هموم ثقافية

هل تستطيع الخشبة أن تكون صندوق بريد؟

  • للفن دور تربوي، وهو دور أساس، لكنه يجب أن يكون مغلفًا بالجمال

يقول السهروردي الشهيد: “أنت كالدابة التي تحمل أثقالًا ولا ترى في مخلاتها غير الشعير”!

والفن المسرحي –بدوره- حُمّل مهمات وأثقالًا لا تليق به؛ كالتطهير والتربية والتعليم والتبشير والتسييس.. إلخ. فمنذ أرسطو مرورًا بكلاسيكيي عصر النهضة وصولًا إلى الواقعية، والواقعية الاشتراكية أو، كما يسميها البعض –تقيةً- بالواقية الاجتماعية! مرورًا بالطليعية والثورية والحداثة وما بعد الحداثة؛ والمسرح يلعب دور المكلّف أو ساعي البريد الذي يحمل رسالة عقائدية ذات “معنى” ديني أو سياسي أو اجتماعي؛ على حساب الثوب (البناء الفني)، ليبتعد بذلك عن الوظيفة الأساسية (الاجتماع، والتواصل المعرفي والجمالية) التي لا يمكن أن تتحقق إلا عن طريق التأمل والحوار وتبادل الرأي مع الناس (الجمهور)، دون إكراه أو تأنيب أو قسر، لا في المبنى ولا في المعنى.

لا شك أن الدفاع عن القيم الروحية السامية للبشر، هو هدف الثقافة الأول وغايته، وأول هذه القيم الروحية هي الحرية، بما في ذلك حرية المتلقي واحترامه. ولا يمكن أن يتم ذلك عن طريق الشعارات والدعاية والتدجين، ومسح الأدمغة أو تعقيمها (تطهيرها)، بل عن طريق الحوار والإقناع والإدراك العقلي والحس الجمالي الرهيف. هذا لا يعني بالضرورة الحكم بالإعدام على الرسالة التربوية والأخلاقية للثقافة، وعلى تنوع أشكال الفن ومضامينه وأساليبه المختلفة. الجوهري في الإبداع، موجود –أصلًا- في هذا اللقاء، بين الثقافة والناس.

لا يصح أن تكون الوظيفة التربوية أو التعليمية للفن، هي العليا! ومن غير المعقول أن يتحول المسرح إلى مدير مدرسة أو “موجّه” يحمل عصًا غليظة، ويقوم بتعليم الجمهور معنى الحرية والوطنية والحب والجمال.! فالفن يقف على ركيزتين عظيمتين هما المعرفة والجمال. فلا مسرح بلا معرفة؛ أي فكر، ولا مسرح بلا جمال؛ أي فن، وهو إن وقف على ثلاثة أرجل بإضافة (الدعاية) تحول إلى كائن أعرج! وإن مشى على أربعة بإضافة (الأيديولوجيا) ارتدّ إلى الحيوانية أو غريزة القطيع.

كما أن الثقافة –بعامة- مهنة ذهنية منتجة للفكر والقيم الروحية والجمال، وليست مهنة عضلية منتجة لما يحتاج إليه الإنسان من خيرات مادية ضرورية لعيشه (مأكل ومشرب وملبس ومسكن وغيرها). وقد سبقت المهن العضلية الثقافة والفكر بعصور طويلة، ووُلدت مع ولادة الإنسان البيولوجية، أما ولادته المعرفية فقد بدأت عندما بدأ العقل يحل محل الغريزة بالتدريج، من خلال التساؤل والتجريب والاستنتاج والتخيّل والتفكر وتراكم وإنتاج المعرفة. وأدى ذلك كله إلى تكريس الخبرة الذاتية والتفرّد، أي الخروج من سلطة القطيع والانتماء الغريزي البيولوجي، إلى سلطة العقل. والعقل فردي بينما الغريزة جماعية، والانتماء إلى العقل مغامرة ورفض للسائد وتوق للكشف عن المجهول والبحث عن الحقيقة، بينما الغريزة تكريس للثابت وتأبيد للسائد وطمس للحقيقة المأمولة.

إن اختراع وظيفة تربوية عليا للمسرح، ما هي إلا محاولة بائسة للعودة به إلى الغرائزية ومعاملة المشاهدين باعتبارهم “قطيعًا”، وتغييب العقل، وتحويل هذا الفن العظيم إلى مجرد بوق بيد السلطة: العقائدية الدينية (أرسطو ومفهوم التطهير) أو السلطة السياسة الأيديولوجية (بريخت) ومفهوم التعليمية والواقعية الاشتراكية، ومسرح التسييس (سعد الله ونوس، الفريد فرج…الخ) والمسرح الطليعي والشعبي والجوّال والتجريبي والحكواتي، وغيره من تيارات المسرح العربي”، المنقولة عن الغرب والتي مارست علينا -عمليًا- عبودية جديدة، تحت شعار الحداثة والحرية.

لست الآن بصدد الكلام عن الحرية والفن والعلاقة بينهما، فهذا حديث طويل، لكن الحرية هنا، كما هي دائمًا مقيدة، بالمعنيين الحياتي والفلسفي، ولا يمكن أن تكون مطلقة، بل مقيدة أكثر فأكثر بحرية الآخرين، خاضعة لهم ومسؤولة أمامهم. وأكاد أقول إن الحرية -وبخاصة في المسرح- تعدّ شرطًا وقيدًا إضافيًا للمبدع، لأنها تتماهى مع المسؤولية بأعلى مستوياتها، وتندمج فيها، كما تندمج المسؤولية بالإبداع. فالإبداع مسؤولية (أي قيد)، وحرية (أي فضاء) لا حدود له. وفي المسرح تصبح الحرية مركّبة من جناحين لا فصل بينهما: مسؤولية الفرد أمام الجماعة، والجماعة أمام الفرد؛ تحكمهما علاقة جدلية تشاركية حتمية، لا تنفي حريةُ أحدهما حريةَ الآخر، كما لا تنفي حريةُ الاختيار حريةَ النقد، بل تخضع كل منهما للمساءلة والتقييم. وهذا ما يميز مهنة الإبداع عن غيرها من المهن الأخرى “العضلية”، التي تمتلك هامشًا واسعًا من المناورة والكذب والخطأ، والتهرب من عواقب المسؤولية. لذلك تصبح الحرية في المسرح، هي الوعي أو المسؤولية بامتياز، لأن العواقب هي شرطها الموضوعي، وقيدها الحساس والخطِر لدرجة قاتلة؛ حيث يكون أي تجاوز لجزء واحد، خطأً فادحًا غير مسموح به، ويطال جميع الأجزاء.

إن الانضباط الإبداعي الحر الواعي الذي يفضل أن نسميه التناغم، والدِّقة التامة، والقدرة على دمج جميع عناصر العرض في بوتقة واحدة، هي قيود وشروط أساسية لا يمكن للعرض المسرحي أن يقوم بمعزل عنها.

لكن، هذا الكلام النظري الجميل عن المسرح والإبداع والحرية والمسؤولية، هل يكون حقيقيًا ومفيدًا، في بلدٍ يحكمه الاستبداد، ويسيطر عليه الفساد والعقائد الجامدة والمواهب الكاذبة التي يعلو صوتُها حجمَها، وتتفوق شعاراتها الخلبّية على الإبداع والفكر والفن والثقافة؟.

مقالات ذات صلة

إغلاق