مقالات الرأي

جدليّة المثقّف والثورة

لماذا كان لبعض المثقّفين العرب موقفٌ سلبيٌّ من ثورات الربيع العربي، وهي التي جسّدت في الوَعْيَين العربي والعالمي سعيَ الشّعوب للتغيير والحرية التي طالما دافع عنهما هؤلاء المثقّفون أنفسهم؟ لماذا تَعاونوا مع الأنظمة الاستبداديّة السُّلطويّة، وهم الذين يعدّون أنفسهم مدافعين عن الحرّيّة؟ هل ثمة علاقة بين موقفهم من الديمقراطية وتوجهاتهم الأيديولوجية؟

ونحن هنا، إذ نستخدم مصطلح “مثقّف”، لا نعني به ذلك العامل في مجال الفكر والأدب حصرًا، ولا ذلك المثقف الخبير “التقني” صاحب الشهادة الجامعية والمنغلق في حدود اختصاصه، أو ذلك المثقّف الطبقي الأيديولوجي “المثقف العضوّي”، على حد تعريف غرامشي، وإنما نعني به ذلك الشخصَ ذا الثقافة الواسعة العابرة للتخصصات، سواء امتلك شهادات أو لا، ويتفاعل تفاعلًا مباشرًا، بلغة مفهومة، مع المجال العمومي وقضايا المجتمع والدولة، وهو ما يُسميه عزمي بشارة، في كتابه (في الثورة والقابلية للثورة) بالمثقّف العمومي. ويلخّص وجهة النظر هذه عالمُ الاجتماع إدوار شيلز، إذ يرى أن المثقّف هو من يملك القدرة على التّساؤل والتّفكير المجرّد العقلاني المُمنهج، وعلى التّعالي على مواقف الحياة اليوميّة ليرى ما وراءها، ولا بدّ لهذا التّفكير أن يخرج للعلن، عن طريق تفاعل المثقّف مع قضايا المُجتمع والدّولة، وممارسة دور في الشّأن العام اعتمادًا على ثقافته العامة ومعرفته الشاملة.

والشائع أن المثقّف متمرّدٌ بطبيعته، وينزع إلى التّغيير، ولكن هذه نظرة نمطيّة فيها كثيرٌ من الجدل، فهناك المثقف المحافظ الذي يبرر قِيمَ النظام السياسي والاجتماعي القائم، ويدافع عنها، ويعدّ الدولة مصدرَ الفضيلة، وهناك المثقف الإصلاحي الذي يرى أن النظام يجب أن يُنتقد وأن يُصلح ذاته من داخله، بتسويات مدروسة وليس بالثورة، ونجد أيضًا المثقف النقدي الثوري الذي يسعى نحو التغيير من أجل نظام أفضل، وهو يرى أن واقع النظام السياسي الاستبدادي لا يسمح بالتغيير التدريجي؛ فيدعو إلى رفض الواقع القائم وإلى الثورة والتمرد.

في هذا المقال لا تهّمنا الفئة الأولى من المثقفين فهم، وخاصة في المجتمعات التي تحكمها أنظمة ديكتاتورية شمولية كمعظم الدول العربية، ليسوا سوى كلاب حراسة للوضع القائم، وفي الحقيقة هم ليسوا منظّري دولة محافظين بالمعنى الحديث لمفهوم الدولة، وإنما مجرّد موظفي أجهزة أمنيّة يرتزقون على حساب الثقافة. ولن نناقش موقف الفئة الثانية “الإصلاحية” من الثورة فهي لم تعبّر يومًا عن رغبتها بالتمرد الشعبي على الوضع القائم ونادت، دائمًا، بالتغيير من الأعلى “الدولة” إلى الأسفل “الجمهور” واعتبرت نفسها وصيّة على الشعب، وهذا مع العلم أن هذه الفئة لن تستطيع فعل أيّ شيء في ظل أنظمة الاستبداد المطلق؛ لذلك تحوّل قسم منها إلى محافظ. ولكن أسئلتنا التي طرحناها في بداية المقال تتعلّق-كي لا نعمّم- ببعض المثقفين النقديين الثوريين الذين طالما تغنّوا بالثورة، ورفعوا قيم الحريّة والعدالة الاجتماعية فوق غيرها من القيم، ونادوا بالتمرد الشعبي على الأنظمة، وحين نزلت الجماهير غاضبة إلى الشوارع في أعقاب ثورات الربيع العربي؛ وقفوا خائفين مرتبكين أمامها يقلّبون في معاجمهم الثورية ليفهموها، ويبحثون في كراساتهم الحزبية ليتأكدوا ما إذا قد خرجت هذه الجماهير بقرارات حزبيّة، وحين لم تبدو لهم كما يريدون؛ وقفوا ضدّها. ولذلك غالبًا ما نراهم يستميتون في نزع صفة الثورة عنها، ولا يريدون أن يروا في حراك الشباب الغاضب إلّا مؤامرة خفيّة، تقف وراءها أيادي خارجيّة.

اللافت، عند هؤلاء “المثقّفين الثوريين”، هو أن قسمًا منهم لم يكتفِ بالوقوف ضد الجماهير المنتفضة أو على الحياد (في أضعف الإيمان) بل ذهب إلى حد تبرير جرائم الأنظمة الديكتاتورية الشمولية والدفاع عنّها! وفي وقوفهم مع أنظمة الاستبداد السلطوية، برروا ذلك قائلين إنّ على المجتمع أن يتحرّر أوّلًا، ومن ثمّ ينال حقّه في الديمقراطية، أي أنّهم يعتقدون أنّ الدّيمقراطيّة نتيجةٌ، تتحقّق بعد تأسيس الحريّات العامة. وهنا يمكننا أن نسألهم: هل سيبني، لهذه الحريات العامة، أنظمة ديكتاتورية عسكريّة تتحالف مع رجالات الدين لسحق الفرد في أدقّ تفاصيل حياته!؟

وربما تؤمن هذه الفئة من المثقفين بخصوصيّة وضعهم في المجتمع وبدورهم التنويري، وهذه الخصوصية تبرّر لديهم وصايتهم الفكريّة على الشعب. فهم الوحيدون القادرون على مجابهة السّلطة وإجراءاتها بشكلٍ عقلانيٍّ، في ما يخصُّ المشكلات الكبرى التي تواجه المجتمع، وهم الذين تقع على عاتقهم مهمّة تطوير الثّقافة الشعبيّة المشبعة بمفاهيم الخضوع للقوي وثقافة عبادة البطل، إلى ثقافة الالتزام بالقوانين والدّفاع عن كرامة المواطن وترسيخ قيم الحرية والمعايير العلمية! ولكن ألا يحق لنا هنا أن نقول لهم: لقد انتظرناكم طويلًا، ولم نرَ شيئًا؟

من المحتمل أنّ الدّيمقراطيّة لدى هؤلاء “المثقفين الثوريين” ليست وسيلةً للوصول إلى الحرّيّات والحقوق الفردية والثّقافة السّياسيّة، وإنّما نتيجة من نتائجها، إذًا -من وجهة نظرهم- يجب العمل أوّلًا على إقرار مجموعةٍ من المبادئ (مبادئ فوق دستوريّة) تتّفق عليها جميع القوى السياسية والشعبيّة، قبل إجراء أيّ تغيير؛ لذلك وقفوا ضد ثورات الربيع العربي، مبرّرين ذلك بعدم جهوزيّة الشّعوب العربيّة للدّيمقراطية (موقف نخبوي متعالي)، وبالتّالي إمكانيّة وصول الإسلاميّين للسُّلطة والوقوع تحت حكم الدولة الدينيّة! في الحقيقة، إنّ قدرًا كبيرًا، من تخوّف هؤلاء المثقفين من ثورات الربيع العربي، يتعلّق بالتّخوف من اختيار الشّعوب العربيّة، نتيجة عدم رشادها -كما يفترضون- للتيارات الدينية.

يتجاهل هؤلاء المصابون بـ “فوبيا الإسلام السياسي” أن الدّولة الاستبدادية العسكريّة هي أيضًا المقابل للدّولة المدنيّة والمعوّق لها، شأنها في ذلك شأن الدّولة الدّينيّة، وذلك على الرّغم من أنّها هي الحاضرة كثيرًا في الخبرة العربيّة المعاصرة. كما أن حديثهم عن دور المثقّف في رفع ثقافة الشعب، وامتلاك المقوّمات الحضاريّة المطلوبة للتغيير والعملية الديمقراطية، يعكس نزعةً نخبويّة كبيرة يُمكن أن تُؤسّس بسهولةٍ لنوعٍ آخر من الاستبداد ما زال ماثلًا في أذهان من عاش في كنف نظريّة الحزب القائد. وأخيرًا، برهنت في بعض الأحيان الجماهير التي خرجت في ثورات الربيع العربي –خلافًا للمقولات حول عدم استعدادها وأهليّتها للعمليّة الدّيمقراطيّة– على جهوزيّتها للتّجربة الدّيمقراطيّة، على العكس من النّخب التي أخفقت في ذلك، ولنا في مدينتي داريّا وحماة، حين ظلّتا شهرين تقريبًا خارج سيطرة النظام، خيرُ مثال على ذلك.

وفي السّياق التّبريري الديماغوجي نفسه لأنظمة الاستبداد، يذهب قسمٌ من هؤلاء المُثقّفين الذين وقفوا ضد ثورات الربيع العربي إلى القول إنّه لا توجد جهوزيّة لدى الشّعوب العربيّة لمواجهة الاستعمار والإمبريالية والصهيونية، وهذا الصراع مع الأعداء الخارجيّين لا يسمح بنشوب صراع داخلي من أجل الدّيمقراطيّة؛ وبالتّالي فإنّ مسألة الدّيمقراطيّة ليست أولويّةً ويُمكن تأجيلُها. وينسى هؤلاء المثقفون أنّ نظرية “أسبقية تحرير الأوطان على تحرير المواطن، وأن لا صوت يعلو فوق صوت المعركة” استُخدمت ذريعة لتبرير العنف وقمع الحركات التحررية الديمقراطية ونهب الأوطان واستباحتها، وأن الأوطان لا يحررها، ولا يصون أمنها وكرامتها إلا مواطنون أحرار، كما بات معلومًا للجميع.

وأخيرًا، في ختام هذا المقال، يمكننا أن نتساءل فيما إذا وقف بعض “المثقّفين” ضدّ الثورة والتّغيير كي لا يفقدوا المكانة التي حصلوا عليها، بوصفهم مثقّفين مُعارضين لهم ميِّزاتهم -على سبيل المثال لا الحصر- في ظلّ النظام القائم، وهذه المكانة ربّما ستتغيّر بتغيّر هذا النظام؛ فتصبح الثّقافة في متناول الجميع، ويصبح النّظام ديمقراطيًّا مثلًا، وهذا بالطبع سيُفقدهم ميزة الثّقافة وميزة المعارضة والنقد والنضال البطولي من أجل الحريّة؛ وبناءًا على ما سبق ألا يحق لنا أن نتساءل فيما إذا كان هذا النقد والنضال الثوري، لهذه الفئة من الناس، مجردَ استعراض بطولي، ظهرت حقيقته أمام شجاعة الناس العفويّة المستعدّة للموت من أجل حقوقها؟.

مقالات ذات صلة

إغلاق