أدب وفنون

حكاية حَاحُو

في بلاد العُربان، ومن قديم الزمان يعيش الحاكمُ والمحكوم شهرَ عسلٍ دائم.. غزل طولَ الوقت، فرفشة، نَغْنَشَة، لهذا حين سمعتُ كلمة: (كفاية) التي قالها الناس في مصر للريّس (حسني) ذاتَ يوم، عندما كان على كرسي الفرعونية أو كرسي الرئاسة لم أصدِّقْ أُذنيَّ أولَ الأمر!

قلتُ لنفسي: لعل أميرَ الطرب العربي المرحوم فريد الأطرش يغني: (كفاية يا عين).

فركتُ عينيَّ فركتين.. قرصتُ جلدي قرصتين؛ لأعرفَ إن كنتُ في حِلْم أم عِلْم؟ فتبيَّنَ لي بالدليل القاطع أنني غيرُ نائم ولا دائخ ولا سـكران، وأنَّ الناس في أرض الكنانة تقولها بالفم الملآن للريّس نفسه! يشترك في قولها البويجية، أساتذةُ الجامعات، المناحيس، المفاليس، عم عبده، ست نعيمة، حتى السمكُ السابحُ في أعماق النيل يقفز إلى الأعلى، يلعبط في الهواء، ويهتف: كفاية!

انطلقتْ كلمة: (كفاية) في عدد من البلدان العربية أيضًا، وربما ستنطلق في بلدان أخرى، ولكنْ.. ماذا بعد (كفاية)؟ هل سيستجيب الفراعنة، وتنتهي الحكاية؟

أفتحُ كتاب: (الملوك وصراعُ الديوك) لابن حمزويه الدعموسي؛ حيث يذكر حادثةً مشابهة جرتْ قديمًا في بلد من بلاد الدنيا. صرخ الناس: (كفاية) بعد أن ملُّوا حاكمَهم (شمسي حَاحُو).

كان (حَاحُو) قصيرًا، قبيحَ الشكل، يشبه الخنفساءَ التي وقعتْ في اللبن، وقد اعتاد أن يناجي الكرسي الذي عوَّضَهُ عن كلِّ شيء:

– حبيبي.. يا نور العين، كم أتمنى لو جلستُ عليك بوجهي لا بقفاي. رائحةُ خشبكَ المصنوع من الصندل تُبعد الزكامَ عن أنفي.. لمسةٌ من مخملك الناعم تعيد البصـرَ إليَّ لو كنتُ أعمى، لا سمح الله.

ثم يغني: (عليكَ طابَ الجلوسُ/ ظهري يشمُّ.. يبوسُ).

علمَ (حَاحُو) بهياج الناس، فبقبقَ الغضبُ في صدره، وهتف بوزيره:

– ماذا يريد هؤلاء الحمير؟!

قال الوزير بعد أن بلع ريقَهُ عدةَ مرات:

– واخجلتاه يا سيدي واخجلتاه.. يريدون أن تفارقوا الكرسي برائحة طيِّبة، ويقولون –لعنة الله عليهم– إنَّ قانون بلادنا لا يسمح لكم بالحكم أكثرَ من عشر سنوات، وبالضحك على الذقون حكمتم أضعافَ ذلك.

كانت كلمة (قانون) من أبغض الكلمات إلى قلب (حَاحُو) حتى إنَّ لسـانه –إذا اضطر إلى قولها– يضطرب فجأة، فيلفظها: (خَانون)! مع أنه غير مصاب بأي آفة من آفات النطق! لذا ازداد غضبًا، فصاح:

– خَانون.. خَانون! يريدون تطبيق الخانون؟!

– نعم يا سيدي يريدون تطبيقه.. لاحول ولا قوة إلا بالله!

نهض عن كرسيه الحبيب، راح وجاء في بهو القصر، حاصَ ولاص، ثم قال لوزيره:

– بسيطة.. سأطبق الخانون، ومن قال إنني لا أضعه فوق العين والرأس؟! أسرعْ أيها الوزير الرشيق، وأحضرْ لي دونَ سؤالٍ أو جواب أستاذًا شاطرًا في الحساب.

صار مخ الوزير كالمروحة يفتل فتلًا في داخل رأسه محاولًا أن يعي.. أن يفهم:

(يا ألطاف الله! أستاذ في الحسـاب! وما علاقته بموضوع (كفاية)؟ هل حدث شيء لعقل حاحو؟!)، لكنه لم يجرؤ على طرح الأسئلة.

زادت دهشة الوزير أكثر حينما جاء بالأستاذ، ووقفا أمام الحاكم؛ إذ وجده هادئًا رائقًا يطلب طلبًا غريبًا آخر:

– هيا أيها الوزير لطيفُ اللسان اذكرْ ألقابي لقبًا.. لقبًا، وأنت عُدَّها جيدًا يا أستاذ الحسـاب الفهمان.

فتح الوزير فمه:

– السياسي الأعظم، الشـجاع الأعظم، المزارع الأعظم، العابد الأعظم، الفنان، الفهيم، العليم.. الأعظم، الأعظم…

– كم بلغ عددها يا أستاذ الحساب؟

– سبعون.. سبعون يا زعيمَنا العظيم.

– ها هااه. احسب الآن.. خانون بلادنا يتيح للرجل الواحد أن يحكم عشـرَ سـنين فقط، ولكنَّ حاحو -كما ذكرتُم منذ قليل- هو سبعون رجلًا، فإذا ضربتَ يا أستاذ الحساب سبعين في عشرة، كم يكون الحاصل؟ ها.. كم يكون؟

أجاب الأستاذ مذهولًا:

سا.. سا.. سبعون في عشرة يساوي: سا.. سا.. سبعمئة.

قهقه (حاحو) عندئذ، وهتف:

– وأنا حتى الآن لم أحكم أكثرَ من أربعين سنة، أربعين فقط! وإذا متُّ –لا قدَّرَ الله– بعد عشر سنين يبقى لي في ذمة الشعب 650 عامًا من الحكم!

 

مقالات ذات صلة

إغلاق