كلمة جيرون

النقد.. هو الوحيد المُنتِج

التواصل الثقافي –وكذلك الحياتي- مشروط بوجود عوامل كثيرة، أهمها على اﻹطلاق وجوب وجود قطبين أساسين هما المرسل/ المتلقي اللذين لا يمكن أن يحدث -بغياب أحدهما- اتصال أو حوار! فأنت لا تستطيع أن تتواصل مع هاتف معطّل أو مشغول أو غير موجود أصلًا!

حتى المونولوج الداخلي يجب أن يقرأه أو يسمعه أو يراه شخص ما. فغاية اﻹبداع اﻷولى -كما هو معروف- التواصل مع الآخر (الجمهور)؛ سواء كان مجموعة أم أفرادًا. ومع ذلك، فإذا دققنا في كلمة المتلقي، نجد أنها غير دقيقة تمامًا، لأن الجمهور ليس مجرد متلقٍ. إنه ركن في عملية الاتصال والحوار والإبداع (الثقافي أو السياسي)، لدرجة أن بعض المفكرين رأى أن الناس هم ميدان الإبداع واللبنة الأساس التي تقوم عليها ظاهرة التواصل، والأنشطة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية كلها.

لكن كيف يكون الإبداع ظاهرة ونشاطًا اجتماعيًا، وهو بالأساس عمل فردي؟

العمل الثقافي ظاهرة اجتماعية، لكن هذا لا يعني أنه إبداع جماعي، مع أن بعض أنواعه فنون جماعية مركبة، (المسرح والرقص والسينما…الخ). إنه إنتاج وليس إبداعًا جماعيًا، لأن المجتمع –بطاقاته كلها- يشارك في إنجازه، من خلال تأمين المرافق والخدمات الضرورية له، مثل: المسارح والمطابع والمكتبات والمعارض والمراكز الثقافية والورش الفنية وصالات العرض والسياسات الثقافية.. إلخ، ناهيك عن أن المبدع هو امتداد للمتلقي. لكن الإبداع المتميز يحمل اسم صاحبه (المرسل) ويجعله فردًا مميزًا: (كاتب ممثل مخرج نحات مصور..)

لكن، هل يكتمل العمل اﻹبداعي بوجود هذين الركنين فقط (المرسل والمتلقي)؟ والجواب هو النفي -حتمًا- ﻷن هذين اﻷساسين واجبا الوجود، لكنهما غير كافيين. فإذا كانت طبيعة الإبداع؛ وأهم خاصة من خصائصه، هي أنه نشاط اجتماعي يبدؤه فرد أو مجموعة أفراد، وإذا تعذر إنجاز عمل المبدع إلا بمشاركة الآخر/ المتلقي؛ فإنه لا يوجد أي معنى لأي عمل إبداعي -مهما كان عظيمًا- لا يستهلكه الناس (المتلقي)، لأنه صُنع كي يُعرَض عليهم. وهذا الاستهلاك يولّد –بدوره- الركن الثالث للإبداع، وهو: النقد الذي لا تكتمل الدورة اﻹبداعية ألا بحضوره؛ حيث تصبح ناجزة وكاملة، كما تكتمل الدورة الدموية ودورة الإنتاج ودورة الحياة. فالنقد يحلل ويركب ويثير التساؤلات، ويبرز القيمة والدور الجوهري لعملية الخلق وآفاقها، وهو الرائز والميزان العقلي والجمالي لإبداعاتنا كلها.

ربما لهذا السبب اعتبر برتولد بريخت العمليةَ النقدية “هي الوحيدة المنتجة، في عملية اﻹبداع”، مشبها إياها بدورة اﻹنتاج الصناعي التي لا تكتمل إلا بشراء المنتج واستهلاكه. وهذا لا يعني -أبدًا- مطابَقة الإنتاج الثقافي للاقتصادي، وآلية السوق وقوانين العرض والطلب، فالعمل الفني ليس مجرد سلعة، كما أن الاستهلاك الثقافي لا يلبي حاجاتنا المادية فحسب؛ بل المعرفية والروحية أيضًا. والنقد يكرس -أولًا وقبل كل شيء- الحوارَ بين هذين الركنين العظيمين؛ فيشرح ويصحح ويحلل ويبرهن ويقوّم، ويفتح آفاقًا جديدة؛ معرفية وجمالية، لكليهما. وإذا كان الإبداع إعادة إنتاج للواقع المعاش، فإن النقد إعادة إنتاجٍ للمنجز الإبداعي المعروض. والنقد -كما في الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والروحية- إذا فسد فيها فسدت.

لذلك تعمل السلطة؛ سواء كانت سياسية أو اجتماعية أو دينية -بخاصة- على منع النقد أو تجريمه أو تحريمه، وإن عجزت عن ذلك عملت جاهدة على إفساد العملية النقدية وتشويه جوهرها وغايتها، وذلك بشتى السبل والوسائل المتاحة لها، كالإغراءات المادية وشراء الذمم وتصنيع أشباه النقاد والمبدعين، وتكريس وسائل الإعلام الموجه (المرئية والمسموعة والمطبوعة)، وشبكات التواصل الاجتماعي، والمنابر الدينية المتنوعة التي تجعل الجميل قبيحًا والقبيح جميلًا، تمجد السخف والتفاهة، وتشن حملة تشويه وتحريض وتخوين، على النقاد والمثقفين الحقيقين، لتهمش دورهم. وتتمكن -في سنوات قليلة- من قطع دورة الإنتاج الإبداعي تلك، فتحول “المرسل” الغبي، إلى نجم وسيد مطاع وربما مقدس، و”المتلقي” المطيع، إلى رقم في قطيع، بلا ذائقة جمالية أو معرفية.

مقالات ذات صلة

إغلاق