أدب وفنون

الدولة الإسلامية بين استحالتها وحتمية حداثتها

ثمة تياران في راهن الحال العربي، يتجاذبان وجهة النظر في علاقة الدين بالسياسة: طرف يرى في أسس الإسلام دولة يجب إحياؤها، وطرف ينفي العلاقة بينهما ويروم فصلها. وغير بعيد من هذا التجاذب يُلزمنا مصطلح “الدولة الإسلامية” -كاتحاد لفظي للسياسة بالدين- بتصور ديني للعالم والمجتمع. مع هذا التصور، انشغل عدد من الباحثين في الفكر السياسي، بهذه الدولة في “إسلاميتها”، ومع كثرة هذه الانشغالات وتعددها، ليس غريبًا على المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، اعتناؤه بالعلاقة الضابطة بين الدولة والإسلام، بقصد وضع المصطلح في محله الصحيح. من هنا كان جهده في إصدار كتابين في وقت متقارب، ستكون فيهما “الدولة الإسلامية” حجر الزاوية التي يروم واضعا الكتابين سبرَ أغوارها: الأول للبرفسور وائل حلاق الذي وضع للكتاب عنوانًا مستفزًا هو (الدولة المستحيلة) والثاني للدكتور امحمد جبرون (الدولة الإسلامية أزمة الأسس وحتمية الحداثة).

ما يجمع بين الكتابين ليس الموضوع وحده، وإنما زاوية النظر إلى ما يشغله، فكلاهما في العمق يرفض “بعث” الدولة على شكلها الفقهي القديم، ويرى ضرورة إعادة ترتيبها، بما يتفق مع الحداثة السياسية، كأفضل ما هو ممكن في الزمن الراهن، لكنه يجد -في الآن ذاته- ما يميزها ويجعلها متفوقة أخلاقيًا على دولة الحداثة.

سأسعى إلى إضاءة المشترك بين الأطروحتين وتبيان نقاط الاختلاف بينهما.

منذ البدء، يعلن حلاق خلاصة ما سينتهي اليه بقوله “أطروحة هذا الكتاب بالغة البساطة: مفهوم الدولة الإسلامية مستحيل التحقق.. بحسب أي تعريف سائد، لما تمثله الدولة الحديثة”. ص 19، وهذه الفرضية التي يطلقها حلاق تنطوي على سؤالين مضمرين: الأول، في حال استحالتها كيف حكم المسلمون أنفسهم تاريخيا؟ والثاني تساؤل يعقب الاستحالة بطبيعة الحال، حول نمط الحكم الواجب اتباعه حاضرًا ومستقبلًا؟

يمكن لجبرون أن يعطينا فكرة من خلال التأسيس على رأيه في أن الدولة الإسلامية الممكنة هي “دولة الوقت التي تعمر العالم”. إذًا نحن أمام وجهتَي نظر: الأولى لحلاق تقول باستحالتها في ابتعادها عن الحاضر السياسي، والثانية لجبرون ترى استحالتها كامنة في الماضي وطريقة تشكلها التاريخية. فهو رأى في الاجتماع السياسي المتخلق عن العامل الإسلامي في تكوينه الأول “المدينة” إخراج العضوية الاجتماعية من سلطان القبيلة إلى عقد سياسي جديد، ومنه كانت فكرة الدولة في المجال الإسلامي.

نعود إلى حلاق في خطوته اللاحقة؛ إذ يوجه نقده إلى الحداثة الغربية، فيعرض آراء فلاسفتها، من الفلسفة السياسية جون رولز وتشارلز تايلور، إلى البنيوية وما بعدها، ميشيل فوكو ورواد العقد الاجتماعي توماس هوبز وروسو وجون لوك، فيراهم جميعًا -على اختلاف توجهاتهم- وصلوا بالدولة لكي تصبح “آلهة الآلهة”، موردًا جملة قاسية في التعبير عما وصلوا إليه: “لا إله إلا الدولة”! فتاريخها هو تاريخ الدولة نفسها؛ إذ تبني كيانها على أساس تشريع تصوغه الأغلبية الغنية –عادة- وتفصل الفرد عن جماعته ليصبح مواطنًا لا يعرف غير هذا الإله، وهو الدولة. ينقل حلاق عن سميث قوله: “الدولة أشبه ما تكون بالمعجزة الدينية فلا مرجعية لها إلا كينونتها”. ص 71، وإن كان حلاق قد ذهب بعيدًا في نقد الحداثة، فإن جبرون قد اتجه في خط معاكس؛ إذ عاد إلى التاريخ لينقد فكرة “الدولة” في إسلاميتها، فيرى أن أبرز صور الانحراف التي طالت قضية الإسلامية، في نصوص الفكر السياسي المعاصر، هي “غلبة التصورات الصفاتية والشكلانية على مفهوم الدولة الإسلامية”. فالدولة الإسلامية ليست المشكلة الحقيقية، لكن المشكلة وقعت في حالة “العطب التاريخي خلال القرنين التاسع عشر والعشرين”. ص120.

لا يمكن، والحال هذه، حل هذه القضية بالعودة إلى الخلافة، لكن -وحسب جبرون- يمكن الاطمئنان إلى اعتبار عصر الراشدين طور طموح إلى النموذج.

من زاوية أخرى، سعى الكاتبان إلى إيجاد مبادئ كلية تدعم وجهة نظر كل منهما. فحلاق وجد اشتراكًا بين فكرة الدولة في الغرب والتوحيد الذي قامت عليه الدولة في الإسلام وفق مبادئ وصفات، كقاسم مشترك بين الطرفين. فهي “أولا: كلية القدرة، وثانيًا: تملأ الزمان والمكان، وثالثًا: لا نعرفها إلا من خلال ما تنتجه، وأخيرًا لا يمكن إدراكها إلا من خلال اختبارها لقضية معيارية”. ص70، في حين انطلق جبرون من مبادئ كلية وجدها صالحة لبناء دولة حديثة بصيغة إسلامية، فمشترك “الدول” الإسلامية تاريخيًا، هي مبادئ ثلاثة “البيعة، التعاقد، العدل، والمعروف” ص14. ووجد حلاق في زاوية الفصل بين السلطات، ما يؤسس لدولة إسلامية حداثية، يكتب حلاق “الفصل بين السلطات في الإسلام كان أكثر دقة في تجسيد معنى هذا الفصل وهدفه، وأكثر تفوقًا، قياسًا بما نجده في الدولة الحديثة النموذجية”. ص148.

وإن كانت خطابات مفهوم الدولة الإسلامية قد وجدت في اتجاهين أساسيين: “اتجاه صفاتي ربط بين إسلامية الدولة ومجموعة من الأوصاف كالحاكمية وتطبيق الشريعة، واتجاه شكلاني اعتبر الدولة الإسلامية الصحيحة هي التي تحاكي الخلافة الأولى”. ص 36 جبرون، وهي مشكلات أدى التمسك بها إلى ضياع الرغبة في بناء دولة متطورة. لكن حلاق في بحثه التاريخي وجد هذه المشكلات تنحصر في ثلاث: الأولى طبيعة الفصل بين السلطات الثلاث في الدولة الحديثة، واختلافها الجذري عن السلطة في الإسلام، والثانية في ضرورة التمييز بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون، وهي ما أطلق عليه حلاق مصطلح “نشأة القانوني” والمشكلة الثالثة ما أسماه “نشأة السياسي”.

وإذ يملك الإسلام نظامه الأخلاقي الخاص النابع من المتعالي، فإن هذه الزاوية تطرح معضلة حقيقية على الفعل السياسي الإسلامي؛ إذ لا تعترف الدولة -بهيكليتها الحديثة- بقيم ثابتة وأزلية، مما دفع بالكاتبَين إلى الانتصار للشريعة ومدونتها الفقهية، فوجدها حلاق عملًا أخلاقيًا تتميز بأنها لا تمنح السيادة لأحد ليكون فوق أحد، لأن السيادة لله، فالقانون في الشريعة أداة للأخلاقي وليس العكس، ومنه وجد حلاق أنّ الشريعة هي الشعار المميز للحكم الإسلامي، ولكن أي شريعة التي يقصدها حلاق؟ لا يريد وائل حلاق إعادة النموذج القديم والبائد من الشريعة، ولا الحالي الذي يقف في الوسط بين الحداثة والإسلامية، وإنما هو، بلفظ حلاق، “نموذج العدل”. واشترك جبرون في وجهة النظر هذه، حيث وجد أن الشريعة كانت دومًا قابلة للتطور والتبدل، تحت مظلة “العدل”، وهو يسوق مثالًا على الزيادة الكبيرة في الفقه، بأن إمام المالكية في عصره، ابن ابي زيد القيروان (ت 386 ه) قد ألف كتاب “النوادر والزيادات”، تعقيبًا زاد فيه كثيرًا من المسائل على مدونة سحنون” ص 242. ومعروف أن “مدونة سحنون” هي المرجع الرئيس للمالكية في الفقه.

ومن وجهتَي النظر يمكن استخلاص أن الشريعة -كما وجدها الكاتبان- ارتبطت بالمجتمع ولم ترتبط بالدولة، وهذا ما يدفع لاستمرار تحديثها. وفي تفاصيل هذا الاتجاه بالذات، يبرز الاختلاف. فجبرون لا يرى الشريعة شيئًا أساسيًا في الدولة المستقبلية؛ فيكتب “ليست دولة شريعة همها الأساس تطبيق الأحكام الشرعية وحل الأزمة الجنائية، بل هي دولة الوقت التي تعمر العالم” ص 356. فنموذج الدولة الإسلامية في المستقبل -حسب جبرون- في القرآن ودولة الرسول في المدينة.

أضف إلى كل هذا وجوب أن يكون لهذه الدولة موقفٌ من الفنون الأداتية، ومن جنسنة الجسد عبر تصويره كسلعة تجارية. ومن هنا سيحاول هذا الحكم طرح كل ما هو غير ملائم للثقافة الإسلامية. وهنا يبرز تحد جديد في كيفية إيقاف تغول الثقافة المعولمة. حلاق ص 271.

وفي النهاية ينصح حلاق بدعم وجهتين متساويتين في العمل: الأولى أن يشرع المسلمون، بعد الربيع العربي، بالإفصاح عن أشكال حكم جديدة، تكون قابلة للتصور، والثانية: إعادة صياغة قواعد الشريعة لتقديم تصور جديد للمجتمع السياسي. ص 295

الكاتبان يجادلان في أمر واحد قد اتفقا فيه، وهو دعوة الناشطين في نظرية “استعادة الخلافة” إلى إعادة التفكير في وجودها وعدم الانجرار خلف طوباويتها، والانخراط أكثر في مشروع الحداثة السياسي، عبر القبول بشكل الدولة الحديث، مع المحافظة على الأخلاقيات الإسلامية داخلها وقبول مؤسساتها الدستورية والقانونية والتنفيذية للخروج من الأزمة الحالية.

مقالات ذات صلة

إغلاق