مقالات الرأي

استراتيجية التكيّف الإيرانية مع الدول الفاشلة

يُنظر غالبًا إلى مفهوم “التكيّف” في السياسة على أنه مفهوم براغماتي، تفرضه احتياجات محددة، تدفع طرفًا بعينه، أو بعض الأطراف، من المنخرطين في مواجهة سياسية، آنية، أو استراتيجية، إلى قبول حالةٍ ما، ومحاولة الاستثمار فيها، على الرغم من كونها حالة غير مستقرّة، بل وحصد نتائج تعظّم من النفوذ، بانتظار تغيير الظروف.

إن المبدأ الرئيس في منظومات الأمن هو مفهوم الاستقرار، فتحقيق مصالح اللاعبين يحتاج إلى ظروف تتمتّع بالثبات، على مدى سنوات، أو عقود، إذ لا يمكن -من هذا المنظور التقليدي للسياسة- تحقيقُ مكاسب طويلة الأمد من دون تأمين حدود مقبولة من شروط الاستقرار، يتمّ فيها تبادل المصالح، وتحقيق المنافع، وضمان حالات عدم التقلّب، وبناء تحالفات استراتيجية، تكون قادرة على فرض مصالح اللاعبين المنخرطين في تلك التحالفات.

لكن مفهوم “التكيّف” هو نفسه خاضع لإجراء تعديلات تطال جوهرَه التقليدي، إذ إن بعض الحالات تفرض خللًا في منظومات الأمن والاستقرار، وقد لا يكون من الواضح متى يمكن بناء منظومة جديدة، خصوصًا إذا كانت مصالح اللاعبين ورؤيتهم للحلول بعيدة، بشكلٍ كبير، عن بعضها البعض، وفي بعض الأحيان، يكون الخلل الذي يصيب منظومة أمن واستقرار إقليمية أو دولية فرصةً من أجل إعادة التموضع، وكسب مساحات نفوذ جديدة، وتقليص مصالح اللاعبين الآخرين؛ ومن ثم بناء منظومة أمن واستقرار، بحسب ما تمضي إليه نتائج اللعبة الجديدة.

وتمثّل الحالة السورية، بما سبقها من أحداث إقليمية فارقة، وتحديدًا الحدث الفارق الذي يمثّله تداعي نظام صدام حسين، والاحتلال الأميركي للعراق، أو ما فرضته الحالة السورية من تغيّرات في منظومة الأمن والاستقرار الإقليمي، تمثّل نموذجًا لحالة “التكيّف” لأحد اللاعبين الإقليميين الكبار، ونقصد هنا اللاعب الإيراني، لكن من منظور يتجاوز البراغماتية المؤقتة إلى تكيّف استراتيجي، حيث إن السياسات الإيرانية، منذ الاحتلال الأميركي للعراق، مضت نحو التكيّف مع فكرة سقوط الدول، بل اعتبار أن هذا السقوط أمرٌ يمكن التعاطي معه، بل إمكانية تغيير موازين القوى التي قادت إليه؛ ومن ثمّ تعظيم النفوذ والسيطرة.

وعلى الرغم من الخطر الذي مثّله تواجد الاحتلال الأميركي في العراق، بالنسبة إلى إيران، إلا أن مجريات الأمور التي تلت ذلك الاحتلال توضح أن الانخراط الإيراني في العراق انطلق من فكرة تحويل المخاطر إلى فرص، فقد عمل صنّاع القرار في طهران على تحويل القوات الأميركية في العراق، من قوات تضغط على سياسات إيران إلى عنصر ضاغط على السياسات الأميركية نفسها؛ من أجل قبول طهران شريكًا لواشنطن في العراق، وذلك عبر دعم طهران فئات عراقية معينة، وتقوية جماعات “المقاومة” ضد الأميركان، وتوليد زعامات موالية لها، وتقويض فكرة إعادة بناء الدولة، وخلط الأوراق الدائم في الساحة العراقية، وقد تمكنت طهران من دفع إدارة أوباما إلى التعاون معها؛ وهو ما أدى فعليًا إلى انسحاب القوات الأميركية من العراق في 2011، ولاحقًا إلى توقيع “الاتفاق النووي”، في تموز/ يوليو 2015.

بعد انتفاضات “الربيع العربي”، وجملة التحولات التي طالت تلك الانتفاضات، وتحول بعضها إلى صراع مسلح، كما في ليبيا، وسورية، واليمن، وصعود القوى الإسلامية، بنسخها العديدة (الإخوان المسلمون، قوى جهادية، قوى إسلامية محلية)، وظهور مخاوف لدى صانع القرار في طهران من خسارة حلفاء مهمّين، مثل النظام السوري، ومن ظهور حكومات موالية للخليج العربي أو تركيا، قامت إيران بانخراط واسع في الملف السوري الذي يعدّ أحد أهم الملفات الحيوية لها؛ وتكيّفت مع حالة تراجع الدولة، وتحولها إلى دولة فاشلة، بل إن فشل الدولة السورية نفسه منح إيران نفوذًا مباشرًا على الأرض، وجعلها مرجعًا رئيسًا في التفاوض، وهو ما ظهر جليًا في اتفاق “المدن الأربع”، أو في اتفاق “تخفيض التصعيد” الذي رعته إيران إلى جانب روسيا وتركيا.

وجدت إيران، منذ عام 2003، أن تحوّل بعض دول المنطقة إلى دول فاشلة قد يصبّ في مصلحتها، وأن التكيّف مع حالة الدول الفاشلة أمرٌ ممكن؛ لتحقيق مكاسب استراتيجية، وبالتالي فإن التكيّف بالنسبة إليها لم يعد أمرًا براغماتيًا محدودًا، بل يمكن أن يكون استراتيجية قائمة بحدّ ذاتها، خصوصًا إذا ما كان اللاعبون الإقليميون الآخرون غير قادرين على التوحّد، في جبهة ضد مشروعها، ومنقسمين في ما بينهم على الرؤى والأهداف، وهو الأمر الذي ينطبق إلى حدٍّ بعيد على اللاعبين الإقليميين المنخرطين في الملف السوري.

في لبنان والعراق وسورية، لا يمكن الحديث إلا عن دولٍ فاشلة، تتمتع بعض أجزائها باستقرار نسبي، قد يتفاوت من منطقة إلى أخرى، وتتعدّد فيه قوى الأمر الواقع المحلية. القوى التي بات جزءٌ كبير منها يرتبط بإيران، أو يقيم تحالفات معها، أو لا يستطيع تجاوز مصالحها، بينما افتقدت القوى الإقليمية الأخرى هذا التكيّف، ولم تدرك بُعده الاستراتيجي في السياسة الإيرانية، ولم تضع أجندة معاكسة له، فضلًا عن أنها تحالفت مع قوى لا تحمل مشروعًا وطنيًا جامعًا، كان يمكن أن يشكّل ردًا حاسمًا على تفتيت الدول، وأن يمنع إيران من استثمار استراتيجية التكيّف، وحصد نتائجها.

مقالات ذات صلة

إغلاق