مقالات الرأي

تحولات الموقف الإسرائيلي من الجولان المحتل

العديد من مراكز التفكير والأبحاث الإسرائيلية تعوِّل على اعتبار الفوضى القائمة في سورية فرصةً يتوجب على “إسرائيل” أن تجبي نتائجها في الجولان، وعلى صعيد كامل المنظومة الأمنية، انطلاقًا من خيارها المعروف “الأمن قبل السلام”. فعلى مدى ستة أعوام ونيّف من الثورة السورية، ومنذ تحولت سورية إلى ساحة للحرب، بالوكالة بين أطراف إقليمية ودولية، ظلت “إسرائيل” على مسافة ما من هذا الصراع، وإن استغلته لتحقيق بعض الأهداف المحددة. وقد تمثلت هذه الأهداف في الضغط من أجل تجريد سورية من أسلحتها الكيماوية، وتوجيه ضربات جوية لطرق إمداد “حزب الله” بالسلاح، ومحاولة إحياء “وديعة فورد” ذات العلاقة بتبعية الجولان لـ “إسرائيل”. إذ سيتوقف مصير الجولان -إلى حد كبير- على التسوية النهائية للمسألة السورية وشكل الدولة بعدها.

فكلما تعمقت الطائفية في سورية، وتعززت الكراهية بين مكوّنات المجتمع، وحولتها إلى شروخٍ يصعب رأب صدوعها، استطاعت “إسرائيل” استغلالها لطي موضوع احتلال الجولان بصورة نهائية، والتخلص من “الإطار المفاهيمي” الذي تم التوصل إليه في أيار/ مايو 1995، والعودة إلى فكرة “الأمن قبل السلام”، بما ينطوي عليه ذلك من أنّ بقاء المستوطنات الإسرائيلية، بل توسيعها، في الجولان بما يضمن أمن “إسرائيل”.

ومن جهة أخرى، تتفق مراكز البحوث والتفكير الإسرائيلية على أنّ نظام بشار الأسد في سورية، أو ما تبقى منه ومنها، من قبيل “سورية المفيدة”، بحسب ما قد تؤول إليه الأمور في اليوم التالي من توقف الصراع في سورية وعليها، أو استمراره، هو الأكثر إفادة للأمن الإسرائيلي. فقد أكد باحثون إسرائيليون على ضرورة بقاء نظام الأسد في سورية في هذه المرحلة، حيث بات يُمثِّل -بحسب تعبيرهم- “مصلحة قومية عليا لإسرائيل”. وأنّ “الأسد أفضل الخيارات الممكنة لنا، على الرغم من أنه سيسقط في نهاية الأمر”.  فضلًا عن أنّ “المصلحة الإسرائيلية الحالية تكمن في أن يستمر القتال في سورية، والوجود الروسي هناك سيضمن هذا الأمر”.

وعلى الرغم من أنّ سورية، حتى قبل سقوطها في مستنقع الحرب الأهلية، كانت فاقدة لأي قدرة عسكرية لشن حرب ضد “إسرائيل” بهدف استعادة هضبة الجولان المحتلة، إلا أنّ “إسرائيل” كانت تدرك أنّ ذلك لن يرتب تغييرًا في وضعها كأراضٍ محتلة وفقا للقانون الدولي. وطالما أنّ سورية كانت قد أبدت، منذ مؤتمر مدريد للسلام عام 1991، استعدادها للدخول في مفاوضات مع “إسرائيل” لأجل تسوية الصراع معها، فإنّ احتفاظها بالجولان إلى الأبد سيظل محل شك كبير، إلا إذا تفككت الدولة السورية وأصبح من الصعب أو المستحيل تحديد الجهة التي يمكن أن تطالب بهذه المنطقة مستقبلًا.

من هذا المدخل رأت “إسرائيل” أنّ دفع سورية نحو الانقسام والتفتت، وإن كان سيزيد من المخاطر الأمنية على حدودها الشمالية، إلا أنه سيضمن التشكيك في المشروعية القانونية لمطالبة أي من الدويلات التي ستنشأ -حال تفكك سورية- بالجولان؛ وبالتالي يصبح ضمها ليس أمرًا واقعًا فحسب، بحكم الاحتلال الإسرائيلي لها منذ عام 1967، بل أمرًا يمكن إعطاؤه شكلًا شرعيًا، وفق القانون الدولي في مرحلة لاحقة. وقد يكون السيناريو الذي تأمله “إسرائيل” هو نشوء دويلات على أنقاض سورية الموحدة، وبالتالي يصبح من السهل المحاججة بحق “إسرائيل” قانونيًا في ضم الجولان إليها بشكل نهائي.

 ولأنّ سورية لن تعود كما كانت، وأنّ مفعول التسويات التي رسمت الحدود والدول في الشرق الأوسط، بعد الحرب العالمية الأولى، قد أوشك على النهاية، وأنّ المنطقة ستدخل في حالة من عدم الاستقرار لسنوات طويلة؛ يدعو صانعو القرار الإسرائيلي إلى أن تصوغ “إسرائيل” -من جديد- مصالحها الجيوستراتيجية، من خلال النظر بعيدًا إلى الغد وليس إلى الأمس، حيث إنّ هذه “الفرصة الفريدة”، لتغيير المكانة الدولية لهضبة الجولان، نشأت بفضل تضافر عمليات تاريخية ونضوجها في الزمن الحالي. حيث إنه لا أفق آخر في الجولان باستثناء الأفق الإسرائيلي، ولن يتاح الاستقرار الإقليمي من خلال “البدائل الإسلامية”، ولا من خلال موطئ قدم لإيران و”حزب الله” في بحيرة طبرية.

إنّ الضمانات الاستراتيجية المطلوبة إسرائيليًا هي “وديعة أميركية” شاملة بشأن الجولان، بما في ذلك ضمانات رئاسية وتشريعات في الكونغرس الأميركي، تضمن السيادة الإسرائيلية هناك. بالاستناد إلى أنه في العام 1975 صدر تعهد رئاسي مكتوب من الرئيس الأميركي حينئذ، جيرالد فورد، لرئيس الحكومة الإسرائيلية، إسحاق رابين، تضمن اعترافًا أميركيًا في شأن حاجة “إسرائيل” الماسة إلى هضبة الجولان حتى في وقت السلم. إنّ الإنجاز المطلوب والممكن لـ “إسرائيل” هو تحديث الموقف الدولي، وإعادة المصادقة على الموقف الأميركي بشأن الجولان، وهذا كان المطلب الإسرائيلي من الرئيس الأميركي ترامب في زيارته الأخيرة لـ “إسرائيل”.

إنّ المراهنات الإسرائيلية هي على مزيد من التفاعلات السلبية -أمنيًا وسياسيًا- وعدم التوصل إلى أي حل في القريب العاجل. وفي هذا السياق يبقى للجنوب السوري وضع خاص، نظرًا لمتاخمته للحدود الإسرائيلية التي تمثل بيضة القبان في الأمر برمته. فمن ناحية تستحيل إعادة سيطرة النظام على كامل درعا والقنيطرة، ومن ثم عودة النظام لممارسة وظيفته الرئيسية بحراسة حدود “إسرائيل”. ومن ناحية أخرى لن تسمح بسيطرة طرف لا تستطيع التأكد من نواياه تجاه “إسرائيل” على تلك المنطقة الحيوية.

ويعتقد قادة “إسرائيل” أنّ استمرار الصراع السوري قد قوّض مطالب سورية بالجولان وعزز قبضة “إسرائيل”، ومن هنا يسرّعون الخطى لتوسيع نطاق الوجود الإسرائيلي في الجولان، من خلال بناء مساكن إضافية، وتشجيع السياحة، والاستثمار في البنية التحتية والصناعة.

إلى أي مدى يمكن أن يتحقق فرض السيادة الإسرائيلية على هضبة الجولان، بعد خمسين عامًا من احتلالها، وهي هضبة سورية، قبل أن تكون من أملاك آل الأسد، وستبقى بعدهم ملكًا للشعب السوري؟

مقالات ذات صلة

إغلاق