تحقيقات وتقارير سياسية

أستانا 5 بإيحاءات خاطئة

تنطلق جولة جديدة من المفاوضات في أستانا، لوضع اللمسات الأخيرة موضع التنفيذ، لما بات يُعرف باسم “مناطق خفض التوتر”، بضمان كل من موسكو وطهران وأنقرة. تشتمل الخطة حكمًا على ضمان التهدئة في حلب وإدلب وحماة واللاذقية، وعلى مناقشة وإقرار نشر قوات عسكرية من الدول الضامنة والمتقاسمة لمناطق النفوذ والسيطرة. كما تعدنا آفاق المحادثات في أستانا 5 بزرع مناطق استثمار محصورة ومحمية ومحصنة بتواجد تلك القوات “لتخفيف التوتر”، بما يضمن أيضًا مصالح العواصم الثلاث الضامنة، إضافة إلى الولايات المتحدة الأميركية.

بغض النظر عما ستؤول إليه جولة المفاوضات الجديدة، فإنها كما أُعلن ستختص بتوزيع القوات المشرفة على مناطق تخفيف التوتر، بما يتطابق ورؤية كل من الدول الثلاث لتلك المناطق.

مكاسب المعارضة المسلحة، من جولات أستانا في نسخها الأربعة الماضية، لا يمكن مقارنتها مع ما أُنجز للدول المفترض أنها ضامنة لتخفيف التوتر، القواعد العسكرية، لموسكو وواشنطن المنتشرة في اتجاهات الجغرافيا السورية الأربعة، قلّصت بشكل كبير مناطقَ السيطرة العسكرية للمعارضة السورية التي تخوض مفاوضات أستانا، أضف إلى ذلك أن مفهوم “الضمان” للاتفاق بالنسبة لأطرافه المتعددة لا يُجمع على مصالح المعارضة المسلحة بالعموم، بقدر ما يعكس الحفاظ على ما تحقق من نفوذ على الأرض، بغض النظر عن استمرار قوات النظام وطائرات موسكو بعمليات القصف المتواصل، وتقدم الميليشيات الداعمة للنظام على أكثر من محور، بهدف توسيع إطار “التفاهم” المزعوم تحقيقه.

رفضت المعارضة المسلحة، في أستانا 4، وجود طهران بصفة ضامن للاتفاق، لكونها طرفًا مشاركًا في العدوان، اليوم طهران بنسخة الاتفاق تنتشر على مناطق تسيطر عليها ميليشيا تتبع لها تمثل حجر الزاوية بالنسبة لها، بمعنى مع استمرار المفاوضات أصبح التسليم بالوجود أمرًا لا مفرّ منه، للقوى المحتلة على الأرض، أميركيًا وروسيًا وإيرانيًا، ولم تعد قيد التفاوض أو على جدول الأعمال مسألة انسحاب تلك القوى، بقدر تثبيتها للمشاركة في “تخفيف التصعيد” نظريًا، وفي الجوهر القبول بحدود مرسومة للنظام وميليشياته، مقابل حصر المعارضة المسلحة في إدلب تحديدًا، مع تصعيد الهجمة على باقي المناطق في ريف دمشق ودرعا والبادية السورية، إضافة إلى استمرار قصف التحالف الدولي لمدن الرقة ودير الزور، من هنا جولات أستانا “تنسجم” مع توازن القوى العسكرية الذي عكسه وجود طهران وموسكو وواشنطن على الأرض.

المساس بجوهر المفاوضات تحقق هدفه، بالنظر إلى بعض “الإيجابيات” التي تفتح الباب لإمكانية التخلص من آثار نجاح الثورة السورية، والانطلاق لمحاصرة تلك الآثار في “تخفيف التوتر” بشروط إيرانية وروسية وتركية وأميركية، لضمان احتواء ما حققه السوريون طوال ستة أعوام، وهو الجوهر لكل الصيغ والمبادرات والشعارات الداعية لحل “الأزمة” السورية حلًا يقال عنه دبلوماسي أو تفاوضي، لكنه إيحاء خاطئ، أرادت فيه الأطراف الداعمة لأستانا أن تعطيه للسوريين من خلال التساهل المستمر لعمليات القتل المستمر التي يقوم بها النظام السوري والأطراف الداعمة له.

الإيحاء القاتل أيضًا في أستانا، أن المعارضة المسلحة التي تقود المفاوضات لديها شهادة مشينة في المناطق التي تسيطر عليها، على الأقل ممارساتها وتقاتلها فيما بينها ليست في مصلحة السوريين وثورتهم، على أن هناك إيحاءات أخرى تكاد تكون مدمرة في إطار عام من تداعيات أستانا أو جنيف بنسخها المتعددة الأرقام، إيحاء يقول للسوريين باحتمال أن يُعيد النظام المجرم أو داعموه النظرَ في المواقف المتعلقة بسلسلة الجرائم والدمار التي تسببت بها فاشية النظام.

بسبب إدراكنا لطبيعة ميزان القوى الذي يقرر نتائج أستانا، فإن ما يُدهش حقًا هو بعض أطراف المعارضة السورية خصوصًا ممن يدعي منهم الوعي، والطلائعية، وطول الخبرة، في اكتشاف ما آلت إليه مراوغات النظام والقوى الدولية والإقليمية المتنصلة من مسؤولياتها.

فالأصل في أستانا أو جنيف، وتاليًا في كل المواقف الدولية هو الانحياز الكامل للنظام المجرم، والعمل على إخضاع السوريين من خلال عمليات القتل والدمار، والواقع أن نظرة سريعة، إلى خريطة الأحداث فوق الجغرافيا السورية، تؤكد إيحاءات مؤلمة يكاد فيها الجوهري لمطلب السوريين أن يكون معدومًا في الخريطة التفاوضية، ودليل ذلك كثير.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق