوريين، وقد باتت الظاهرة الفاقعة وفي مجالات مختلفة، من الهيئات والمؤسسات التي قامت تحت شعار تمثيل الثورة، إلى الفصائل العسكرية، فهيئات المجتمع المدني، وهذا الفيض في التشكيلات ومراكز البحث، والمؤتمرات، والندوات، ودورات التدريب، والمنح.. والكثير الكثير من الأنشطة التي تقوم تحت عناوين الوضع السوري.

إن تعقيدات الوضع السوري، وعدم تحقيق الانتصار بإنهاء النظام في زمن قصير فتح جميع الأبواب لشتى أنواع التدخلات، والكل يعرف أن الدول ليست جمعيات خيرية، ولا تعمل وفق مبادئها المعزولة عن مصالحها، بل تحاول، في أفضل حال، الدمجَ بينهما، بينما توجد أطراف نافذة وقوية الحضور في اللوحة السورية، لا يهمها سوى الوصول إلى تحقيق مآربها الخاصة، بغض النظر عن مصالح سورية الوطن ومصيرها ومستقبلها.

كانت البداية في الحاجة الماسّة لإغاثة المنكوبين السوريين والنازحين، والمهجّرين أو اللاجئين هربًا من الموت؛ ففُتح الباب واسعًا لدخول أشكال مختلفة، وتحت مسمّيات متعددة، ثم تكوّنت هيئات وتنظيمات تتبع المموّل وتخضع لتعليماته ومصالحه.

وحين أجبرت الثورة على حمل السلاح، ثم انتشار العَسكرة بكل تنوعاتها وتعددها وانتشارها العجائبي، باتت الحاجة أكثر إلحاحًا لتمويل من مستوى لا تقدر عليه سوى الدول، والمقتدرة منها بوجه الخصوص؛ فتشابكت مصالح الدول ومشاريعها، وأخذ القرار الوطني ينسلّ من بين الأيدي، على مرأى وعلم من الهيئات التي نهضت لتمثيل الثورة، وأُجبرت على التعامل مع هذه الوقائع، وهي تتدحرج بالتدريج نحو ما يشبه الاستسلام لهذا الوضع القسري، ثم ظهر من يرحّب به، ويتعاطى معه من مواقع تبعية تبرر وتفلسف الوضع وتعتبره مكسبًا يجب توسيعه، وحتى الاستقواء به، عدا عن أثر الرهانات على الخارج، وقناعة العديد من الشخصيات المعارضة بأن التدخل الخارجي هو العامل الحاسم، وأنه قادم لا محالة، فبنيت على أساسه مواقف كان القرار الوطني فيها يضمحل ثم يغيب.

كما أن تطور الحالة السورية، ودخول قوى كبيرة وإقليمية عليها دوّلتها عمليًا بكل ما يعني ذلك أن السوريين جميعًا بمن فيهم أهل النظام صاروا المعادلة، ومجرد واجهات شكلية وديكورية، بينما يعود القرار لتلك الأطراف الخارجية، بما في ذلك الصراع على مناطق النفوذ، أو تناغم، وتنافس وتضارب المشاريع المختلفة، وقيام أوضاع تحت ما يسمى بمناطق النفوذ المختلف على حدودها بين تلك الأطراف.

الصراحة تقول إن الثورة التي قامت بالأصل لانتزاع الديمقراطية، وتحقيق العدالة والكرامة، وإعادة سورية إلى موقعها الطبيعي: بلدًا للتناغم والتعايش والتفاعل والإبداع بين جميع أطيافها ومكوّناتها قد أثقلت بالكثير، ففقدت هيئاتها التمثيلية، والفصائل العسكرية، ومختلف العناوين المنتسبة للثورة حرية القرار، وأصبحت ملحقة، أو هامشية، أو موزعة بين ولاءات متعددة، وقد تكون متضاربة، مثلما تنعكس خلافات الأطراف الخارجية عليها بشكل آلي، ومبتذل أحيانًا.

إن استعادة القرار الوطني المستقل هو بيت قصيد الوطنية السورية، وامتحان الائتلاف الأكبر، إن كان صادقًا في تمثيل الثورة وانتزاع حقوقها وبناء النظام البديل، وهو قضية ترتقي اليوم إلى مصاف أهم القضايا والتحديات.

ولأن ذلك لن يكون شعارًا، ولا حالة رغبوية، ولأنه حصيلة وليس مقدمة، فإن مجموعة الخطوات الإصلاحية، ومأسسة العمل، ووجود برنامج واقعي، وإنجاز عدد من المسائل الملحة، إنما هي مقدماته وبنيته.

إن إعادة هيكلة الائتلاف ليكون معبّرًا حقيقيًا عن قوى الثورة والمعارضة، والتخلص من عديد أمراضه البنيوية والممارساتية، والنهوض بالأعباء الكثيرة الوارد في خطة الإصلاح التي تقدّم بها رئيس الائتلاف، وقامت لجنة مختصة بدراستها وتفصيلها في مجموعة من المهمات، هي اليوم مقدمات طبيعية كي يصبح الائتلاف معبّرًا عن الشعب والثورة، له وجوده وقواه على الأرض، وعلاقاته المتينة مع الشعب وفاعلياته.

حينذاك يمكن لشعار استعادة القرار الوطني أن يتحوّل من أمنية إلى أمر واقع، ويمكن للائتلاف أن يصبح رقمًا صعبًا في المعادلة السورية لا يمكن لأي طرف أن يتجاوزه، أو يهمّشه، وقد سبق لي في مقال سابق أن تناولت المهام البرنامجية المطروحة في مشروع الإصلاح، وأهمية السير فيها بفاعلية، وحزم، وإرادة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق