تحقيقات وتقارير سياسية

القواعد الروسية في سورية… لخفض التصعيد أم للتقسيم؟

منذ أن وطئت أقدام جنود الاحتلال الروسي الأراضي السورية، كانت أهداف تدخلهم مثار اهتمام وتساؤل لدى الكثير من مراكز الدراسات وأجهزة الاستخبارات العالمية ومراكز قرار الدول الغربية، إضافة إلى الشعب السوري: هل جاء تدخلهم لتثبيت نظام الأسد الذي أوشك على الانهيار، أم أنه جاء لترسيخ حل سياسي، تساهم فيه روسيا من خلال وجودها ومساهمتها في خفض العنف ومحاربة الإرهاب؟ أم هو هدف لتقسيم سورية وترسيخ حدود سورية المفيدة التي جعلها بشار الأسد خيارًا أخيرًا يمكنه اللجوء إليه مع خسارته لمعظم الجغرافية السورية وسيطرته فقط على 16 بالمئة من إجمالي مساحة سورية.

مع بدء الطيران الروسي لمهماته، استهدف مباشرة فصائل الجيش الحر والبنية التحتية للمناطق المحررة من مشافي ومدارس ومساجد ونقاط طبية، وحتى مراكز الدفاع المدني لم تسلم من هجماته الجوية، بينما كان شعار “الحرب على الإرهاب” ومحاربة تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش) هو المظلة التي وضعتها قوات بوتين غطاءً لضرباتها الجوية في سورية، على الرغم من أنها لم تنل أكثر من 5-8 بالمئة فقط من نسبة قصف طائرات وحوامات قاعدة “حميميم”، وخدمةً لتلك الأهداف، بدأت القيادة الجوية بنشر قواتها قتاليًا على القواعد والثكنات والمعسكرات وبما يخدم تحقيق أهدافها.

التموضع القتالي للأسلحة الروسية في المواقع السورية

مطار القامشلي: يحوي نحو 100 عسكري روسي من خبراء ومستشارين وضباط، إضافة إلى ضباط من الاستخبارات الروسيّة، ومحطّات تنصّت وكشف جويّ. وبعض المصادر أكدت أن عدد القوّات الروسيّة في هذا المطار قد تزايد كثيرًا في الآونة الأخيرة.

مطار الشعيرات: تتمركز فيه مروحياتٌ قتاليّة من طرازات عدّة، وعملت روسيا على إعادة تأهيل مدرّجَي المطار. وتعود أهمية هذا المطار إلى كونه يؤمّن تغطية جوّيّة كبيرة للمنطقة الوسطى، كما يؤمّن الحماية لأكبر معمل روسي للغاز بالقرب من “الفرقلس” وحقول الغاز المتنازع عليها بين قوات النظام وعناصر (داعش).

مطار “تي فور” العسكري: وهو أحد أهمّ المطارات العسكريّة في وسط سورية، ويقع في قلب البادية السوريّة شرقي مدينة حمص. أهمية المطار تأتي من موقعه الاستراتيجيّ شرقي حمص وغربي حقل “الشاعر”. ومع بداية معركة تدمر نشرت روسيا في المطار مجموعة جديدة من طائراتها المروحيّة من أطرزة مختلفة “مي 24، وكاموف 52، ومي 28”.

قاعدة “إسطامو” الجوّيّة: تقع شمالي بلدة “حميميم” وتبعد عنها نحو 9 كم. أُنشئت في 15 أيلول/ سبتمبر 2015. نشرت فيها روسيا مروحياتٍ عسكريّة من طرازاتٍ مختلفة (مي 8، ومي 24، ومي 35، ومي 28، وكاموف 52)، لتخفيف عدد الحوامات القتاليّة في “حميميم” الذي لم يعد قادرًا على استيعاب أعداد الطائرات الحربيّة وطائرات النقل والتأمين العسكريّة، فضلًا عن الحوامات. إضافة إلى المجموعة البحرية التي رست مقابل سواحل اللاذقية وطرطوس وراوحت أعدادها (زيادة ونقصانًا) بحسب الوضع القتالي ودرجة الاستعراض العسكري وعرض العضلات التي تود موسكو إظهارها.

انتشرت القوات البرية الروسية في المواقع التالية:

 القواعد البريّة وخلايا السيطرة والتحكّم

– السيطرة البريّة على مسافة 10 كم حول قاعدة “حميميم”، وإخلاء تلك المنطقة من أيّ وجود مدني أو عسكري سوري، وإنشاء ثكنات بريّة روسيّة بعمق 70 كم حول القاعدة، وأكبرها تلك التي أُنشئت في منطقة سلمى وجبلي التركمان والأكراد.

– إنشاء منطقة إقامة دائمة لفرقة مدرّعة روسيّة في منطقة جورين بسهل الغاب، ونشر فوج مدفعيّة فيها.

– إنشاء ثكنة عسكريّة في جبل زين العابدين في ريف حماة، تضمّ قوات حرب إلكترونيّة وسطع وتشويش وتنصّت، إضافة إلى نصب راجمات صاروخيّة متطوّرة من عدة أطرزة “سميرتش وأوراغان 27″، تستطيع أن تغطّي ناريًّا منطقة بعمق حتى 90 كم.

– نشر مجموعات قيادة عملياتية صغيرة قوامها “ضباط قيادة وسيطرة” في أغلب القطع العسكريّة، مهمتها إعطاء الأوامر ورسم الخطط الحربيّة.

– إنشاء قاعدة عسكريّة كبيرة ضمن مدينة تدمر، حيث وصفتها قوّات التحالف الدوليّ ضدّ (داعش) بأنّها ثاني أكبر قاعدة روسيّة تُبنى في سورية، احتلت أكثر المناطق حساسيّة في تدمر وهي المقبرة الشرقية، ونشرت موسكو فيها آلياتٍ ثقيلة وأنظمة مضادة للطيران وناقلات جنودٍ قبل سيطرة (داعش) عليها مرة أخرى.

– نشر وحدات وقطعات مدفعيّة متطوّرة في “الغوطة الشرقيّة” شرق منطقة “البحارية”، لزيادة الفاعليّة الناريّة أثناء التمهيد الناري لميليشيات حلفائها في اتجاه حوش نصري – دوما.

– نشر مجموعات قيادة بريّة من ضباط رفيعي المستوى في أغلب الفرق البريّة السوريّة، أكبرها في الفرقة التاسعة في “الصنمين” في ريف درعا، وتمتلك هذه المجموعات حرية اتخاذ القرار العسكريّ المستقل.

– إقامة مركزٍ للقوّات البريّة الروسيّة في معسكر الفروسيّة بين حيّي الصابونيّة وجنوبي الملعب البلديّ في مدينة حماة، بعد أن كان مقرًّا للفرقة الرابعة. إضافة إلى معسكر “دير شميّل” في منطقة مصياف، وانتشار كثيف في الفوج 45، الواقع جنوب غربي مطار حماة العسكريّ.

– بعد السيطرة من قبل النظام على مدينة حلب وعلى كامل الأحياء الشرقيّة منها، نشرت روسيا كتيبةً من الشرطة العسكريّة في حلب، تقول إنها شرطة عسكرية، بينما واقع الحال يقول إنه لواء مهمات خاصة روسي، كان على رأس القوة العسكرية الروسية التي اقتحمت شبه جزيرة القرم واحتلتها، وتكرر هذا الأمر في حي الوعر الحمصي بعد ترحيل معظم سكانه.

– نشر وحدات روسية في مرفأ طرطوس ومنشأة البحوث القريبة منه، وقاعدة النسر شرق بانياس بنحو 15 كم، ومعسكر الطلائع ومعامل الدفاع في مصياف.

وفي تشرين الثاني/ نوفمبر 2016، أُعلن عن البدء بتشكيل الفيلق الخامس-اقتحام، وترافق هذا مع حملةٍ دعائيّة قويّة عبر بعث رسائل على أجهزة الخليويّ بشكل مكثّف، وعن طريق التعميمات على مؤسّسات الدولة؛ حتى إن تلك الحملة طالت أئمة المساجد ومخاتير القرى والبلدات في الأرياف السوريّة، للدعوة إلى الانتساب إلى هذا الفيلق. وفكرة إنشاء الفيلق الخامس هي فكرة روسيّة تأتي في سياق سياستها العامّة الهادفة إلى سحب العناصر السوريّين من الميليشيات المدعومة إيرانيًّا، وحصرها في مواقع محدّدة وضمن تركيبة واحدة للتمهيد -ربما- لإخراجها لاحقًا من الأراضي السوريّة.

معسكر حماة

مع التوصل إلى اتفاق بين الدول الضامنة في اجتماع أستانا الذي انبثق عنه ما يسمّى “مناطق تخفيض التصعيد”، وتشمل (حلب، حماة، اللاذقية، حمص، إدلب، الغوطة الشرقية، درعا، القنيطرة)؛ سارعت الجرافات العسكرية الأسدية إلى رفع سواتر ترابية يصل ارتفاعها إلى أكثر من خمسة أمتار في قرى سهل الغاب، تفصل مناطق سيطرة قوات الأسد عن قرى “الحاكورة وقبر فضة والكريم والأشرفية والرملة”، فيما رُصِد وضع أسلاك شائكة في منطقة المغير، بالريف الشمالي لحماة.

معسكر حماة الذي تزمع روسيا إقامته للمناوبة بثلاث أو أربع مراكز مراقبة لمناطق وقف إطلاق النار وتخفيض التصعيد في ريف حماة الشمالي، لفصل مناطق سيطرة النظام عن مناطق المعارضة، يفترض أن تقابله مراكز مراقبة تركية شمال وغرب حماة. من المرجح أن تغيب عنه إيران في إدلب، لكنها ستكون موجودة في دمشق ومحيطها، على الرغم من أن فصائل المعارضة رفضت مخرجات “أستانا”؛ كونها تؤسس لمناطق قد تؤدي إلى تقسيم سورية على المدى البعيد.

لكن الإجراءات التركية لم تتأخر عبر تصاعد تحضيراتها على الحدود القريبة من محافظة إدلب، وبات دخول قواتها مسألة وقت فقط، بعد اتفاقها مع معظم الفصائل الموجودة بالمنطقة الشمالية (إدلب، ريف حماة) لتثبيت النقاط التي دخلت ضمن مناطق تخفيض التصعيد عبر وحدات عسكرية وخبراء مراقبة مع العتاد اللازم لتنفيذ المهمة، واستبقت تركيا هذا التحرك بالزج بوحدات قتالية في شمال حلب، في بلدة مارع، وعلى مقربة من مدينة تل رفعت ومطار منّغ القريب منها، غير أن أهداف هذا التحرك لم تُعرف بعد، أهي لطرد الميليشيات الكردية “بي واي دي” من تلك القرى التي سيطرت عليها أثناء صراع الجيش الحر مع تنظيم (داعش) أم تأتي ضمن إطار توافق اجتماع أستانا؟

أما على الجانب الروسي فقد نقلت موسكو نحو 1050 جنديًّا إلى داخل مدينة حماة، بينهم 200 جنديّ، تمركزوا في مبنى معسكر الفروسية، و500 بالفوج 45 الواقع جنوب غربي مطار حماة العسكري، و50 في معسكر “دير شميّل” في منطقة مصياف بريف حماة الغربي، و300 في منطقة “جورين” تمهيدًا لتوزيعهم على المراكز في القرى المحيطة بها غربي حماة.

كما نشرت مواقع روسية صورًا لعدد من الجنود الروس، أثناء قيامهم ببناء معسكرٍ وأماكن إقامة للشرطة العسكرية التابعة للقوات الروسية في ريف حماة، قالت إن مهمّتها تطبيق اتفاق أستانا الخاص بمناطق خفض التصعيد ومنع وقوع اشتباكات بين الأطراف المتنازعة مع ومراقبة “وقف إطلاق النار” استنادًا إلى مقرّرات اتّفاق وقف إطلاق النار، نهاية العام الماضي.

المراكز التي يُتوقع انتشار الروس فيها، وتتبع لمركز حماة قد يكون مقرها الرئيس في قرية الشيحة، غربي مطار حماة العسكري. أما نقاط المراقبة فقد تتمركز وفق التالي: (نقطة الكريم في سهل الغاب، نقطة السقيلبية، نقطة حلفايا، نقطة أبو دالي).

تلك النقاط كان يفترض أن تخضع لخرائط، يفرزها اتفاق “أستانا”؛ لكن يبدو أن هناك إصرارًا روسيًا وإيرانيًا وأسديًا على تغيير الواقع الميداني وحسم معارك درعا والبادية السورية وحي جوبر، قبل رسم تلك الخرائط؛ لذلك تأخر إصدارها، لكن تصريح غرفة عمليات “حميميم” الأخير الذي نعى حملة درعا، وبيّن أسباب فشلها قد يسرع برسم تلك الخرائط والقبول بالأمر الواقع الحالي.

تضاف النقاط (السابقة) في ريف حماة إلى كتيبة روسية موجودة شمال شرق قرية معردس التي تتمركز فيها كتيبة مدفعية روسية متطورة، لكن هذا المركز وكل تلك القوة العسكرية الروسية لا يمكن أخذها بحسن النية مع معلومات مؤكدة بأن الهدف الروسي الأول لتلك النقاط هو إبعاد منصات إطلاق صواريخ (غراد) لفصائل المعارضة التي تهدد قاعدة “حميميم” خارج أمدية التأثير.

ستحقق ميليشيات الأسد هي الأخرى فائدة قتالية كبيرة، من خلال نشر تلك النقاط الروسية وتتمثل بتحرير جهد قتالي كبير لعناصرها وعتادها بدأت على الفور بنقله لتعزيز قواتها على جبهة درعا والبادية السورية وجبهة حي جوبر.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق