سورية الآن

غباء ترامب استراتيجي

قبل أكثر من أسبوع كتب ماكس بوت في موقع ”فورين بوليسي“ مقالة عنوانها ”ترامب أغبى من أن يكون رئيساً“. القائمة طويلة جداً، وتشمل الشرق الأوسط، كما الولايات المتحدة. ففي منطقتنا، تتبلور سياسة لرئيس أضعف من أن يخط طريقاً خاصاً به، بل يبدو أقرب للسير في ركب سياسات قديمة وحلفاء وأصدقاء باتوا يُتقنون إدارة شخصه وتقلب مزاجه.

جهل ترامب ممزوج بمشاعر العظمة والعجرفة والادعاء بمعرفة شاملة لكل القضايا، والقدرة على مواجهة كل التحديات. بحسب معارف العائلة، فإن الرئيس العتيد قابل لأن يغضب أكثر من عبارة مسيئة لشكله، شعره المصبوغ مثلاً، من التحدث عن أدائه، كوصفه بالجاهل أو غير ذلك.

في المقالة الآنفة الذكر، ثلاث قصص رئيسية نُشرت عن غباء ترامب، وتدل على عدم كفاءة يزيد من آثارها عدم تعيين فريق كامل والاعتماد على أفراد العائلة.

القصة الأولى عن لقاء بين ترامب وبين قسيسين من كنيستين في نيويورك من الطائفة المشيخية (برسبيتيريان). تبجح الرئيس الأميركي في بداية اللقاء بأن الناخبين الإنجيليين صوتوا له بكثافة خلال انتخابات الرئاسة العام الماضي. لكن القسيسين قاطعوه بأنهم ليسوا انجيليين، فسألهم ”ماذا أنتم إذن؟“. ”نحن من الطائفة المشيخية العامة“. بعد الإحراج الأولي، حاول ترامب استدراك الأمر بسؤال آخر: ”لكنكم جميعاً مسيحيون؟“. أكدوا له ذلك. والمفارقة بحسب بوت، أن ترامب ينتمي الى الكنيسة المشيخية.

في القصة الثانية، يسأل ترامب محرري مجلة ”ذي إيكونومست“ الشهيرة عمّا إذا سمعوا بعبارة باللغة الانكليزية تُستخدم للدلالة على سياسات تحفيز الاقتصاد، وترجمتها الحرفية هي ”تجهيز المضخة“. عندما رد المحررون بالإيجاب، إذ أن هذه العبارة مُستخدمة ومنتشرة بين خبراء الاقتصاد منذ ثلاثينات القرن الماضي، ادعى الرئيس الأميركي بأنه لم يسمع بها ولكنه اكتشفها بنفسه قبل يومين!

ثالث قصة رواها بوت، عن الجولة الأخيرة لترامب إلى الشرق الأوسط. بعدما وصل الى اسرائيل من زيارة الى السعودية، أبلغ الرئيس الأميركي المجتمعين به بأنه عاد للتو من الشرق الأوسط. عندها، أشاح السفير الاسرائيلي في الولايات المتحدة رون ديرمر بوجهه بعيداً وغطى فمه لإخفاء ردة فعله.

لكن المضحك أكثر من هذه القصص، أن ترامب أرسل صهره جاريد كوشنر للقاء الرئيس الفلسطيني محمود عباس (أبو مازن) في رام الله بحضور المبعوث الأميركي للشرق الأوسط جيسون غرينبلات. وكوشنر أدى دوراً اسرائيلياً بامتياز، إذ وبّخ عباس لفشله في ادانة اعتداء في القدس أودى بحياة اسرائيلي. ثم نقل الصُهر الرئاسي مطالب رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو من دون تعديل، أي لعب دور طرف في النزاع وليس وسيطاً كما كان من المؤمل. ادارة ترامب فشلت في لعب دور الوسيط.

في سوريا كما فلسطين، تعود سياسة الولايات المتحدة الى وضوحها السابق بعد الغارة الأميركية على مطار الشعيرات شمال البلاد. فباستثناء هذا الغارة، سياسة ترامب في الشرق الأوسط ليست سوى إستكمال لحروب الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما وخياراته، من عمليات القصف الجوي في سوريا والعراق واليمن وأفغانستان، إلى غض النظر عن التوسع الايراني في المشرق.

الرئيس الأميركي ألغى اتفاقي باريس وكوبا، لكنه لم يقترب بعد مما أنجزه أوباما مع ايران، رغم التصعيد في اللهجة مع طهران. وخلال الساعات الماضية، أعلن الكولونيل ريان ديلان الناطق باسم التحالف العسكري بقيادة الولايات المتحدة عدم ممانعتها سيطرة النظام السوري والميليشيات المدعومة ايرانياً، على شرق سوريا إذا كان الهدف قتال تنظيم ”داعش“. ورحب ديلان باحتمال سيطرة النظام على البوكمال لأن واشنطن يهمها قتل تنظيم ”داعش“، لا السيطرة على أراض سورية.

وهذا الالتزام الأميركي بقتل عناصر التنظيم فحسب، أيضاً يؤشر الى انقلاب محتمل على دعم قوات سوريا الديموقراطية بقيادة الأكراد. بيد أن الإعلان التركي عن التزام واشنطن استعادة الأسلحة الأميركية من الأكراد اثر هزيمة ”داعش“، يؤشر في هذا الاتجاه.

يبقى مصدر واحد محتمل لأي تغيير في السياسة الأميركية في الشرق الأوسط: الغباء الرئاسي الذي قد يتحول إلى استراتيجية في أي لحظة.

(*) كاتب لبناني

Author

مقالات ذات صلة

إغلاق