سورية الآن

ما مصير (ربيع) فنزويلا؟

يبدو أن فصل (ربيع) قد حلّ بأرض فنزويلا مع بداية نيسان/ أبريل 2017، وأزهر تظاهرات شعبية تُعرّي (خريف) شافيز الراحل و(شتاء) تلميذه مادورو، بعد أن أظهرت استطلاعات الرأي أن سبعة من أصل عشرة فنزويليين يريدون (رحيل النظام) ورئيسه نيكولاس مادورو نتيجة الأزمة الاقتصادية والاجتماعية العميقة التي تؤجج الغضب الشعبي. واستمر تظاهر آلاف المعارضين طوال شهر أيار/ مايو في العاصمة كراكاس دفاعًا عن حرية التعبير ومطالبة برحيل مادورو. ومن غير المتوقع أن تتوقف موجة الاحتجاجات قريبًا. وتتخلل التظاهرات أعمال العنف والصدامات، وخصوصًا في العاصمة، وتقطع مجموعات من الشباب الملثمين الطرق السريعة بالشاحنات، وتشعل فيها النار، لترتفع سحب كثيفة من الدخان الأسود. وتستخدم قوات الأمن آليات مكافحة الشغب من خراطيم المياه والغاز المسيل للدموع، لمنع المعارضين من التقدّم، ولتفرّق المتظاهرين الذين يردون برشق رجال الأمن بالحجارة والزجاجات الحارقة. وخلّف مناخ العنف عشرات الضحايا وفقًا للنيابة العامة.

يرجع سبب تسخين الحراك السياسي، واتساع القاعدة الاجتماعية لحركة المعارضة السياسية إلى تدني إمكان النظام مواصلة سياسة الإنفاق التوسعية، نتيجة انخفاض أسعار النفط. فقد تقلصت الريوع النفطية الكبيرة التي خُصّص جزء منها لرشوة الفقراء. أدى ذلك إلى انضمام فئات من الفقراء إلى الطبقة الوسطى المُعارضة تقليديًا، بينما يستمر فقراء آخرون في أداء دور متملقي السلطة ويساعدون رجال الأمن في قمع المتظاهرين. لكن جذور الحراك السياسي تعود إلى الثامن من كانون الأول/ ديسمبر عام 2015، حين فازت المُعارضة في الانتخابات البرلمانيّة، وحصلت على 107 مقاعد من أصل 167 مقعدًا في الجمعية الوطنية الفنزويلية، مقابل 55 مقعدًا للحزب الاشتراكي المُوحَد الحاكم. وكانت الخطوة التالية متوقعةً، إذ طالب البرلمان بإجراء استفتاء على استمرار الرئيس في منصبه. وجاء الرد مُسبقًا من نائب رئيس الحزب الاشتراكي الحاكم في مؤتمر صحفي قبل التصويت: ((لم يتنحَّ الرئيس مادورو ولن يتنحى. لم يتخلَّ عن منصبه، ولن نعترف ببرلمان عاقّ)). ثم جاء الرد رسميًا بعد ذلك بيومين فقط بقيام المحكمة العليا الموالية للسلطة بإبطال قرار البرلمان قائلةً: ((إن القرارات الأخيرة كافة للبرلمان لا تمتلك القوة القانونية، وإن البرلمان يبدي عدم الاحترام للسلطة التنفيذية وينتهك قواعد عمله المحددة بالقانون)). وتابعت المحكمة: ((إن الرئيس مادورو لن يقدم تقريره السنوي حول الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية أمام البرلمان، بل سيقدمه أمام أعضاء المحكمة العليا)). وأعقب ذلك قرارٌ من المحكمة العليا يُلغي عمل البرلمان تمامًا، ويحصر الصلاحيات كاملةً بها، ما يعني سيطرة الحزب الحاكم على مفاصل الدولة جميعها.

وتتالت الحوادث بدءًا بدعوة إلى الإضراب العام في 26 تشرين الأول/ أكتوبر عام 2016. واجهه مادورو بتهديد أي شركة تشارك فيه بالمصادرة، مُدّعيًا تمثيله الطبقة العاملة بقوله: ((أي شركة ستتوقف ستستردها الطبقة العاملة))، وتوعد بالاستعانة بالجيش. وأعلن وزير الدفاع عزمه للدفاع عن (الشرعية)، وتوقف الإضراب بعد إصابة 120 شخصًا واعتقال 100 آخرين. وفي 10 كانون الثاني/ يناير عام 2017، صوّت البرلمان على عزل الرئيس بأغلبية 106 أعضاء. ودعا إلى انتخابات حرة وتعددية، وصولًا إلى تظاهرات نيسان/ أبريل التي أدت إلى انتشار الجيش. أظهر مادورو أنه وريث وفيّ لسلفه ومعلمه هوغو شافيز برفض تنازله وإجرائه انتخابات عامة. فقد أعاد شافيز كتابة الدستور الذي قال عنه: ((إنه سيعيش قرونًا)). لكن التلميذ تفوّق على معلمه، إذ طالب مادورو بوضع دستور جديد يقضي بإنشاء (جمعية شعبية) تكون سلطة عليا لا تحتاج إلى انتخابات أو أحزاب. وفات مادورو أنه لن يحظى ببراءة اختراع، فقد سبقه العقيد القذافي بلجانه الشعبية ونظرية: (من تحزّب فقد خان). لكنه قد يتقاسم جائزة أخرى مع معلمه الخالد شافيز بإنجازهما طريقة غير مُبتكرة، لـ ((كيف تُفقر شعبًا مدنيًا يعيش في بلد غني مثل فنزويلا)). فلا يكفي سوء الأوضاع المعيشية لتفجير غضب الشعب، بل يحتاج أيضًا إلى قناعة بأن بلاده تمتلك إمكانات تؤهله لحياة أفضل.

فنزويلا بلد غني، تبلغ مساحته حوالى مليون كيلو متر مربع، ويُقدّر عدد سكانه بنحو 30 مليون نسمة. يحتل المرتبة الأولى في العالم باحتياطي النفط المُؤكد بتقدير 297.7 مليار برميل، وبنسبة 24.8 في المئة من الاحتياطي العالمي. ويأتي في المرتبة الثامنة عالميًا في احتياطي الغاز الطبيعي المؤكد بحوالى 5.725 تريليون متر مكعب. وهو في المرتبة 11 عالميًا في إنتاج النفط بواقع 2.316 مليون برميل/ يوميًا. والمرتبة 26 في إنتاج الغاز بنحو 26.5 تريليون متر مكعب/ يوميًا. ويأتي تصنيفه في المرتبة الثامنة في تصدير النفط عالميًا بمقدار 1.94 مليون برميل، لكنه لا يحصل إلا على المرتبة 50 بين دول العالم في ناتجه المحلي الإجمالي بقيمة 206.252 مليار دولار عام 2014. ويُعد الاقتصاد الفنزويلي من أكثر الاقتصادات العالمية ريعية. إذ تُمثّل العائدات النفطية حوالى 50 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وبنحو 80 ـ 90 في المئة من إجمالي الصادرات، تؤمن حوالى 95 في المئة من العملات الصعبة.

كانت أسعار النفط المرتفعة -100 دولار للبرميل- تغطي عيوب ريعية الاقتصاد. ومع انخفاض الأسعار ظهرت واحدة من أسوأ أزمات الاقتصاد في تاريخ فنزويلا. يتوقع صندوق النقد أن تبلغ مُعدلات التضخم حوالى 750 في المئة في نهاية العام 2017، ما يجعل فنزويلا صاحبة أعلى احتياطي نفطي في العالم الدولة صاحبة أعلى مُعدل تضخم في العالم. ويُتوقع أن تتجاوز البطالة 25 في المئة هذا العام، وربما  28 في المئة في العام المقبل. بعد أن كانت النسبة 7.4 في المئة في عام 2015، ما يجعلها صاحبة المركز التاسع في أسوأ مُعدلات البطالة. وأكثر من 80 في المئة من سكانها –عددهم ثلاثون مليونًا- تحت خط الفقر. أما في مؤشر الفساد فتحوز فنزويلا على السبق في المرتبة 166 بين 176 دولة في العام 2016، بحسب منظمة الشفافية العالمية. والفساد في فنزويلا عضوي ومزمن منذ عهد شافيز حين بدأ نهج الاعتماد على أصحاب الولاء، وليس على ذوي الخبرة. وتنشط في فنزويلا، إضافة إلى نهب المال العام، عصابات الجريمة المنظمة وتجارة المُخدرات.

تجربة جديدة، تضاف إلى تجارب سابقات، تُثبت قدرة (اليسار الشعبوي) على الجمع بين إفقار الشعب وتحطيم الدولة، وتوهمه بأنه يدافع عن خياره الاشتراكي، بالتصدي للإمبريالية الأميريكية. فنظام شافيز ـ مادورو يعّد فنزويلا قلعة إسناد للممانعة العالمية. ووجد في سورية ساحة (لنضاله الأممي) المُمانع، فحين ناقش مجلس الأمن الدولي مشروع قرار فرنسي، 8 تشرين الثاني/ نوفمبر 2016، يدعو إلى وقف عمليات القصف في حلب استخدمت روسيا حق النقض، وحالت دون تبنيه، ومن بين أعضاء مجلس الأمن الخمسة عشر، وحدهما روسيا وفنزويلا اعترضتا على المشروع الفرنسي في ما امتنعت الصين وأنغولا عن التصويت. وكانت الجمعية العامة للأمم المتحدة قد تبنت قرارًا يدعو إلى الوقف الفوري لحملة القمع العنيفة التي يشنها الأسد على المتظاهرين السلميين في 17 شباط/ فبراير 2012. اتُخذ القرار بأغلبية 137 صوتًا مقابل اعتراض 12 عضوًا وامتناع 17 عن التصويت. والدول التي صوتت ضد القرار هي روسيا والصين وإيران وفنزويلا وكوريا الشمالية ونيكاراغوا وبوليفيا والأكوادور وروسيا البيضاء وزيمبابوي وكوبا، إضافة إلى مندوب الأسد. وأمدت فنزويلا الأسد بشحنات عدة من المازوت في عام 2012 حين كان يعاني أزمة محروقات خانقة. وجاءت هذه الإمدادات في الوقت الذي توقف فيه توريدها من جراء العقوبات المفروضة على قطاع النفط في سورية.

فما الذي يجمع بين فنزويلا وتلك الدول التي وقفت موقف العداء من الشعب السوري مُؤيدة إجرام الأسد؟ ألا يصح المثل القائل: (إن الطيور  على أشكالها تقع)؟ بالتأكيد يُوجد تشابه بينها، وإن لم يكن تشابهًا في الأشياء كلها، فهي ليست غربانًا سودًا في ليل أسود، فلكل منها خصوصيته. لكن هناك ما هو مشترك بين معظمها في أكثر من نقطة تقاطع؛ أهم ما تتشارك فيه تلك الدول، نظام الاستبداد السياسي والاستئثار بالسلطة، واتباع سياسات شعبوية تُحرّك غرائز الجماهير وتساعد في تعبئتها للتصدي للمؤامرات الكونية، إضافة إلى الانتهاكات المُمنهَجة لحقوق الإنسان. وباستثناء الصين، تعتمد معظمها على الاقتصاد الريعي المنخور بالفساد العضوي المُعمّم والمافيات الاقتصادية والمالية المعتمدة على مجموعات الجريمة المنظمة، إنه محور الممانعة.

من الصعوبة بمكان التكهن بمسار الحراك السياسي في فنزويلا، وكيفية انتهاء الصراع، وموعده. فهل يستجيب الجيش إذا ما دعاه مادورو إلى فتح النار؟، وماذا يستطيع فعله بآلاف الصواريخ الروسية؟ يُخطئ النظام بأنه قادر على تحويل فنزويلا إلى نموذج جديد لكوريا الشمالية، أو تدميرها على الطريقة السورية. وخيار تحويل الصراع إلى حرب أهلية مفتوحة يفقده ما تبقى له من شرعيته السياسية، علاوة على مشروعيته الإنسانية والأخلاقية. وكم من الجرائم والكوارث يجب أن تُرتكَب باسم الاشتراكية حتى يُعاد اكتشاف ما كشفته التجارب التاريخية. فالاشتراكية فقدت صلاحيتها في تسويغ (النزعة الشعبوية) التي تدّعي الديمقراطية، لتجعل منها قناعًا  لمصادرة الحريات العامة والخاصة، وانتهاك حقوق الإنسان، ولتجميل وجه النظام الاقتصادي المركزي المُتحكّم بالإنتاج والتوزيع، المنخور بالفساد والمافيا حتى نقي عظامه.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق