أدب وفنون

عبّاد الشمس

ما أعرفه عن مها بكر، لونه أخضر.

كذلك –تمامًا- يخرجُ وجهُ جدتي من لوحات غوستاف كلمنت.

نتفُ كلماتٍ وذكريات، أسئلةٌ لها شكلُ رغيفِ الخبزِ الساخن وأجوبة عاديّة.

هل شاهدتمْ مها بكر؟

هل تملكُ ممحاًة زرقاء؟

الفضولُ يتفقدُ أثري في المرآة.

تعتذرُ صورتي على الحائط للوجوه التي تدوّرُ الماضي، تحاولُ أن تتذكرَ عنها أيّ شيء؛ أيّ شيءٍ آخر، غير الحكاية التي تقول: إنّها ولِدت وفي يدِها زهرةُ عبّاد شمس.

سأتبعُ مخيّلتي قليلًا، صوب البئر الذي رمت مها بكر، في عتمه، أقراطَها الذهبيّة، ذات يوم؛ ثم أسرجَت فرسًا بيضاء لتدخل حقلًا من حقول فان غوغ.

عَبَرت سهول القامشلي، وفي جيبها نحلةٌ دائخةٌ، صعدت الجسرَ الليلكيّ، فتحتْ فمها للمطر، وهناك علّمتْها الرّيح أن تتركَ النشيد عاريًا، يختارُ أختَه الشّجرة.

وقفتْ على حافة النهر، تغسلُ الأسماء تحت أظافرها، راحت تتمرأى، كما لو كانت المرّة الأولى التي ترى وجهَها، غصنُ صفصافةٍ قَطّع وجهها فوق صفحة الماء إلى امرأتين: الأولى أغراها شرودُ الماء، والثانية تمدّدت تحت عينيها كمطلعِ ملحمة إغريقيّةٍ.

اللّغةُ البريئة من تاريخ الميلاد، فوق شواهد القبور، من لافتات الطرقِ، من قوائم الأطعمة فوق الطاولات. اللغةُ خارج الجسدِ الذي تمتمَ حروفها أولَّ مرّةٍ كي يرقص. كانت تريدُ مجهولًا غير قابل للسكن، كأن تسرقَ من ندبةِ أحدهم مشطًا لطيور البحيرة، ومن خزانة إحداهنَّ عطرًا شهيًّا يثيرُ خيالَ زنزانة.

الشِّعرُ بقطط سوداء تموء حول ذيل العناوين، يمشي بالبصيرة صوب الكهفِ، الكهف الذي رسمَ عضوهُ أولًا، ومن ثمَّ راح يسوّرُ عتمهُ بالحجر، تركَ الشّعر بقيّة الرواية للطبيعة، وأبتعدَ وحيدًا كما بدأ.

يصلنا الشّعر بحكمةٍ وألفةٍ، خارجَ الكتب والقوانين، حين أتذكرُ مطلع قصيدة للشاعر رامبو، حارًّا يتهادى أعلى السفح يرمي إصبعًا في البحيرة وينصتُ، فإنّي أتبعُ ذاك الصوت، تاركًة رامبو وشأنَه مع بجعِ البحيرة، ولن يطرقَ باب مخيّلتي شكل الورق الذي قرأتُ، فوقه كلمات رامبو، أولَّ مرّةٍ، ولا اسم الكتاب. حتى عنوان النصِّ سيبدو ككلبِ حراسةٍ، يرزحُ في مكانه.

“يسافرُ ضوءُ النجوم الميّتة، وبضوء روعتها تبدو حيًّة،

الغيتار الذي لا ينسى رفيقه، يعزفُ الموسيقى دون يد.

يسافرُ الصوت، تاركًا الفمَ خلفه”.

أصنّف هذا المقطع لـ “إدواردو غاليانو” في قائمة الموسيقى الداخليّة لقلبي، أديرُها وأرفعُ الصوت، كلّما ازدحمتُ بما ليس لي.

الشّعرُ يربط ذاكرتي على شكل جديلةٍ ويرميها خارج العالم، وما يبقى هو ذاك الذبول الذي يتمايلُ في ضوء القمر، عصارة النشوة العدميّة.

كمنظرٍ طبيعيّ أخّاذٍ رأيتَه صدفًة، أذاقَك طعمَ الانتحار فوق صخور عرجاء، راويًا لكَ “حدُّوتة”. العليّةُ الصغيرة في بيت اللاشعور، خبّأتْ ذاك المنظر ليكبر ويكتب ويغادر، وعندما تشتاقُ الأعصاب المرحةُ في دماغكَ إلى رؤية أطفالها بعد سنين طويلة، تأتي تلك الرؤى إلى أرضها البيضاء باسمٍ ووجهٍ وثيابٍ جديدة.

تموتُ الغايةُ، المنظرُ المحسوس المكتملُ فوق الأرض، وتحيا مخلوقاتِك المنقِذة.

يغيب النصُّ على الورق، ويسكنُ ظلّكَ صديقٌ أبديّ.

 

يرعى الشّعر حواسّ بعيدة، ندركها كومضةٍ سريعة كالموت، تلتقطُ صورًا من السماء لوحلٍ يزورُ الضفة، شمعدان من الشمع الميت، حبوبُ منومٍ تشتهي اللهب، أرقامٌ تسبحُ داخل قفص صدركَ.

لا تملك مها بكر كتابًا يحملُ اسمها، وما من لوحةٍ تتمدّد فوقه كجثّةٍ، بانتظارِ قارئٍ جديد كي يدفنها.

هل من باب رئيسيٍّ ندخل منه تلك الحديقة؟

“نعيشُ معها دون سياجٍ، ألم يخبرك أحدٌ بهذا؟

مرًّة أُغمي على صفصافةٍ في حنجرتها، من فرط الحنين، فغنّتْ لها أغنيًة كرديًّة وفرطتْ عقدها الأزرق بين جذورها”. أجابت الشجرة في قصيدة مها.

عائدين كقطط دمشق آخرَ اللّيل، نُمسك بظلالنا كما يتمّسكُ الغرقى بفكرةٍ تطفو، نتذكرُ كلام الجدّات قبل السفر، كلام الأمهات قبلَ النوم، الكلامُ الذي لم تكن لطريقهِ لافتةٌ سوى في الحلم، عن لسان العصفور الجافِ الممدّد بين أضلاع القفص، عن الحبِّ الذي يرعى خرافَه بنايٍ مكسور.

نحنُ الجيلُ الآخر، الذي لبسَ ثياب العسكر في المدرسة وردّد الشعارات العسكريّة وأنشدَ النشيد الوطني مع المطر كلَّ صباح، نحن الجنون الذي كلما انتفض، تسألهُ المفارق عن اسمه واسم أبيه واسم بلدته.

نحنُ الكلمات الرديئة السُمعة التي لم يسألها أحدٌ عن عتم الدُّكان الذي هربت من رفوفه. بلا فائدةٍ نفَثت العرّافةُ في خطوط أيدينا طالَعها، لترى ضوءًا أو سردابًا أو ماء. على الساحل بكينا، وحملنا لحقول القطن وصيّةَ شاعرٍ مات في السجن، ومن دون وداعٍ تركنا أمهاتنا على العتبات يكنسن غبار الحريّة فوق ثيابنا، الحريّة الشُبهة الأبديّة.

نحنُ من بكى عند مروره أمام أوراق النّعوات، ونحن من اعتذر عن حضور الجنازة.

نقرأ كتبًا طُبعت في الخمسينيات، نشاهدُ أفلامًا بنمشٍ أبيض وأسود، الحاضرُ مغيّبٌ، المستقبلُ ضائعٌ، والمخيّلة تلهثُ كسعادة نبعٍ فقدَ مصبّه.

 

دوّنتْ مها تجربًة مميزًة وفريدًة تناثرت لوقت طويل على صفحات (فيسبوك)، أعطت لأسماءٍ تعرفها وأخرى لا تعرفها، مفتاحَ بابِ الحديقة السريّة.

قصائدٌ أطلَقَتْ عليها اسم “الفيس بوك فرع سوريا”.

جمعَت أصدقاءها في بستانها الشعري، لا يهمُّ إن أصابت قلبَ أحدهم، وأغرتهُ كي يتبعها، أو كتبت ما نشتهي وننتظر، أو ما نحن عليهِ حقًا. لم تناد مها على الأشجار باسمها، ولم تشرّحْ لنا الأجواء المناخيّة والحياتيّة التي رافقت تاريخ نموِّ تلك الأشجار.

كان الشعرُ يُطَعِّمُ الأغصانَ بريحٍ خاصةٍ تمرُ بنافذتها.

عند السفر يغزلُ الماءُ لوني، تقول السمكة السوداء في مها بكر.

مدهشٌ أن تنسى البذرةُ، وجهَ العاصفةِ التي حمَلتها، يُتمتمُ الحبُّ في هذا النص:

 

 

بقميصِ البَيج المائلِ إلى الأصفر
المعتّق بالهواء،
وكما يحلو لكَ أن تُطلق عليه اسم “الأوكر”.
بجينزٍ ممزّق بعض الشيء،
وللحدّ الضروري فقط،
لتصدّقَ أنّي بلغتُ سن الحداثة
بساعة “ماريون” المتواطئة مع زمنٍ قياسيّ
لعدم وصولي لأيِّ مكان.
بخاتمٍ يجعلُ أناملي تقصدُكَ أنتَ بالضبط،
وأنا أرفعُ يدي
لأحدّثكَ عني بالمختصر المفيد
بحذاءٍ عالٍ ٍجدًّا
لتتمكّن من رؤيتي،
تتذوّق الملح من رؤوسِ أصابعكَ
وأنتَ تتعمّدُ الجلوس في الصفِّ الأخير
لتبدو لا مباليًا بمجيئي من أجلك.
وبالتناص مع ماريّا،
اشتريتُ قبعًة من القشّ،
لا حزينًة ولا سعيدًة
بفارق ٍصغير جدًّا
مكان الزهرة الحمراء
عصفورًا من البلاستيك المكّرر
لأبعدَ الشكوكَ عنّي.
والمسافة الافتراضية قَطعتُها بصعوبةٍ بالغةٍ
لو تعلم !!!
على قدميّ،
دون أن أستعين بحافلةٍ
من الدرجة الأولى،

أو بقطارٍ سريعٍ جدًّا.
اجتزتُ حاجز الخوف
ومثله حاجزَ الخجل.
في تمام الساعةِ السابعة إلاّ ربع
كنتُ أمام الباب،
لا أنتَ
لا جمهورَ ينتظرني
لا عدسة كاميرا تتابعني وأنا أهمسُ
للعصفور المصنوع من البلاستيك المكّرر.
كم مرًة أسدلتُ ثيابي أمام المرآة
لأبدو متماسكًة و أنتَ تربت على كتفيّ
” يخرب بيتك برافو برافو مها”.
ولم تتغيريّ
خجولًة وتقرئين من نفس الزاوية المضيئة للتأويل،
فقط ينقصُك ِتقنية الخداع البصريّ،
وأنت ِتمرّرين اللغة َ بينَ الجثث.
اشتدَّ الهواء ُ
احترقتْ تذكرة الدخول .
اشتدّت الريح،
سقطَ العصفور من على القبّعة وطارت الزهرة .
كان يومًا استثنائيًّا البارحة،
لكنّي بمهارة الحزن
أعدتُ كلَّ شيءٍ
إلى مكانه الطبيعي.

بينما المطر كان يهطلُ بقسوةٍ عليّ
وأنا أرمي الهدايا وزهوري لكَ في الراين،

بضعةُ بتلاتٍ منّي ستطفو على السطح
وتخبركَ،

أنقِذوا حلب.

مقالات ذات صلة

إغلاق