أبحاث ودراسات

الإعداد والتهيئة لإنهاء الاحتلال بعد حرب حزيران/ يونيو

 

كيف سارت عملية الإعداد والتهيئة لتحرير الأرض المحتلة وإزالة آثار العدوان، في كل من مصر وسوريةـ القول: إن الأمور جرت بيسر تقريبًا في مصر، وذلك بعد أن تحققت وحدة القيادة السياسية والعسكرية، في أعقاب انتحار المشير عامر وتصفية جماعته التي كانت مهيمنة على وزارة الحربية والاستخبارات العامة. أما في سورية فقد كان الوضع مختلفًا إلى حد كبير، وذلك بفعل التباينات التي كانت موجودة في مؤسسة القيادة، تباينات في النظرة إلى آفاق المستقبل، سواء في ما يتعلق بدور النظام ودور المجتمع من جهة، أو بطبيعة المهمات المطروحة وآليات إنجازها من ‏جهة ثانية.

‏الواقع أن تلك التباينات التي كانت موجودة -سواء على صعيد الفكر والتنظير أو على صعيد ‏الممارسة والتدبير- قد تجلّت الآن بصورة أوضح من أي وقت مضى، وظهرت إلى حيز العلن.

إن هذه التباينات والاختلافات يمكن أن تعدّ ظاهرةً صحيةً في المؤسسات القيادية عادة، حيث لا يشترط أن يتوفر فيها التطابق في المواقف ولا وحدة الآراء. غير أن الأمر يأخذ أبعادًا أخرى سلبية إذا كانت تلك التباينات تدور حول أمّات المشكلات القائمة، وفي ظروف استثنائية وحرجة كالظروف ‏التي كانت تعيشها سورية في تلك المرحلة.

انعقد المؤتمر الاستثنائي للحزب، نهاية صيف عام 1967، في مدرسة الإعداد الحزبي في يعفور، لمناقشة وإقرار الخطة التي تقدمت بها القيادة ـ كانت الخطة -كما أسلفت- خطةً شاملة لمختلف الجوانب العسكرية والاقتصادية والشعبية والدبلوماسية والإعلامية. أتذكر أن المؤتمر المذكور قد عرف، أوّل مرة، تباعدًا واضحًا بين مواقف القيادة السياسية للحزب من جهة وبين مواقف وزير الدفاع الفريق حافظ الأسد ومجموعته من أعضاء المؤتمر العسكريين من جهة أخرى. وتركز الخلاف حول القضية المركزية التي تواجه سورية، وهي كيفية مواجهة العدوان وتحرير الأرض المحتلة. فالقيادة السياسية ومن ورائها المؤتمر بأغلبيته الساحقة كانت ترى ضرورة اعتماد الكفاح المسلح، بكل ما يتطلبه ذلك من تحضير وإعداد وبناء باعتباره الأسلوب الأساسي في تحرير الأرض وأن الوسائل الأخرى السياسية والدبلوماسية تكون في خدمة هذا الأسلوب الأساسي، بينما كانت القيادة العسكرية لا توافق على إعطاء أسلوب الكفاح المسلح وحرب التحرير الشعبية مثل هذه الأهمية بل إنها كانت أحيانًا تنتقص من شأنه وتسخر من إمكان تطبيقه. لذا فقد طالبت تلك المجموعة انسجامًا مع رؤيتها هذه بضرورة وقف مشاريع التنمية الداخلية، وفي مقدمتها سد الفرات، وتوجيه كل الإمكانات المادية والاقتصادية المتوفرة لموازنة القوات المسلحة. وحجتها في ذلك أنه بعد أن تُحرَّر الأرض يمكن التفكير في تنفيذ أي مشروع تنموي، في جو من الأمن والاستقرار والهدوء!

وكما أثبتت الأيام، فإن موقف وزير الدفاع ومجموعته لم يكن مجرد وجهة نظر حول الصيغ الأفضل، ‏ولا حول ترتيب الأولويات للإعداد المطلوب من أجل إنجاز هدف التحرير، بقدر ما كان ذلك تغطية على الهدف الحقيقي لتلك المجموعة، ألا وهو الوصول إلى السلطة بأي ثمن.

هكذا كان التوجه العام للمؤتمر اعتماد أسلوب الكفاح المسلح لتحرير الأرض المحتلة تأكيدًا لمبدأ أن ما أخذ بالقوة لا يُسترد إلا بالقوة، المبدأ الذي يفترض أن مفهوم القوة بالنسبة للمؤتمر كان يعني حصيلة أوضاع المجتمع السياسية والعسكرية والاقتصادية والعلمية. لكن كيف تعامل المؤتمر مع هذه المسألة المركزية، وما هي الآليات التي اعتمدها بوضع استراتيجية الكفاح المسلح موضع التطبيق الصحيح على أرض الواقع! فعلًا لقد كان هناك بون شاسع بين الشعارات التي ترفع وبين آليات ووسائل تنفيذها ـ وللتدليل على الفجوة الكبيرة بين الشعارات التي كنا نطرحها من جهة وبين السياسات التي كنا نعتمدها والمستلزمات التي لا بد من تأمينها لتجسيد تلك الشعارات في الواقع من جهة أخرى ـ أن الرفيق مصطفى رستم عضو القيادة السياسية قد أخذ المبادرة في هذا المؤتمر وتحدث بإسهاب أنه إذا كان المؤتمر قد تبنى أسلوب الكفاح المسلح وحرب الشعب فإن الأمر لن يستقيم دون أن يقرر المؤتمر تجاوز صيغة الحزب الواحد أو القائد والانتقال المباشر إلى بناء جبهة وطنية حقيقية في البلاد تضم كل القوى السياسية الوطنية والاجتماعية. وفي هذا الصدد أشار الرفيق مصطفى رستم إلى التناقض بين ما يطرحه الحزب في الأقطار العربية الأخرى، حيث هو خارج السلطة، إذ إنه يدعو هناك إلى ضرورة قيام جبهات وطنية تقدمية مع القوى السياسية المعارضة للأنظمة القائمة، بهدف إقامة أوضاع ديمقراطية، بينما هو يفعل نقيض ذلك في القطر الذي يتولى فيه السلطة، وينتظر منه أن يقدم المثال والأنموذج لنوعية التجربة الرائدة التي يسعى لبنائها في كل قطر، والتي تعزز مسيرة الأقطار العربية على طريق التقدم والوحدة. لم يلق هذا الاقتراح ما يستحق من اهتمام وتجاوب من قبل غالبية أعضاء المؤتمر بل أن بعض الأعضاء كما لمست ذلك بنفسي قابلة بنوع من التشكيك إذ رأى أنه يلتقي بصورة غير مباشرة مع مواقف القيادة العسكرية التي بدأت تتعارض علنًا مع مقررات مؤتمرات الحزب ومواقف القيادة السياسية!

وكمثال آخر على عقلية الوصاية والتفرد التي كانت تقود الحزب. العقلية التي كانت تكرس أحادية الحزب واحتكار السلطة للدولة من خلال تلك الصيغة التي كانت مطبقة في البلدان الاشتراكية، وفي عدد من بلدان العالم الثالث، ونعني بذلك صيغة الديمقراطية الشعبية التي ما زالت حتى اليوم -من حيث الشكل المقرر على الأقل- قائمةً في سورية حيث الحزب القائد الذي لا وجود له أساسًا، يقود المنظمات الشعبية والنقابات المهنية ومجموعة من الأحزاب الهامشية. أتذكر في هذا المجال أن التقدير المقدم لهذا المؤتمر الاستثنائي تضمن صيغة قرار بشأن العمل على توحيد منظمات المقاومة الفلسطينية وكان نص مشروع القرار أن على الحزب ونظامه في سورية العمل على دعم منظمة الصاعقة، وهي المنظمة التي كان الحزب فد أنشأها، وكانت تابعة له، بكل الإمكانات البشرية واللوجستية والمادية كي تصبح المنظمة الأم القادرة على استيعاب باقي منظمات العمل الفدائي، وذلك بغية تحقيق وحدة حركة المقاومة الفلسطينية!

لقد وقفتُ شخصيًا ضد هذا الاقتراح المتناقض وأوضحت الخطورة التي ينطوي عليها باعتباره يُجسد نزعة الوصاية والرغبة المسبقة في الهيمنة على منظمات العمل الفدائي واقترحت صيغة بديلة، تدعو إلى انتهاج سبيل الحوار الديمقراطي مع كافة منظمات المقاومة الفلسطينية، بغية التوصل إلى إقامة جبهة وطنية ديمقراطية، تجمعها على أساس البرنامج المشترك وفي إطار منظمة التحرير الفلسطينية. ومرة أخرى كان الإهمال أيضًا مصير ما اقترحته؛ إذ رأى فيه بعض الأعضاء المتحمسين تشكيكًا بقدرة الحزب والثورة على قيادة الكفاح الفلسطيني المسلح وتحقيق الأهداف المرسومة.

انتهت أعمال المؤتمر القومي التاسع الاستثنائي، بعد أن درس وأقر خطة الإعداد والتهيئة، بدأت بعدها مرحلة التطبيق من خلال برامج العمل التي شملت كل قطاعات المجتمع. ومن الجدير بالذكر أن هذه الخطة، سواء في مصر أو في سورية، قد أولت عناية خاصة لتثبيت السكان في منطقة الجبهة؛ كي لا يضطروا للنزوح وكي يتمكنوا من مواصلة حياتهم وأعمالهم. ففي مصر أُنشئت وزارة خاصة للاضطلاع بهذه المهمة، تولاها السيد علي صبري، وفي سورية اتخذت القيادة إجراءً مماثلًا بتعيين عضو القيادة القطرية الرفيق مروان حبش وزيرًا لشؤون القرى الأمامية، وقد باشر الرفيق حبش مهمته بكل جد وكفاءة غير أن هذه المهمة قد تعثرت بعد أقل من سنتين؛ نتيجة لازدواجية السلطة بين القيادتين السياسية والعسكرية وما نجم عن ذلك من تداخل للصلاحيات في هذه المنطقة. وعمومًا يمكن القول، على الرغم من كل المشكلات والعراقيل، إن عملية إعداد القوات المسلحة قد قطعت خطوات إيجابية ولم يمر عامان على حرب حزيران حتى كانت هناك ظاهرتان إيجابيتان تحظيان باهتمام كبير، أولهما بدء حرب الاستنزاف على جبهة قناة السويس بعد فترة هدوء استغلتها القيادة في استكمال مستلزمات خطة الدفاع الضرورية في الجبهة، إذ لم تدخر القيادة المصرية وسعًا في اقتناص أي فرصة سانحة لتعزيز دفاعات الجبهةـ ضمن هذا الحرص -كما أصبح معروفًا فيما بعد- يأتي قبول عبد الناصر لمبادرة “روجرز” وزير الخارجية الأمريكية عام 1969 وكان أهم عناصرها وقف إطلاق النار بين الجانبين مدة ثلاثة أشهر. وهكذا فإن فترة التهدئة تلك سمحت لمصر بنقل قواعد الصواريخ السوفيتية إلى نقطة متقدمة على شاطئ قناة السويس.

أما ثاني هاتين الظاهرتين الإيجابيتين اللتين برزتا في أعقاب حرب حزيران، فهي بلا شك تعاظم دور المقاومة الفلسطينية التي انطلقت من سورية أولًا عبر جبهة الجولان المحتل ومن ثم انتقل جسمها الرئيس إلى أغوار الأردن أما كوادرها وقياداتها فقد استقرت في عمان. ومثلما لم تكن هناك صيغة واضحة تحكم العلاقة بين المقاومة والنظام في سورية كذلك لم تكن هناك مثل هذه الصيغة لتنظيم وتنسيق العلاقة بين المقاومة والنظام الأردني ولاحقًا أثناء تواجدها في لبنان. لقد مهدت هذه الحالة، ونعني بذلك غياب صيغة واضحة للعلاقة التي تلزم الأطراف المعنية باحترامها، مهدت الأجواء لوقوع حوادث “أيلول الأسود” الكارثية في الأردن عام 1970ـ تلك الأحداث التي ليس المجال هنا للحديث عن أسبابها وتداعياتها، والتي انتهت بتصفية نشاط المقاومة في ساحتها الرئيسة ونزوحها إلى لبنان عبر سورية عام 1971.

لقد كانت أحداث أيلول الأسود محطة فارقة في تطور الأوضاع الذي شهدته المنطقة آنذاك، فقد تركت هذه الأحداث تأثيراتها السلبية على قوى التحرير الرئيسية الثلاث مصر وسورية والمقاومة الفلسطينية، كما أنها كانت إيذانًا بدخول هذه القوى في مرحلة نوعية عرفت خللًا كبيرًا في عملية المواجهة وفي ميزان القوى لاحقًا على صعيد الصراع العربي الصهيوني، ففي مصر غاب عبد الناصر في 28 ‏أيلول/ سبتمبر 1970 وصولًا إلى ما سمي بـ “حركة مايو” التصحيحية التي قادها السادات، وأدت إلى تصفية التيار الناصري في النظام. والمقاومة الفلسطينية خسرت ساحة تواجدها الرئيسية في اقتتال بين الإخوة في الجيش الأردني وفصائل المقاومة. أما في سورية التي وقفت أثناء أحداث أيلول الأسود بكل ما تستطيع إلى جانب المقاومة الفلسطينية، وذلك بمشاركتها المباشرة حيث أرسلت صفوة قطعاتها المسلحة إلى داخل الأردن بهدف إنقاذ المقاومة من الحصار والتصفية، وذلك على الرغم من محاولات وزير الدفاع تمييع عملية الإسناد هذه بتأخير دخول القوات العسكرية يومين وكذلك تفرده باتخاذ قرار سحبها قبل الأجل المحدد لذلك، في سورية التي اتخذ النظام فيها هذا الموقف التاريخي المشرف دون أن يحسب حسابًا لتبعاته، عرف منحى الأحداث تطورًا أشد خطورة وأبعد تأثيرًا. وهكذا لم يكد يمر على أحداث أيلول الأسود أقل من شهرين من الزمن حتى وقع ذلك الانقلاب الذي قاده الفريق حافظ الأسد ومجموعته، والذي وضع نهاية للنظام الوطني الذي كان قائمًا.

لقد كانت نتائج هزيمة حزيران إذن عاملًا رئيسًا في تبلور ظاهرة الازدواجية في قيادة النظام بين القيادة السياسية للحزب من جهة وبين القيادة العسكرية من جهة أخرى ـ وتأسست هذه الظاهرة على رؤيتين: رؤية القيادة السياسية للحزب التي كانت ترى في السلطة وسيلة وأداة لتحقيق أهداف التحرر والتقدم والوحدة، وذلك على الرغم من قصور هذه الرؤية فيما يتعلق بالآليات ‏والمهمات المرحلية وأساليب العمل لإنجاز تلك الأهداف، ورؤية القيادة العسكرية التي كان الهدف الأساسي بالنسبة إليها، وكما ثبت ذلك بالملموس الوصول إلى السلطة والاحتفاظ بها إلى أطول أمد ممكن واستخدام كل الشعارات الوطنية والقومية المضللة لتحقيق ذلك. لقد أسدل انقلاب 16 تشرين الثاني/ نوفمبر الستار على تجربة أخرى من تجارب حركة التحرر العربية بكل ما كانت تمثله هذه التجربة من جوانب إيجابية وجوانب سلبية، ومنذ ذلك التاريخ وحتى اليوم، قام في سورية نظام جديد يختلف نوعيًا عما سبقه، من حيث البنية والأهداف والسياسات. نظام ظل يرفع لافتة حزب البعث في الوقت الذي أتقن فيه لعبة رفع شعارات التحرير والتضامن والتوازن الإستراتيجي والصمود والممانعة. إلى آخر هذه المعزوفة التي أضحت ممجوجة السماع ومفضوحة الأعراض والغايات أما على أرض الواقع فقد انتهى الأمر بأوضاع سورية إلى ما هي عليه اليوم من هوان وتخلف واستبداد، ومن تهديد لكل مقومات الوحدة الوطنية في ظل استمرار نظام شمولي فردي عائلي لم يعد له على امتداد القارات الخمس مثيل.

نعم لقد كانت حرب حزيران إحدى كوارث الأمة. وكانت في الوقت نفسه سببًا رئيسًا في المحنة المستمرة التي ما يزال يعيشها الشعب السوري منذ أربعة عقود.

 

دروس الخامس من حزيران هل استوعبت حقًا؟

ترى كيف يمكن لنا الآن وبوعينا الراهن، بعد انقضاء أربعة عقود من الزمن، أن نعيد تحديد الأسباب التي كانت وراء هزيمة الخامس من حزيران. وكيف يمكن لنا الآن أن نحاول من جديد تقويم النتائج التي ترتبت على تلك الهزيمة الكبرى في مسار الأحداث اللاحق؟

إن ذلك طبعًا يتوقف على وجهة النظر التي تتناول هذا التقويم. فمن الناحية العسكرية -كما أوضحنا من قبل- كانت حرب حزيران حربًا استباقية بمعنى أن “إسرائيل” هي التي بدأتها، وهي التي امتلكت زمام المبادرة فيها، بعد أن كانت قد هيأت لها وحددت توقيتها بكل دقة وعناية.

هذا جانب في الموضوع لا يجوز إغفاله، لكن السبب الأهم في وقوع تلك الهزيمة وما أسفرت عنه من نتائج كارثية إنما يعود إلى حالة الجيوش العربية الثلاثة عشية الحرب سواء من حيث إعدادها أو من حيث أداؤها في غمار المعارك. فبالنسبة للقوات المسلحة المصرية التي كانت هي الثقل الرئيسي للقوات العربية في المعركة، وكانت الهدف المباشر للأعمال الحربية الإسرائيلية طوال الأيام الثلاثة الأولى، فإن المحللين يوجزون أسباب هزيمتها والخسائر الجسيمة التي منيت بها (‏مذكرات عبد اللطيف البغدادي – دروس الهزيمة – مذكرات مراد غالب وزير خارجية مصر الأسبق) بما يلي:

– كان ثلث الجيش المصري يقاتل في اليمن، منذ خمس سنوات في ظروف قاسية استنزفت قواه بدرجة كبيرة.

– لم يكن هناك إعداد مهني ومعنوي جيد لأفراد الجيش، وكانت الروح المعنوية متدنية للغاية. *لم تكن هناك قيادة عسكرية كفؤة ومؤهلة على رأس القوات المسلحة.

– لم يكن قد تحقق بعد التنسيق الضروري بين الجيوش الثلاثة في الجبهات الجنوبية والشمالية والشرقية.

– الانقسام الحاصل في رأس السلطة بين الرئاسة من جهة وبين القوات المسلحة من جهة أخرى.

– وقوف الولايات المتحدة الأمريكية إلى جانب “إسرائيل” ومشاركتها الفعلية والمباشرة في هذه الحرب.

‏أما بالنسبة للجيش السوري على الجبهة الشمالية فإن ما أصبح معروفًا للجميع ودون البحث في التفاصيل، هو أن هذا الجيش لم يكن في وضعية تؤهله لمواجهة “إسرائيل” في حرب من هذا النوع. وبصدد هذه الوضعية لا بد من ذكر أمرين أكد تطور الأحداث مدى خطورتهما؛ أولهما هو أن الجيش السوري كان قد عانى من عمليات تصفية متتالية لخيرة ضباطه وكوادره بدءًا من وقوع الانفصال، واستمرت بعد الثامن من آذار، عبر الصراع الذي دار بين الضباط البعثيين والناصريين بهدف الاستحواذ على السلطة، مرورًا بما تم بعد قيام حركة 23 شباط/ فبراير من تصفيات داخل الحزب نفسه. لقد حرمت حملات التصفية هذه القوات المسلحة من قدرات وكفاءات نوعية هي بأمس ‏الحاجة إليها، ولا يمكن تعويضها إلا بعد وقت طويل وبإمكانات كبيرة. أما الأمر الثاني فهو أن تجربة ما سمي بالجيش العقائدي -وكانت آنذاك رائجة في البلدان الاشتراكية من الصين إلى كوبا- لم يثبت أنها كانت الصيغة السليمة والملائمة لأوضاع بلدان العالم الثالث التي كانت تقودها حركات تحرر وطني. إذ ما لبثت تلك الجيوش بعد إنجاز هدف الاستقلال الوطني من الاستعمار المباشر أن قفزت إلى السلطة وأقامت أنظمة ديكتاتورية شمولية صادرت إرادة شعوبها وأجهضت استكمال تحررها.

هكذا كان وضع القوات العربية بصورة عامة عشية حرب حزيران/ يونيو، وهذه الصورة العامة لا يمكن أن تطمس أو تتجاهل تلك البطولات الفردية والجماعية التي شهدتها جبهات القتال، ولا يمكن أن نقلل من شأن التضحيات التي قدمتها عشرات الألوف من الشهداء دفاعًا عن وطنهم وأمتهم. غير أن تقديرَ تلك التضحيات -وهو أمر واجب- شيءٌ، وعدم وجود استراتيجية دفاعية فعالة، تتوفر فيها كل مقومات الصمود والانتصار شيءٌ آخر.

أما من الناحية السياسية فقد أكد تطور الأحداث على مدار العقود الأربعة التي انقضت على حرب حزيران/ يونيو أن “إسرائيل” قد عملت على استثمار نتائج الحرب العسكرية وما تزال من خلال فرض سياسة الأمر الواقع على الأنظمة والشعوب العربية المعنّية وتصفية جوهر القضية الفلسطينية كقضية شعب يكافح من اجل استعادة وطنه وإنشاء دولته المستقلة.

على مدار أكثر من ثلاث سنوات، بعد حرب حزيران، عاش النظامان المصري والسوري حالة من الصراع الداخلي، تمحور حول السياسات التي يجب تطبيقها على مختلف الأصعدة لمواجهة التحديات المطروحة. وقد ظهر هذا الصراع بصورة مكشوفة داخل النظام السوري، نظرًا لمركزية القيادة في النظام المصري التي كانت تتلخص في شخص الرئيس عبد الناصر. تمحور الصراع في سورية حول خطين:

خط تتبناه المؤسسات الحزبية، وكان يرى ضرورة إجراء مراجعة شاملة لأوضاع البلاد وإصلاح جدي في كافة جوانب المجتمع، وذلك على الرغم من أن صورة وأبعاد هذا الإصلاح لم تكن تصل إلى حد إرساء الحياة الديمقراطية. وخط آخر تمثله القيادة العسكرية وكان يرى أن الحل يكمن في الخروج من هذا الخط الوطني التحرري بكل التزاماته وتبعاته ويعطي الأولوية للمراهنة على الحلول السياسية الدولية والإقليمية لمشكلات المنطقة.

لقد انتهت حالة الصراع تلك التي عايشها النظامان المصري والسوري؛ بانتهاء هاتين التجربتين المتميزتين في حياة حركة التحرر العربية، وذلك على يد قوى اليمين والارتداد التي خرجت من رحم كل منهما. وهكذا يمكن القول إن المشروع العربي للتحرر والتنمية المستقلة والتحديث وإنجاز الوحدة العربية الذي مثله هذان النظامان قد دخل في مرحلة جزر وتآكل بسبب حدوده التاريخية الداخلية والتحديات والمواقف العدائية من قبل “إسرائيل” والدول الرأسمالية الغربية الأمر الذي أدى في نهاية المطاف إلى انهياره (سمير أمين – في مواجهة أزمة عصرنا).

هكذا ومع نهاية عام 1970 وقيام ما سمي بـ “حركة تشرين التصحيحية” في سورية، كان هناك نظام آخر سرعان ما استكمل هويته كنظام شمولي فردي، مع قيام ما سمي بحركة أيار/ مايو التصحيحية عام 1971 في مصر، وتصفية رموز النظام المصري، واستفراد السادات بالسلطة، كان هناك منعطف نوعي جديد لا بالنسبة لمصر وسورية فحسب وإنما بالنسبة لحركة التحرر العربية نظرًا للدور المركزي لهذين البلدين في الوضع العربي عامة.

لقد سادت الفترة التي أعقبت حرب حزيران وحتى منتصف السبعينات حالة من عدم وضوح الرؤية وقصور الوعي وتميزت مواقف العديد من النخب العربية السياسية والفكرية بردود الفعل تجاه التطورات التي تلاحقت في المنطقة. فلقد كان المطلوب التقييم العلمي الصحيح للنتائج التي ترتبت على حرب الخامس من حزيران/ يونيو وللأسباب الحقيقية لإخفاق التجربتين اللتين كانتا ضحية هذه الحرب وذلك بهدف استخلاص الدروس والعبر الصحيحة. والأمر نفسه ينطبق على كل المحطات المهمة من تاريخ حركة التحرر العربية على امتداد نصف القرن الماضي. إن وعي دروس وعبر التاريخ ضرورة لا بد منها في فهم معطيات الحاضر وبناء المستقبل والذين لا يتحقق لهم ذلك لن يكونوا في مأمن من عقاب التاريخ ومكره. إن التقويم العلمي والموضوعي لتجارب المشروع ‏النهضوي العربي السابقة لا يرمي إذن إلى إعادة إحياء تلك التجارب وبعثها من جديد فهذه التجارب قد أصبحت في ذمة التاريخ، وإذا وجد اليوم البعض ممن لا يزالون يحملون أو يعبرون عن مثل هذا الفكر القومجي الشعبوي، فهذا الفكر وإن اختلفا في الاتجاه إلا أنه في الواقع ليس إلا لونًا آخر من الفكر الأصولي الذي ما يزال مشدودًا إلى الماضي والذي يكافح على أمل إعادة بعث عصور الخلافة الزاهية.

نستعيد اليوم بعضًا من تلك الأطروحات التي راجت، بعد هزيمة الخامس من حزيران/ يونيو، والتي أرجعت أسبابها إلى قيادة الطبقة البورجوازية الصغيرة المتمثلة بتلك الأنظمة التي خاضت الحرب، وأن الحل الذي يكفل الرد على الهزيمة وتحرير الأرض المحتلة ومواصلة العملية الثورية لن يتحقق إلا بقيادة الطبقة العاملة وأحزابها الثورية للسلطة، بالتالي فإن على الطبقة العاملة أن تناضل من أجل الاضطلاع بهذه المسؤولية اليوم قبل الغد!

‏ونتذكر اليوم تلك المواقف الخاطئة التي لا تنم عن رؤية صائبة والتي اتخذها العديد من الأشخاص والحركات في تلك المرحلة؛ وإلا فكيف نفسر مثلًا أن كاتبًا وصحفيًا مرموقًا كمحمد حسنين هيكل الذي يضع نفسه دائمًا في موضع المؤتمن المدافع عن تراث عبد الناصر، يبايع حركة السادات التصحيحية، منذ أول يوم لقيامها، وينصب نفسه منظرًا وشارحًا لسياساته طوال أربع ‏سنوات أي حتى إبرام اتفاقية “فصل القوات” التي أشرف على تنفيذها هنري كيسنجر، وكيف نفسر أيضًا مواقف أحزاب وحركات سياسية ناصرية وماركسية ويسارية، لا يشك أحد في إخلاصها ووطنيتها، شاركت في نظام الأسد طوال السنوات الخمس من قيامه مبررة ذلك باختبار صدق الوعود التي أعلنها والشعارات التي رفعها مثل إقامة حياة ديمقراطية سليمة وبناء دولة المواطنة، عدا عن شعارات التحرير والتضامن والوحدة العربية، فغادرت بعد أن تأكد لها أن لا نوايا النظام الحقيقية كانت كذلك ولا طبيعته ولا بنيته تسمحان له بتنفيذ أي من تلك الوعود والشعارات.

تطورات خطيرة عاشتها الأمة، منذ حرب حزيران وحتى اليوم، ومياه كثيرة مرت تحت جسر مشروع التحرر القومي العربي؛ فأثرت في هذا المشروع سلبًا أو إيجابًا، وما تزال تلك التأثيرات تطال جوهر هذا المشروع فتدفع البعض إلى المناداة بضرورة إعادة صياغة جذرية له من حيث الأهداف والمهمات وآليات ووسائل العمل والإنجاز، وتدفع البعض الآخر إلى الشك في صحة وصدقية هذا المشروع من أساسه وبالتالي في إمكانية نجاحه فتدعو إلى الإقلاع عنه وإعلان وفاته!

شعارات ومفاهيم جديدة طرحت في ساحة الفكر السياسي العربي على امتداد هذه المرحلة ونتيجة ضبابية الرؤية وقصور الوعي ظلت تلك الشعارات والمفاهيم سواء في دلالاتها أم في علاقاتها ببعضها في حالة من الاختلاط والإرباك وأحيانًا في حالة تناقض وتضاد لعل أخطر مظاهره هو ما يتجلى في صراع الثنائيات العبثي والمدمر.

خلاصة القول، وبنظرة موضوعية إلى الواقع الذي تعيشه المجتمعات العربية اليوم، ونحن في عصر العولمة، بكل ما تحمله من مخاطر وصعوبات وبكل ما تتيحه من فرص وإمكانات: إن الاستجابة للتحديات التي خلفتها حرب حزيران وما أعقبها من تطورات بما في ذلك حرب 1973 التي أجهضت نتائجها الإيجابية، إن تلك الاستجابة ظلت حتى الآن قاصرة ودون المستوى المطلوب؛ فالمجتمعات العربية ما يزال كل منها يعيش أزمة بنيوية شاملة أزمة نظام ومجتمع واستمرار هذا الواقع تتحمل مسؤوليته السلطات الحاكمة من جهة والنخب الفكرية والسياسية من جهة أخرى، فعلى صعيد الأنظمة العربية، ومع ملاحظة وجود تفاوت كمي بين بلد وآخر، ظلت الحلول حتى الآن قاصرة وجزئية لا تتناول جذور عملية الإصلاح الشامل السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي. بل إن بعض تلك الإصلاحات الجزئية التي حدثت في أكثر من بلد عربي، وخاصة في مجال الحريات العامة، قد تم التراجع عنها وتصفيتها.

أما على مستوى مسؤولية التيار العام الذي يضم النخب السياسية والفكرية فلا بد من الاعتراف بالحقيقة الماثلة أمام أعيننا، وهي أن الاستجابة للتحديات المطروحة ما تزال تتسم بردات الفعل تارة أو بالانغلاق والعزلة، والعودة إلى الماضي بدافع الحفاظ على الخصوصية والدفاع عن الهوية المهددتين تارة أخرى. وما نشهده اليوم هو طغيان موجة الأصولية والشعبوية بمختلف تلاوينها التي تشلّ قدرة العقل العربي على التطور، وتحول دون امتلاك الوعي النقدي العلمي.

إن هذا الواقع يجعل مهمةَ التنوير اليوم المهمةَ المركزية الملحة التي تتقدم على غيرها من المهمات، وذلك من أجل بناء ثقافة عقلانية عصرية في مجتمعاتنا ثقافة تكرس قيم الليبرالية والديمقراطية والعلمانية.

على هذه القاعدة الصلبة يمكن لشعوبنا أن تكسب الرهان الأساس الذي يواجهها رهان كسب معركة التقدم الحضاري، من خلال إعادة بناء الذات، وحث الخطى على طريق الديمقراطية والحداثة والوحدة.

مقالات ذات صلة

إغلاق