هموم ثقافية

التلفزيون.. سطوةُ الأبيض والأسود

منذ تسعة عقود، ومذيعو التلفزيون يطلُّون برؤوسهم من تلك العلبة الساحرة، ليَتْلُوا علينا مزاميرهم المتسلِّحةِ بأعجوبةِ دخولهم بيوتنا من دون استئذان، ومن دون أن يكون لنا يدٌ في تقريرِ ما يقولون أو قدرةٌ على نقاشهم أو دحض ما به يأتون. إنها سطوة هذه العلبة التي تُفرِغ في أدمغتنا أبيضَها وأسوَدَها على سواءٍ يقطع شعرةً كانت مَرّةً بينهما، وكانت سبيلنا الذي كنا سنمشي عليه، نحو جنّةٍ العقل التي فيها موانعُ ومصدّات، تحول بيننا وبين تَسطُّحِ أدمغتنا لإيقاف هذا التيار الذي يجرفنا إلى فرحِ الاستسلام، لما يُسكب على مسامعنا وأمام أعيننا من خواءٍ. خواء أحدثته هذه العلبة التي أُريدَ لها أن تكون أداةً لنشر الديمقراطية وتعميم قِيَمِها، فكانت سالبةً لها.

يأتي كلامنا هذا، مع حلول شهر رمضان المبارك الذي حولته القنوات التلفزيونية العربية إلى مناسبةٍ تلفزيونيةٍ محضةٍ، تُحشَر خلاله المسلسلات الدرامية التي أصبحت تختلط فيها الحوادث وتتكرر الشخوص، حتى لا تستطيع التمييز بين أحدها والآخر، علاوة على البرامج الترفيهية والإعلانات التي تعترضها، حشرًا أثناء ساعات البث، وتُقدَّم لمتابعيها على شكلِ سلعةٍ تحاول اجتذاب أكبر عدد من المُشْترين لها. كما يأتي مع حلول ذكرى انطلاق البث التلفزيوني قبل عقود. إذ بدأ، قبل نحو ثمانية عقود، أوَّلُ بثٍّ لهذا الجهاز الذي غيَّر البشرية، سلوكًا ومفاهيمَ. فهذه البشرية لم تعد كما كانت، مذ شَغَلَتْ الصورة المتحركة، يومها، حيِّزًا صغيرًا من الأثير، وصولًا إلى شغلها الأثير كله، وامتطائه وتجييره لتشكيل العقول والوعي والرأي العام، في مجتمعاتٍ ليست محصَّنة تجاه ما يقدم لها، على أطباقِ الصحون اللاقطة.

وزيادةً في الخواء، تعتمد بعض القنوات التلفزيونية أسلوبَ الحشو في برامجها ومسلسلاتها الدرامية. وهي عملية تماثل عملية تناول الطعام والشراب، ثم طرح بقاياه خارج الجسم، واحتفاظه بما يفيده، مع فارق قلة ما يحتفظ به الدماغ مما يصله عبر العينين والأذنين، إن لم يكن ندرته. وهو أمر لا تنجو من اقترافه أي محطَّةٍ، سواء كانت منوَّعةً أو إخباريةً. لذلك فإن ما يطال الأعمال الدرامية التي تعرضها قنوات البرامج المنوعة التي عادة ما تتخلص منها الذاكرة، بعد وقت قصير من تلقِّيها، ينطبق على برامج سياسية تبثها القنوات الإخبارية، حيث تُشبع الموضوعات التي تطرحها للنقاش -تفكيكًا وتحليلًا- خلال النشرات الإخبارية، ثم تعود فتخصِّص لنقاشها حيِّزًا من البرامج السياسية والحوارية، وهكذا على مدى ساعاتٍ، خلال يوم البث الواحد؛ ما يجعل عملية النقاش هذه أشبه بعملية الحشوِ الذي لا يترسخ من مادتها سوى القليل في ذهن المتلقي، تمامًا كما يحصل مع الأعمال الدرامية أو البرامج الترفيهية.

خلال تاريخه الطويل، لم ينجُ التلفزيون من الانتقاد، حيث اشتكى باحثون اجتماعيون من سطوته على مجتمعاتهم، وتحدثوا عن “سعيه للتحول من أداةٍ لتسجيل الحوادث إلى أداةٍ لخلقِ الواقع”، كما أورد الكاتب والمفكر الفرنسي بيير بورديو في كتابه (التلفزيون وآليّات التلاعب بالعقول)، إذ اكتشف الكاتب أن “تفكيك سلسلة من الآليات التي تثبت أن التلفزيون يمارس نوعًا من (العنف الرمزي) المفسد والمؤذي”. كما اكتشف أن موجِّهي البرامج وممولي القنوات التلفزيونية يستخدمون هذا العنف الرمزي لتهيئة بيئاتهم لتقبّل عنفٍ أشد يمارس بحق الآخرين، خلف الحدود، ساعين إلى إفقاد مواطنيهم أي قدرة على الاعتراض أو الرفض.

زيادة على ذلك، ومع التطور المضطرد في تقنيات التلفزة، قُيِّض لانطلاق البث التلفزيوني الفضائي، في تسعينيات القرن الماضي، أن يصبح أداةَ تَحَكُّمٍ، واسعة النطاق، بيد الغرب وأميركا، المنتصرَيْن في الحرب الباردة التي أفضت إلى انهيار الاتحاد السوفياتي والدول الاشتراكية في أوروبا الشرقية التي كانت حليفته، وكان استمرار وجودها كفيلًا بإحداث توازنٍ في التأثير في الرأي العام الذي انفردت دول الغرب في تكوينه عبر الطرح الثقافي والأيديولوجي، وعبر مضمون المادة الإخبارية التي تبثها القنوات الفضائية الغربية، ومن يدور في فلكها من قنواتٍ أخرى في دول العالم الثالث؛ فكان طرح الدول الغربية المُقَوْلَب والمحَمَّل بقيم الانتصار والتحفز للمواجهة ضد أيٍّ كان.

لا شك، أن تفرُّد دول الغرب بالعالم جعل ذلك التحفز زوبعةً في فنجانٍ، تبحث عن سُلَّمٍ للخروج منه، ولم ينتزعها منه سوى اختراعهم الإرهاب العالمي، كيانًا لا شكل له ولا حدود تحدُّه، بعد هجمات 11 أيلول/ سبتمبر 2001. لذلك كان التلفزيون أداةَ هذه الدول لتحضير البيئة الدولية وشعوبها، المستلبة العقول، لتلقي خبر غزو أفغانستان والعراق واحتلالهما، وكأنه تحصيل حاصل لمواجهة عدوٍّ كان افتراضيًّا، وتبدّى أخيرًا بهاتين الدولتين. وتكفلت القنوات التلفزيونية الغربية نقل وقائع غزو هاتين الدولتين في قالبٍ درامي، أُصبغت عليه حالة التشويق والحيادية التي أَفقَدت المتلقي القدرةَ على التعاطف مع الضحايا، بل أوصلته إلى حالة المطالبة بمزيد من مشاهد العنف والتقتيل التي لو مُورست -يومًا- بحقِّ أبناء جلدته ووطنه، لاعتاد عليها، ولما كانت ردة فعله، في أثناء مشاهدتها، تختلف عما أبداه تجاه غيرهم.

أخبرتنا الممثلة السورية فايزة شاويش، في أحد لقاءاتها الصحفية، أن زوجها الكاتب المسرحي الراحل سعد الله ونوس أسرَّ لها هواجسه حول التلفزيون قائلًا: “سيدمِّر التلفزيون البشرَ”. طبعًا لم يكن الإنترنيت وشبكات التواصل الاجتماعي قد غزا بيئتنا، يوم قال عبارته هذه، ولو كان؛ لشهد ونوس الدمارَ وهو يتجسد أمام عينيه، عبر هذه الشبكات التي استكملت ما بدأه التلفزيون، ولرأى كيف تُقاد العقول، وحاملوها من بين أكتافهم، باتجاه ما يريده ممولو القنوات الفضائية، ومؤسسو المواقع الإلكترونية الذين دمغوا كل نشاطٍ إنسانيٍّ بلونين فحسب، أبيضَ يناسبهم ويدورُ أصحابه في فلكهم، وأسود يخالفهم ويخالف أصحابه رأيهم.

مقالات ذات صلة

إغلاق