مقالات الرأي

الانتماء ومهدداته

لزمن طويل، وبشيء من ردّة الفعل والعصبوية على فعل قهري من قِبل الآخر المستعمر، عُدّ الانتماء القومي هو السيد الوحيد، ولا سيّما بالنسبة إلى عموم السوريين، وإلى حزب البعث بالتحديد، وبعض الأحزاب القومية، بينما اضمحل الانتماء إلى الوطن السوري الذي نُظر إليه من قِبل أولئك كنقيصة، أو كتعبير عن حالة إقليمية برزت واضحة لدى الحزب القومي السوري، الاجتماعي، ودعواته لوحدة سورية الطبيعية، أو الهلال الخصيب.

السوريون اضطهدوا سوريتهم، وقزّموها درجة الغياب عقودًا، وكان يجب، أو يعتاد، حين يريد السوري أن يُعرّف نفسه بأنه عربي أولًا، أو عربي سوري، ولا يلفظ الاسم في المقدمة كأن يقول: إنه سوري وعربي، أو سوري وحسب، وقد فُرض هذا السائد على الإثنيات غير العربية بكل ما ينجم عن ذلك من مفاعلات سلبية، ومحاولات التمسك بالعرقية.

استمرت الحال هكذا، ولو شكليًا، أو رسميًا، في حين كان المشروع القومي النهضوي يتهاوى، وينهزم، ويتراجع كليًا، بخاصة بعد هزيمة حزيران/ يونيو 1967، وبروز قوى ارتدادية من رحم النظم القومية، قامت بالانقلاب الشامل على جوهر المشروع وخاصياته، وإنْ حافظت على اليافطات لغايات مصلحية، وللغش، في وقت عششت القطرية وترسّمت، وأصبحت الدولة القطرية كيانًا واقعًا يُعزّز الفوارق والتفاوتات بين البلدان العربية، بينما غابت الدعوات القومية والتوحيدية عن جدول الأعمال -وحتى عن التفكير- عند كثيرين، وترسّخت حالة الأمر الواقع. أكثر من ذلك فالدولة القطرية، نتيجة تداخل العوامل الذاتية بتلك الخارجية؛ باتت مهددة في داخلها مجتمعيًا وسياسيًا، وتعيش أزمات كينونة، ووجود؛ ترشح القابلية للانفصال، أو الحروب الأهلية وانبعاث مكونات ما قبل الدولة الوطنية.

تحدّث الكاتب والروائي أمين معلوف عن مجموعة انتماءات للشخص يمكن أن تتواجد دفعة واحدة، تتعايش دون أن تتناقض، أو تتصارع، ولكل منها شيء من الخصوصية والمساحة والتأثير، بدءًا من الأسرة، وحتى داخل أفرادها، إلى الحي، والقرية، والبلدة، والمنطقة، والمدينة فالبلد، ومجموعة البلدان التي قد يعيش فيها ويتعلم لغتها، وقد يحصل على جنسيتها، كما أن الدين والمذهب، والتفرعات الناجمة عنهما يمكن أن تمثل شيئًا من الانتماء.. وصولًا إلى الهوية.

في الواقع الراهن، وأمام:

1 – الفشل في تحقيق أي مشروع نهضوي وحدوي، غابت الوحدة العربية ليس من مشاريع النظم وحسب، بل من تفكير ووعي قطاعات واسعة من الشعوب العربية، بخاصة أجيال الشباب الذين وُلدوا وترعرعوا، في زمن الدولة القطرية القابلة للتفكك.

2 ـ سيادة نظم الاستبداد والأحادية واغتيالها للحريات الديمقراطية الفردية والعامة، وعدم الاكتفاء بتهميش وتغييب المواطن، وسحق حقوقه، بل الدوس عليه، وعلى كرامته، وشخصيته، وشيوع الفساد، والرشوة، ونهب المال العام، واستخدام السلطة وسيلة للثراء، والسطوة، جميعها خلخلت مفاهيم الانتماء، وهزّت من الجذور أعماق المواطن وشعوره بأنه ينتمي إلى وطنٍ يفخر بأنه جزء منه، وأن له قيمة فيه، ومساحة واضحة، وقابلية للتعبير والإبداع.

3 ـ مع ثورات الربيع العربي، وانفجار مخزون القمع والتغييب، والأحادية، خرجت جميع النزوعات من قمقمها: الطبيعية منها وتلك المتصفة بردات الفعل، وأخصّ منها تلك المظاهر التي تحمل مواصفات ما قبل الدولة الوطنية، والتي تهدد الكيانات القائمة بالتفسخ، والتفتيت، ومنها إلى ما يعرف بالوحدة الوطنية. إن حقوق المكونات، أو الأقليات العرقية والقومية بقدر ما هي مشروعة، وطبيعية، تفتح المجال لردات الفعل والغلو التي لا تقتصر عليها، بل تمتدّ إلى نزوعات أخرى يحضر فيها الدين والمذهب، بكل تفرعاته وصراعاته، وحتى العشائرية، والجهوية وعديد من النزوعات التي ولّدها الاحتقان، فالانفجار.

4 ـ إن تعقّد المسألة السورية، واستمرار النزيف الذي يعمم القتل والدمار، واستخدام جميع وسائل الإفناء، والتهجير، والتغيير الديموغرافي، أوجد مناخات “مشروعة” للنزوح، والهجرة، واللجوء بشكل شبه جماعي؛ أدّى إلى خروج ملايين السوريين من أملاكهم وبيوتهم ومناطقهم إلى اللجوء والهجرة، في حين تعاني أغلبية الموجودين في البلاد، ممن هم تحت سيطرة النظام، أو في المناطق التي تتبع للمعارضة، ويلات الموت والحصار والمعاناة والجوع والخوف.

هذه الوقائع هزّت في العمق جذورَ الانتماء، ومعنى الانتساب إلى وطنٍ، اسمه سورية، فضلًا عن قضية العروبة، والانتساب إلى وطن عربي كبير، وبات كثيرون، بخاصة من الشباب، ومن الذين عانوا من فقدان الأهل والأقرباء، ومن الذل والموت البطيء في المعتقلات، وعذابات اللجوء هروبًا، أو حياة اللجوء، والهجرة، باتوا يكفرون بشيء اسمه وطن، وبالعرب والعروبة، وبسورية أيضًا، وينشدون ترتيب أوضاعهم في بيئاتهم الجديدة، والاستقرار فيها. بينما يعاني البعض حالات التمزق في الانتماء، ومنسوب الحنين وتأثيره، ويزيده عذابًا طبيعة العلاقات الأسرية التي كانت والتي تشهد تمزقًا قسريًا، وظلف العيش، ومعاناة اللجوء.

5 ـ يجب الإقرار بأن مفهوم الانتماء إلى بلد واحد بالنسبة إلى ملايين السوريين، بخاصة الذين استوطنوا في البلاد الأوروبية والمهاجر، لم يعد كما كان سابقًا، ويصعب أن يكون أحاديًا، فهناك ازدواجية ستحدث، خاصة بعد استقرار تلك الملايين وحصولها على عمل وجنسية.

إن التركيز على الوطنية السورية كإطار جامع للسوريين بكل مكوناتهم وفئاتهم سيكون ضروريًا للحفاظ على الكيان السوري والوحدة المجتمعية المهدد بكل الأخطار، وفي الوقت نفسه سيترك ذلك أثره الكبير على مضمون الانتماء للوطن العربي، وما يمكن ترجمته من خطاب سياسي وعمل في هذا المجال.

مقالات ذات صلة

إغلاق