قضايا المجتمع

تجفيف ينبوع سورية الإنساني

اعتمد النظام السوري، منذ اللحظة الأولى للثورة السورية، على وقاحة روايته “المؤامرة”، على الرغم من تناثرها المفضوح وتناقضها، وأجاد النظام بماكينة الكذب المفضوح، تارةً عن جغرافيا المدن السورية كمناطق حدودية مع دول الجوار؛ بما يفضي لرواية “سهولة تهريب السلاح واندساس المندسين”، إلى نثر المال والسلاح في الجامع العمري في درعا بطريقة استخباراتية، مرورًا بتصريحات “أرجوزات” النظام من بثينة شعبان ووليد المعلم إلى المستوردين أو المتبرعين من الأبواق للمساعدة بضخ أطنان الكذب فوق جثث السوريين وحطام المدن والقرى، وتارةً أخرى بتقديم شاشة النظام حينذاك لرواية “الاعترافات” للمغرَّر بهم.

ظن البعض حينئذ أن المهزلة المفضوحة قادرة على وأد الثورة ومطالبها الإنسانية بألا يكون الشعب السوري قطيعًا في مزرعة آل الأسد، ولم ينهض بثورته للعودة إلى دولة الخوف ثانية، ولا لتأبيد حكم عصابات تتقاسم بينها الجغرافيا والبشر والثروات، وتضع شريطًا لاصقًا على الأفواه والعقول، بأبواق ونخب يمتهنون تبرير فعل المستبد، وظن هؤلاء أنهم قادرون على تجميل قبح تفجير أدمغة السوريين، وتدمير مدنهم وقراهم.

تناغم، مع وقاحة النظام في الجهة الأخرى، نخبٌ “مثقفة” قومية أو وطنية التسمية، مع تلك الرواية؛ فكتبت من بيروت وعمان أو رام الله والقاهرة، بناءً على معطيات ماكينة الكذب الرسمية لإنكار كل المشهد ووحشيته.

الوسائل البدائية، لمواجهة عسف النظام، كانت هي المتاحة بين المواطنين، تهريب بعض الخبز يقابله عمليات إعدام لمن يقوم بها، معالجة الجرحى تؤدي إلى اعتقال أعداد هائلة من الأطباء والمرضى والجرحى، وكان سؤال البشر في البداية: لماذا انهمرت القذائف على ذاك الحي، فقيل: إن هناك “مشفى ميداني”، أي يُعالج الضحايا بطريقة بدائية لعدم توفر الإسعاف المرجو “فيتوجب تدميره”. وأن توقع على بيان لإدخال حليب إلى درعا فهذا يعني أنك “خائن”، ومحاولة جمع تبرعات لأشخاص متضررين ولمناطق منكوبة “عقوبتها” الاعتقال، ومن ثم الإعدام، ومداهمة مراكز الإغاثة واعتقال من يمد يد المساعدة، والسطو على تلك المراكز موثق مئات المرات، وإقامة الحواجز لنهب كراتين المساعدات، وقصفها بالطائرات، وتهديد القائمين عليها، ولم تكن تلك إلا في سياق واحد، الهدف منه ممارسة سياسة الإذلال للسوريين في كل المناطق.

محاولة تجفيف الينبوع الإنساني للمجتمع السوري كانت من الأهداف الرئيسة لسياسة النظام، وفي سنوات ما قبل الثورة الممتدة إلى أكثر من أربعة عقود، اجتهد النظام في محاولات تحويل المجتمع إلى وحش منزوع المخالب ينهش ذاته، استراتيجية ممنهجة عملَ وفقها النظام، ويصب في سياق ذلك اختطاف وتغييب مئات المعارضين والناشطين في زمن ما قبل الثورة؟ وهي الأسباب نفسها التي تجعل اختطاف مئات الناشطين والإغاثيين والأطباء والفنانين والمبدعين، مع قهر كل الطاقات التي ترى فيها منهجيةُ النظام خطورةً تفوق تلك التي يدّعي محاربتها، إبراز نموذج آخر من عمل إغاثي وإنساني ممنوع وخطر، في عرف الطاغية، وفي عُرفه تحطيمُ أي نموذج سياسي أو اقتصادي أو ثقافي يُخلخل مرتكزاته.

على الرغم من مخاطر العمل في المجالات المذكورة تحت وابل فاشية النظام؛ إلا أنها سجّلت سابقة بإظهار وجهها الإنساني والحضاري الذي حاول النظام طمسه، بفرزه وتصنيفه لطبقات المجتمع ومناطقه، حين أطلق على كل منطقة توصيفات “دونية” حقيرة مستقاة من ثقافة سلطوية، فهذا ديري وإدلبي ودرعاوي، وذاك حمصي وحلبي وشاوي وبدوي وغيرها، كانت صفوة التصنيف لمن ينتمي إلى ثقافته وروايته، حتى كان السؤال: لماذا كانت أولى هتافات الثورة “واحد، واحد، واحد الشعب السوري واحد”؟ لأنها ببساطة فطرته الأساسية التي حاول النظام طمسها.

لنفهم اليوم كيف غُيبت، في الماضي، وجوه المجتمع السوري وقاماته في الاقتصاد والسياسة والفن والثقافة والأدب، لصالح “سحّيجة” و”هتّيفة” الأسد، ولماذا تغيب الآن وجوه المجتمع، ونفهم كيف ينبش السوري اليوم ليعيد قراءة نزار قباني وسعد الله ونوس والماغوط، وأبي خليل القباني ومحمد العابد والأتاسي والقوتلي والعظم والخوري والكواكبي.. لأنه مدرك أن كنس الطغيان يزيل معه التراكم الآسن عن ينبوع سورية الإنساني.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق