تحقيقات وتقارير سياسية

تباطؤ الاندفاعة الأولى يسلب “زخم” معركة الرقة

تحولت معركة اقتحام الرقة إلى اشتباكات منفصلة ومتقطعة بين مواقع الطرفين المتحاربين، بعد ثلاثة أسابيع من انطلاقها، وبعد أسبوعين من تحقيق ميليشيا (قسد) تقدمًا مهمًا في الأحياء الطرفية للمدينة، وخاصة من الجهات الغربية والشرقية والجنوبية. ميليشيات (قسد) فقدت الزخم العسكري والسياسي والإعلامي الذي أظهرته في الأيام الأولى من القتال، ويبدو أن المعركة ستستمر طويلًا، إن لم تحدث مفاجآت تغير وجهة الأحداث.

عسكريًا، أشار ناشطون محليون، أمس الجمعة، إلى أن التنظيم يشن هجومًا مُضادًا في ما يبدو على (قوات النخبة) في حي الصناعة الذي سيطرت على أجزاء منه، في الأسبوع الأول من القتال، ويبدو أن الهجوم المزعوم قد أُطلق بتفجير التنظيم سيارةً مفخخة؛ اضطرت مقاتلي (النخبة) -وهم مجموعات تابعة لرئيس الائتلاف الأسبق أحمد عاصي الجربا- إلى الانسحاب باتجاه حي “المشلب” المجاور، حسب المعطيات الأولية.

في هذه الأثناء، بقيت خطوط الجبهة في الجهتين الشمالية والغربية دون تغيرات تُذكر بعد أن كانت ميليشيات (قسد) قد حققتْ اختراقًا كبيرًا في الجهة الجنوبية في ما وراء نهر الفرات، إذ تقدمت في قرى “الغوطة” لتغلق، بشكل شبه كامل، منفذ الانسحاب الأخير المتاح أمام مقاتلي (داعش) الذين كانوا يتسربون منها باتجاه البادية في الجنوب ودير الزور وريفها في الشرق. تحرك (قسد) لإغلاق الجهة الجنوبية للمدينة جاء في ما يبدو استجابة لتهديد جيوسياسي فرضه توغل قوات النظام في الريف الجنوبي؛ فبعد إسقاط الأميركيين طائرة للنظام، بدا واضحًا أن إغلاق الجهة الجنوبية سيحول دون تماسه المباشر مع تنظيم (داعش) في الرقة، وتاليًا دون تدخله في قتال التنظيم في المحافظة التي يبدو أنها ستكون جائزة حصرية يقدمها التحالف الدولي للميليشيات الكردية العاملة تحت اسم “قوات سورية الديمقراطية”.

لكن ثمة مؤشرات أيضًا إلى أن تباطؤ الاندفاعة الأولى لمعركة اقتحام الرقة وطرد تنظيم (داعش) منها قد نجم عن فرط “تمدد استراتيجي” للميليشيات الكردية التي تسيطر على محافظة الحسكة وأكثر من ثلثي محافظة الرقة وأجزاء واسعة من أرياف دير الزور الشمالية والغربية، فيما تعاني عجزًا في العنصر البشري يدفعها إلى تجنيد الأطفال وعناصر سابقين في تنظيم (داعش)، إضافة إلى سيطرة الهواجس الأمنية وفقدان الثقة مع المقاتلين العرب، سواء العاملون منهم في (وحدات حماية الشعب) الكردية أم في مجموعات أخرى تحت مظلة (قسد). الهاجس الأمني تكشف عنه اعتقالات تقوم بها الوحدات بشكل دوري لمقاتلين من الجيش الحر، اضطرتهم موازين القوى الفعلية على الأرض إلى الانخراط في مشروع التحالف وأدواته. آخر هؤلاء كان أحد القادة السابقين في “جبهة ثوار الرقة”، عبد الرحمن شهاب، المعروف بأبي المثنى، وأبو صالح البدوي، وهو أيضًا من مقاتلي “جبهة ثوار الرقة”.

تجنيد عناصر تنظيم (داعش) في صفوف الميليشيات الكردية، في مقابل إقصاء “لواء ثوار الرقة” من القتال واعتقال مقاتليه الذين ارتضوا القتال ضمن مجموعات أخرى تحت مظلة (قسد)، تبدو تكتيكًا سياسيًا مناسبًا لجذب مَن تبقى من عناصر محليين مع التنظيم إلى الضفة الأخرى، لكنه يبدو أيضًا كخيار استراتيجي للميليشيات الكردية وقيادتها في جبال قنديل، لاستقطاب عناصر الثورة المضادة ووجهاء عشائريين من الدرجتين الثانية والثالثة لتشكيل قوة وازنة اجتماعيًا وعسكريًا لتمرير مشروعها السياسي في الجزيرة السورية.

في المقابل، تُظهر جهات دولية أوروبية وأميركية اهتمامًا ملحوظًا، عبر موظفيها العاملين في الشأن السوري بتركيا، في مسألة ترتيبات ما بعد (داعش) في الرقة. الاهتمام هذا يظهر عبر اتصالات جانبية تقوم بها هذه الجهات مع ناشطين محليين تتضمن رؤيتهم للرقة ورأيهم في المجلس المحلي الذي شكله “حزب الاتحاد الديمقراطي” الكردي للرقة وجلب إليه أنصاره وبعض أنصار النظام، إضافة إلى حفنة من الانتهازيين الذين يتعيشون على منح وأعطيات هذا الحزب.

تبدو الرقة ومجتمعها مُقدمةً على تجربة جديدة مرة أخرى. سبق أن كانت الرقة أول مدينة وأول مركز محافظة يخرج بالكامل عن السيطرة الاسمية للنظام السوري، كما كانت أول مدينة تتشكل فيها خلايا تنظيم (داعش) الإرهابي، والأرجح أن تكون أول مركز محافظة تخضع للسلطة الفعلية للميليشيات الكردية بالكامل. في المراحل الثلاث كان المجتمع المحلي للرقة مغيبًا عن الفعل السياسي -إذا استثنينا بضعة أشهر من النشاط أعقبت تحرير الرقة من سلطة النظام وسبقت سيطرة تنظيم (داعش) عليها- عُرضة لعنف وتمزق ودمار شديد في نسيجه وعمرانه وأرزاقه وبناه التحتية الإنتاجية والخدمية. تجربة الرقة فريدة طوال مسار الثورة؛ الأمر الذي يفرض على أبنائها وربما على السوريين عامة أن يستخلصوا من مسار ومصير الرقة ما يلزم فعله في الأيام القادمة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق