مقالات الرأي

إنها سلطة “للإيجار” لتضمن البقاء

كتب باتريك سيل، المؤرخ والصحفي والكاتب المرموق والمشهور، كتابَه المعنون (بندقية للإيجار)، واستعرض في صفحاته تجربةَ صبري البنا “أبو نضال” التي شكّلت جزءًا من المشهد الفلسطيني الصاخب والمضطرب والمعقد، منذ منتصف السبعينيات وحتى وفاة البنا التي بقيت غامضة عمومًا، مع أن المطلعين على تجربته ونهاياتها يؤكدون أن من أنهى حياته هو أحد الأنظمة التي استثمرته بأكثر من جريمة، وفي غير مكان.

تنقّلت بندقية صبري البنا على أكثر من كتف، وأطلقت رصاصها على عدة اتجاهات، ودائمًا كان من يقرر اتجاه التصويب والرمي طرفًا آخر، يحرك البنا ويأمره بالتنفيذ في المكان والتوقيت الذي يحدده صاحب القرار. وما كان يجنيه البنا، من تأجير سلاحه، إشباع جنون العظمة الذي تميزت به شخصيته، مع قليل من المال؛ ليتابع عملياته المأجورة، وتستمر جماعته قادرة على الحياة.

غادر باتريك سيل الحياةَ قبل احتدام المشهد السوري، وهو الذي واكب تجربةَ الدكتاتور الأسد الأب، في مقابلاته الصحفية معه، كما في كتابين أحدهما خصّصه بالكامل لتناول تجربة حافظ أسد ووضع سورية في عهده. فهل كان باتريك سيل سيختار عنوان كتابه عن تجربة الطاغية الابن يُحاكي به عنوانه (بندقية للإيجار) باستبدال “سلطة” بالبندقية؟

حملت خطابات السياسة، في بلادنا، وفي بلاد أخرى، مصطلحات كثيرة لتوصيف حالات بعض البلدان وقادتها، كالقول: نظام عميل – نظام مرتبط – نظام تابع – نظام متآمر نظام مأجور.. وهلم جرّا. وكان ذلك في زمن الحرب الباردة، حين كان المناهضون لأميركا يُطلقون تلك التوصيفات لتعبئة القوى وزجّها في الصراع داخل هذا البلد أو ذاك، وكثيرًا ما كان التوصيف غير مطابق للموصوف، لأن الغرض منه كان النيل من أنظمة دول معينة، وينطوي على “بروباغندا” سياسية.

بدوري، وأنا أستخدم مصطلح “سلطة مأجورة” في توصيف حالة السلطة القائمة في سورية التي يقف بشار الأسد على رأسها، لا أنطلق من خلفية مناهضتي للسلطة في سورية لأختار مصطلحًا شديد اللهجة نحوها، أو “لأفش خلقي” من هول الارتكابات الوحشية بحق السوريين. هي سلطة متوحشة قاتلة مجرمة وهمجية، لكن كلَّ ما تقوم به من ارتكابات يدلّ على أنها مأجورة لتضمن البقاء. فعندما فتحت طرق البلد وحدوده ومياهه وسماءه، كانت تقوم بذلك كسلطة أجيرة عند الآخرين، بعد أن تهاوت قدراتها على الإمساك بزمام الأمور تحت قوة الثورة الشعبية في السنوات الثلاث من احتدام الصراع وتقهقر أدوات النظام العسكرية والأمنية.

هي اليوم، وإن كان المشهد في البلد يُشير إلى تدهور وضع الثورة إلى حدود بعيدة وخطيرة، ليست من يُنشئ الخارطة على مقاس أجندة خاصة بها.

إنها، ومع أول إسناد عسكري لها من ميليشيات “حزب الله”، اشتغلت أجيرًا له تحت عنوان “حلف الممانعة والمقاومة”، وشرع الحزب الطائفي الفاشي في الإمساك بالقرار العسكري الميداني، وتحديد شكل انتشار قواته، وفرض ما يراه مناسبًا لمكان تموضعها، وقيامه بتوجيه الإهانات لضباطها الكبار عندما يفشل في جبهة من الجبهات. وتركت سلطة بشار لـ “حزب الله” التصريحَ بالنيابة عنها حول الوضع الذي تواجهه، ورسمه لخطط المعارك ضد الثورة. وخلف ستار “الممانعة والمقاومة” استأجر “حزب الله” سلطةَ بشار وصار مرجعًا ناطقًا باسمها. وطرحت سلطة الطاغية نفسها أداةً لضمان أمن “إسرائيل” مقابل ضمان بقائها هي، حين ربطت بين الخطر الذي يهددها وتأثيره على أمن “إسرائيل”، ففي أكثر من تصريح مباشر أو مداور، قدمت نفسها لأداء دور “الأجير” لأمن “العدو القومي والوطني” الذي باسم الصمود في وجهه، أجَّرت نفسها لما يسمى “الحلف المقاوم”.

لقد اتضح أكثر فأكثر أنها سلطة مأجورة بالكامل، مع الدخول الإيراني المعلن والمباشر إلى جانب النظام ضد الثورة؛ وأصبح قائد فيلق القدس قاسم سليماني هو صاحب القرار الفعلي في قيادة المعارك ضد الشعب السوري، وعندما انطلقت مشاريع التفاوض بين المعارضة والسلطة، كانت طهران هي من يُقرّر شروط التفاوض وأهدافه، وكانت مُطلقة اليدين في السياسة كما في المعارك على الأرض، وجرت مقايضة البلد لمصلحة إيران مقابل بقاء بشار على رأس السلطة، وحصل ما حصل من تدمير وتهجير يقتضيه مشروع الملالي لإحداث “تشييع” ديموغرافي، يكون هو الضمانة الموثوقة لسيطرة إيران على مقدرات سورية بالكامل.

أما تأجير السلطة نفسها لروسيا، إلى جانب إيران وميليشياتها الطائفية الفاشية، فكان ذروة الانحطاط السياسي، وتُلخّص التعبير عن هذا الأمر بجعل قاعدة “حميميم” مقرًا لإصدار الأوامر لقصر بشار وقياداته العسكرية، والمطبخ الذي تأتي إليه الوجبات الجاهزة من الخارجية الروسية، ليتناولها قادة سلطة بشار، دون قدرة على الاعتراض على “نكهاتها” غير المطمئنة أحيانًا، وفق مقتضيات المناورات الروسية على المستوى الدولي، وهو ما توضحه مداولات موسكو لفكرة عدم التمسك ببقاء بشار رئيسًا، بعد، أو خلال، المرحلة الانتقالية. فما تطمح له العصابة الحاكمة، من علاقتها “المأجورة” مع بوتين، هو أن يقول ما قاله الإيرانيون: بقاء بشار خط أحمر، في أي حلّ سياسي للصراع في سورية.

الزبون الأهم الذي تطمح سلطة بشار تأجير نفسها له هو ترامب، وكل محاولاتها على هذا الصعيد، لم تثمر. فهي على استعداد للقيام بأي شيء مقابل الضمانة الأميركية لبقائها. وكل إعلاناتها المتكررة عن استعدادها “وشبقها” للانضمام للتحالف الدولي “ضد الإرهاب” كطريق لها تحقق به اعتماد واشنطن لها على الخارطة السياسية في المنطقة، ودونه يعرف قادة النظام، كما كان يعرف الطاغية الأب، أن لا شيء يُحقق الثقة بالبقاء إن بقيت أميركا تمارس سياسة “التعويم” في العلاقة مع سلطة آل الأسد. وفي الحقيقة، إن الغباء السياسي هو الذي يُعشش في وعي العصابة الحاكمة، وهي تستميت في عقد “قرانها” مع الإدارة الأميركية، فهذه الأخيرة تأخذ كل ما تريد دون الحاجة إلى تقديم شيء لسلطة الطاغية. وهنا مأزق بشار وجماعته. فالزبون الأميركي ليس جاهزًا لاستئجارها، ودونه لن تثق بالاستمرار والبقاء.

مقالات ذات صلة

إغلاق