سورية الآن

من الباستيل إلى صيدنايا… ماكرون يتمسك بأسده

لا تأتي تصريحات رئيس دولة بحجم فرنسا، حول سورية ونظام الأسد من عبث أو فراغ؛ فالمواقف الدولية لها أسبابها وخلفياتها وغاياتها. في حديث لعددٍ من الصحف الغربية، يوم أمس الأربعاء، اعتبر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أنه “لا بديلَ شرعيًا للرئيس السوري بشار الأسد”، وأن فرنسا لم تعد “ترى رحيله شرطًا مسبقًا لحل الصراع المستمر منذ ستة أعوام”، بحسب (الأناضول).

وأضاف ماكرون مبينًا: “الأسد عدو للشعب السوري، لكن ليس عدوًا لفرنسا، وإن أولوية باريس هي الالتزام التام بمحاربة الجماعات الإرهابية، وضمان ألا تصبح سورية دولة فاشلة، والأولوية الثانية هي الحفاظ على استقرار سورية”.

قد يرى البعض أن تصريحات ماكرون تستند إلى المصالح لا المبادئ، وأن فرنسا دولة لها مصالحها التي جعلتها تغيّر اتجاهات سيرها في السنوات الماضية أكثر من مرة، فعلى سبيل المثال كانت فرنسا من أوائل الدول التي سوّقت بشار الأسد قبل أن يصبح رئيسًا، وهي سابقة سيئة، حيث استقبله الرئيس الأسبق جاك شيراك في باريس عام 1999، ثم رحب الإليزيه بوراثته الحكم في سورية بعد عام.

بعد اغتيال رفيق الحريري، وعدد آخر من الشخصيات اللبنانية عام 2005، وبعد أن تشكلت المحكمة الدولية الخاصة بذلك، وأشارت كل الدلائل إلى تورط النظام السوري بالجرائم، وأصبح التحقيق الدولي يحاصر الأسد حصارًا مباشرًا، دخل الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي على الخط؛ وسوّقه من جديد، وعده شخصية مهمة لحفظ الأمن في المنطقة، واستقبله في باريس استقبالًا استثنائيًا، قيل وقتئذ إنه تجاوز العرف الديبلوماسي الفرنسي، حتى في طريقة الضيافة والبروتوكول الذي عبّر عن حميمية مفرطة.

سارعت فرنسا لتأييد الثورة السورية عام 2011، وساهمت في تشكيل مجموعة أصدقاء الشعب السوري، واعترفت سياسيًا بكل تشكيلات المعارضة، وافتتحت على أراضيها ممثلية للائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة، واعتبرت أن رحيل الأسد ضرورة حتمية لتثبيت السلم بالمنطقة.

وشاركت باريس في تقديم عدة مشاريع قوانين لمجلس الأمن، تدين نظام الأسد على ارتكابه جرائم ضد الإنسانية، بما فيها جريمة استخدام السلاح الكيمياوي، وطالبت أيضًا بإحالة الملف إلى المحكمة الجنائية الدولية، وحمل خطابها في مجلس الأمن اتهامًا مباشرًا لرأس النظام، وتميز دائمًا بنبرة عالية في الدفاع عن السوريين، بوجه التعنت الروسي الداعم لجرائم الأسد.

يلقي كثير من السوريين اللومَ على المعارضة السياسية والعسكرية التي لم تقدم نفسها بديلًا واقعيًا وعمليًا للنظام، ولم تضع القضية السورية حيث تستحق، حيث اعتلى منابرَ الحديثِ عما يجري، شخصياتٌ تدربت غالبيتها في مدارس النظام نفسه، وبالتالي امتلكت سقف تفكيره، وحُيّدت كفاءات الشعب السوري الفكرية والسياسية، ومُنعت من التعبير عن حقيقة الشعب الذي يتطلع لتثبيت حقوقه بالعدالة والحرية، ويعرف دفء مياه البحر المتوسط وخصوصيتها لأنه شريك فيها، وعلى تقاطع جغرافي مع ثلاث قارات. هل أخذت الثورة فرصتها، أم كان هنالك تعمد دولي لإنهاكها ومنع تمددها.

قال ماكرون، في تصريحاته الأخيرة: إن هدفنا واضح، وهو “حرب كاملة ضد الجماعات الإرهابية، فهي عدونا”، وأوضح أن “الهجمات التي شهدتها فرنسا، وراح ضحيتها 230 قتيلًا، جاءت من تلك المنطقة، فنحن نحتاج إلى تعاون الجميع، وبخاصة روسيا، للقضاء على تلك الجماعات”.

الأسد، بالدلائل الذي تملكها فرنسا ذاتها، هو مجرم حرب بحسب وثائق قدمتها عن استخدامه السلاح الكيمياوي، على الأقل، وهو من يقود عمليات إرهاب منظم ضد المدنيين، وهو بذلك يسهل عمل الإرهابين، ويسوقهم، ويخلق بيئة ملائمة لاستمرار عملهم.

عندما صعّدت الولايات المتحدة نبرتها تجاه نظام الأسد، شاهد العالم أجمع كيف تبعتها اللهجة الفرنسية بالتصعيد، وعندما تراجعت حدة التصريحات الأميركية لحقتها الأوروبية، وأصبح من الواضح، لدى المتابعين، أن الشخصية الأوروبية المستقلة بالسياسة، لم تعد موجودة في السنوات الأخيرة، وأن اللهجة السياسية الملغومة للأوروبيين، غالبًا ما يكون خلفها نيّات أميركية لصنع معادلة جديدة.

يشار إلى بيان الإليزيه بعد استقبال ماكرون لرئيس الهيئة العليا للمفاوضات رياض حجاب، نهاية أيار/ مايو الماضي، إذ أكّد ماكرون “التزامه الشخصي بالملف السوري، ودعمه للمعارضة السورية، للوصول إلى انتقال سياسي في سورية”.

تقود التناقضات السابقة إلى سؤال: أين يقف الأوروبيون من الأحداث في جوارهم، وأين خطابهم الذي يدعو إلى المزيد من حقوق الإنسان، وأين إرث فرنسا النضالي، الإرث الذي أسست له منذ اقتحام ثوارها سجنَ الباستيل عام 1789، لتصبح الثورة الفرنسية رمزًا عالميًا للكفاح من أجل الحرية، في حين وصلت إلى باريس آلافُ الصور الموثقة، عن جرائم نظام الأسد في السجون السورية، وبالأخص من داخل سجن صيدنايا العسكري، جرائم فاقت بقسوتها كل تصور إنساني.

من المرجح أن ماكرون تجاهل -بخبثٍ- كيف دُمّرت المدن السورية أخيرًا، تمامًا كما العديد من المدن الأوروبية في الحرب العالمية الثانية، بينما نجت باريس التي حوت إرثًا فنيًا وثقافيًا كبيرًا، حيث استطاع الجنرال الألماني ديتريش فون كولتيتز، إنقاذها عندما رفض أوامر النازي أدولف هتلر، بحرق وتدمير كافة معالم المدينة العظيمة. يرى الفرنسيون الذين انتخبوا ماكرون كيف يرمي نظام الأسد حممَ النار على المدن السورية، ويدركون أن الشعوب الباحثة عن الحرية، منذ ما قبل اقتحام الباستيل، وصولًا إلى السوريين، تمضي في انتزاع حرياتها وتدفع ثمنها أنهارَ دمٍ، لا يهمها في ذلك تصريحات “ماكر” هنا، ولا ماكرون هناك.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق