أدب وفنون

الآثار السورية ضحية للصراع القائم والنظام أكبر منتهك لها

للحرب -دائمًا- ضحاياها، تارة من البشر، وأخرى من الحجر، لكن الأمر مختلف عندما تكون الضحية هوية بلد وعراقته، بلد هو محطة لأعظم الحضارات في العالم؛ فهنا يصبح للحجر ثمن لا يمكن لأي عملة أن تدفع ثمنه، فهذه المعالم هي التي تجعل جيلَ المستقبل عارفًا بماضيه، مدركًا حاضرَه ومستقبله.

على مدار ست سنوات من الحرب في سورية، تعرضت عشرات المناطق والأماكن الأثرية فيها إلى انتهاكات وحشية، بمختلف الأساليب، كان على رأسها قصف النظام السوري لها بالمدفعية والطيران، بحسب ما أفاده الدكتور أنس المقداد، الباحث في مركز الدراسات الفرنسي للعلوم الأثرية في جامعة السوربون.

أشار المقداد، في حديث لـ (جيرون)، إلى أمثلة نوعية عن استهداف الآثار السورية، وقال: “مما استهدفه النظام الجامع الأموي في مدينة حلب، حيث قُصف عدة مرات، ودُمّرت أجزاء مهمة من عمارته، خاصة المئذنة التي دُمّرت كاملةً، والسوق التجاري القديم حُرقت أجزاء كبيرة منه في بداية الثورة، وقُصف عدة مرات، إضافةً إلى تدمير جزء من أبراج القلعة، وكذلك تدمير كثير من المباني المعمارية الأثرية القديمة من خانات ومساجد وحمامات وبيوت سكنية تراثية، داخل المدينة القديمة المسجلة على قائمة التراث العالمي في منظمة اليونسكو”.

وأضاف المقداد منبهًا: “وعلينا ألا ننسى مدينة تدمر المسجلة كذلك على قائمة التراث العالمي في منظمة اليونسكو، وقد قصفها النظام عدة مرات، وخاصة معبد (بل)، ونهب متحفها، ومن ثم احتلّها بالدبابات التي كانت تعيث تخريبًا في المدينة القديمة، وبعد ذلك حصلت تمثيلية تبادل الأدوار بين قوات النظام وتنظيم (داعش)، وحصلت الكارثة؛ بتدمير معبد (بعل شمين) بالكامل، وتدمير أجزاء كبيرة من معبد (بل)، وتدمير مدافن برجيه المشهورة عالميًا، وكذلك تدمير (قوس النصر) في المدينة، وأجزاء من المدرج الروماني، والعديد من المباني الأثرية”.

نبه المقداد إلى ما تعرضت له مدينة (بصرى الشام)، حيث قُصِف ودُمّر القسم الأعلى من سرير بنت الملك “الكليبة”، إضافة إلى قصف وتدمير أجزاء من مدرسة أبي الفداء، وقصف مئذنة الجامع العمري الذي يعود إلى صدر الإسلام، كما ألحق القصف به أضرارًا في سقفه وجدرانه، مشيرًا إلى أن قصف الكاتدرائية البيزنطية تسبب بتدمير جزء من جدرانها، وإلحاق أذى كبير فيها، فيما قصف النظام -أيضًا- متحف معرة النعمان الذي كان يحتوي على العديد من القطع الثمينة، مثل سجاد الفسيفساء الروماني والبيزنطي، واستُهدفت قلعة الحصن عدة مرات، وهذه كلها لتكون أمثلة شاهدة -بحسب المقداد- على جرائم النظام في حق الآثار السورية.

صنف المقداد النظامَ السوري على رأس قائمة الجهات المنتهكة للآثار في سورية، جامعًا معه المليشيات التابعة له، مشيرًا إلى أن هناك -أيضًا- منتهكين للآثار من المجموعات العسكرية التابعة للمعارضة، ومن الأهالي الذين لا علمَ لهم بأهمية آثارهم، مستغلين غياب القانون والرقابة، إذ بدأ بعضهم بإقامة حفريات عشوائية داخل المناطق الأثرية، تسببت في خراب كبير في المباني الأثرية، إضافة إلى ارتكاب تنظيم (داعش) العديد من الجرائم بحق الآثار، خصوصًا في تدمر والرقة.

وفي سياق الانتهاكات داخل المتاحف السورية، قال المقداد: “إن متحف حماة تعرض للسرقة في الأشهر الأولى من انطلاق الثورة، حيث سُرق تمثالٌ ذهبي يمثل الإله (بعل) وهو تمثال ثمين جدًا، وسُرق دون كسر أو خلع أو هجوم، في ظل سيطرة النظام عليه، كما تعرضت متاحف تدمر، ودير الزور، ومعرة النعمان، وبصرى الشام، وغيرها من المتاحف للسرقة أيضًا.

وكشف الدكتور المقداد عن قطع أثرية ثمينة جدًا، سُرقت من متاحف النظام السوري، وهي مسجلة ولها أرقام، يتمثل بعضها في قطع زجاجية تعود للعصر الروماني والبيزنطي، إضافة إلى سجاد الفسيفساء، وقطع أثرية أخرى وبخاصة من متاحف تدمر، إضافة إلى قطع نقدية رومانية. وكشف -أيضًا- عن ضبط قطع أثرية مسروقة في لبنان، فيما أشار إلى أن قطعًا أثرية أخرى صُوّرت في “إسرائيل” ومنها ما صُوّر في أوروبا. وذكر المقداد أنه لا يمكن تقدير ثمن معين للقطع المسروقة، فمن غير المنطق إعطاء مبالغ -مهما كانت كبيرة- لقطع تروي تاريخ وأصالة بلد معين، والثروة الحقيقية لهذه القطع هي عندما تتوالى أجيالنا، وهي تشاهد تاريخ بلدها وتتعرف على حضارته من خلال زيارتها المتاحف.

أفاد المقداد، في حديثه مع (جيرون) أن “عملية تهريب القطع الأثرية المسروقة تتم من الحدود التركية واللبنانية والأردنية، عبر مافيات محلية وخارجية، تستغل الوضع الراهن، لممارسة هذا النوع من التجارة الذي يُعد “جريمة”، مشيرًا إلى أن (حزب الله) اللبناني هو أحد هذه المافيات، بتنسيقه مع النظام، فهو الذي يسيطر على الحدود اللبنانية. وليس (حزب الله) وحده من يسرق ويبيع، وإنما هناك تجار ايضًا”.

بالنسبة إلى تحديد مصير القطع المسروقة، قال المقداد: “يصعب تحديد مصير القطع الأثرية، خصوصًا أن الجزء الأكبر منها يبقى بين أيدي التجار”. وعن موقف (اليونسكو) مما يحدث وما يرتكبه النظام السوري وباقي الجماعات بحق الآثار، قال: “لقد تواصلنا معهم وهم على دراية كاملة بما يحصل، لكنهم رفضوا التعامل معنا، وأبقوا على تعاملهم مع النظام. مشيرًا إلى أن (اليونسكو) أنشأت مكتبًا في العاصمة اللبنانية بيروت، لدعم مشروعات النظام ماديًا، بإدارة الإيطالية “كرستينا مينيغازي” وقد أُنشئ هذا المكتب بعد انطلاق الثورة السورية، أي بعدما بدأت انتهاكات النظام للآثار بالظهور والتجلي.

حاول المقداد “تأسيس الهيئة العامة للآثار والمتاحف والتراث في المناطق المحررة، وتشكيل عدة دوائر في الداخل السوري المحرر من النظام، في محافظة إدلب وشمال حلب ومحافظة القنيطرة ومدينة بصرى الشام ومدينة تلبيسة؛ حيث اقتُرح العمل على كيفية تفعيل العمل في الدوائر المحدثة، والعمل على إنشاء متاحف في هذه المدن، وكيفية الحفاظ على القطع الأثرية، وعدم العبث بالمواقع الأثرية، وحراستها من المافيا التي تستغل غياب الأمن وانتشار الفوضى التي قام بتغذيتها النظام الحاكم وأعوانه.

تم تقديم مشروع متكامل لمنظمة (اليونسكو) لدعم مشروعات الهيئة العامة للآثار والمتاحف والتراث وتدريب كوادرها العلمية، فيما تم التنسيق مع عدة مراكز بحوث للآثار في فرنسا للتعاون العلمي والأثري والدعم المادي للمشروعات المقترحة.

وأشار إلى أنه تمت مناقشة العمل على التواصل مع وزارة التعليم العالي التركية، وكذلك دوائر الآثار والمتاحف في تركيا؛ لتنشيط التعاون مع الهيئة العامة للآثار والمتاحف والتراث في الحكومة المؤقتة، ومناقشة التواصل مع وزارة الخارجية الفرنسية – قسم التعاون العلمي والتقني، لوضع مشروع علمي لترميم وتوثيق الآثار في مدينة بصرى الشام وبقية المواقع الأثرية، ومناقشة التواصل مع وزارة الخارجية الألمانية- قسم معهد الآثار، لوضع مشروع علمي لترميم المواقع الأثرية، ودعم الكوادر -ماديًا وعلميًا- وتزويدها بالمعدات اللازمة من الناحية العلمية، إضافة إلى العديد من النقاط ضمن هذا المشروع التي يطول ذكرها، موضحًا أن هذا المشروع لم يلقَ نجاحًا؛ بسبب عدم توفر الدعم المادي، ورفض (اليونسكو) التعامل معهم، واستمرارهم في دعم النظام.

ختم الدكتور أنس المقداد حديثه مع (جيرون) بقوله: “إن الوسائل المجدية لحماية الآثار هي: اتخاذ قراردولي يمنع قصف المواقع الأثرية والمدن القديمة في سورية، والعمل على تفعيل الهيئة العامة للآثار والمتاحف والتراث السوري، في المناطق المحررة التي تفتقر الى الموارد المادية، وذلك -كما ذكرت سابقًا- بتدريب الكوادر العلمية وحماية المواقع الأثرية من العبث والحفريات العشوائية، وبذلك بوضع حراس على هذه المواقع المهمة في بلدنا، والعمل على منع تهريب القطع الأثرية وحمايتها وصيانتها في أماكن أمينة، والعمل على تنشيط الحركة الثقافية من محاضرات ومعارض للتعريف بالآثار السورية المدمرة وأهميتها”.

مقالات ذات صلة

إغلاق