مقالات الرأي

حين صارت سورية لا تشبهنا

دعاني أحد الأصدقاء الباحثين، منذ فترة وجيزة، للمساهمة في كتابٍ سوف يصدر قريبًا، يبحث في  الشروخ التي أصابت المجتمع السوري، بفعل السنوات الماضية؛ لن أسترسل في الحديث عن الكتاب وما يحتويه من مادة مهمة، لكن حسبي أن أقول إن هذا الموضوع المعقد والشائك قد يكون بعيدًا كل البعد عن التناول، سواء من قِبل الباحثين المختصين أو من قبل جمعيات المجتمع التي تحمل طابعًا مدنيًا، ولا تتدخل في السياسة من قريب أو بعيد، السبب -بكل تأكيد- هو انصراف الجميع للبحث في الحدث السياسي الذي بات مرضًا مزمنًا، وليس ثمة -على الأقل حاليًا- أي إمكانية للزعم أن “الفرج قريب” كما كنا نؤمّل أنفسنا قبل سنة أو سنتين مثلًا. فلماذا تفكك مجتمعنا السوري بهذه الطريقة الكارثية؟ ولماذا لم يعد مجتمعًا مترابطًا متماسكًا قادرًا ليس على إنتاج حلوله فحسب بل على مداواة جراحه أيضًا، وهي جراح عميقة جدًا بالمناسبة، وتستوجب أعمالًا جبارة لمداواتها مستقبلًا؟ هذان السؤالان العبثيان -وفق منظور الباحثين عن الخلاص النهائي- قد يُشكّلان في هذه المرحلة الحرجة طوقَ نجاة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من بين فكّي النظام المتشبث بالسلطة وقوى الاستبداد الجديدة التي تسعى جاهدة للاستيلاء على السلطة، دون أن يكترث أحدهم بتلك الملايين التي سحقت وتبددت، ولم تعد قادرة على لملمة ذواتها أو معرفة هويتها الحقيقية، بل إن كل حادثة إضافية تزيد من عمق ذلك التشتت، وتحدث شروخًا إضافية، سيكون الزمن كفيلًا بتحويلها إلى صدوع قاسية لا يمكن معالجتها. فعلى سبيل المثال، ما حدث مؤخرًا من تشقق إثر وفاة وزير الدفاع السوري الأسبق العماد مصطفى طلاس، أو حتى خلال متابعة مباراة يكون أحد طرفيها منتخب سورية الذي يحمل علم نظام دمشق، ومن هذه النقطة، أقصد العلم، بدأت حالة الانقسام في المجتمع السوري ما بين مؤيد يمكن تمييزه بعلم سورية المعترف به دوليًا، وما بين معارض أو ثائر يميزه علم الاستقلال الذي حمله الثوار في الساحات، بعد انقضاء أشهر من عمر الثورة، وقد انعكس هذا الخلل في البنية على مناحي الحياة كلها، ولم يعد مقتصرًا على المتعصبين من الطرفين لوجهة نظرهم، صار بإمكاننا أن نميز سوريتَين، ودون أن نستطرد أكثر لنتحدث عن ثلاث سوريات وأربع لاحقًا، إلا أن التوقف عند تلك النقطة يبدو ملحًا حاليًا، قبل فوات الأوان بشكل نهائي على الأقل، والالتفات إلى عمل اجتماعي منظم بعيد عن نظام أو معارضة، لا يحمل أيًا من العلَمَين ولا الأعلام الوافدة لاحقًا، يبحث في أسس المجتمع السوري الذي لم ينشأ بمحض الصدفة ولا نتيجة حدث استثنائي، بل تشكل على مدار مئات السنين حتى خرج على العالم بصيغته التي كان يعرف عليها قبل اندلاع الثورة، مجتمع خاص كان يحوي، بكل تأكيد، كثيرًا من الخلل، إلا أنه استطاع أن يخطو بالمقابل خطوات واسعة لتطوير بناه، دون أن نُسقط من حساباتنا التي قد تبدو معقدة، التأثيرَ السلبي الذي خلفته السلطة الأمنية على ذلك المجتمع، والإفساد الذي استمر عقودًا، ونحصد نتائجه المريرة اليوم، وسنحصدها مستقبلًا بكل تأكيد.

يتعايش في مناطق سيطرة النظام مؤيدون متعصبون، ومعارضون مستترون، فر معظمهم من مناطق وقعت تحت سيطرة فصائل متطرفة، لكنهم لا يستطيعون التصريح بمعارضتهم كيلا يعرّضوا أنفسهم للخطر، اعتقالًا أو اغتيالًا، وهم لا يريدون لأبنائهم أن يخرجوا عن طريق الثورة لذلك فقد شكلوا في منازلهم خلايا معارضة صامتة، لكنها قادرة على التعايش مع واقعها، والتأقلم مع محيطها الذي تكرهه، وفيما يتباهى الموالون أو المؤيدون بتأييدهم ويلوحون بعلمهم، ينكفئ المعارضون على ذواتهم، ولا يستطيعون انتقاد أي مظهر من مظاهر استبداد السلطة، أيًا يكن شأنهم الاجتماعي أو عملهم، هذا النوع من التعايش الإجباري قد لا يكون موجودًا في أي مكان آخر في العالم، وهو كفيل بتفكيك تلك البنية التي باتت الآن هشة أكثر فأكثر، وإن بدت ظاهريًا متماسكة وقوية، ويخشى، في ظل غياب دولة حقيقية، كما هو الحال مع نظام دمشق، وفي ظل الاستفزاز المتواصل من قبل قوى استجلبت للدفاع عن النظام؛ فتحولت إلى قوات احتلال لها شروطها وأجنداتها، أن يقع لاحقًا صدام من نوع لم يكن متوقعًا على الإطلاق، سيؤدي بالضرورة إلى زيادة ذلك التفكيك الحاصل في بنية المجتمع السوري، ولن يعود بإمكاننا -مهما حاولنا- الحديثُ عن مجتمع سوري بل عن مجتمعات سورية بديلة، سيبحث كل منها بطريقة أو بأخرى عن الاستقلال عن المجتمعات التي بات يعدّها معادية وتشكل خطرًا على وجوده.

ينسحب هذا المثل السريع على الكثير من المناطق السورية التي أميل إلى تسميتها “السوريات المؤجلة”، وكنت اقترحت في مقالة سابقة اعتبار كل منها كيانًا مستقلًا، لأن هذا هو واقع الحال للأسف، إذ إن التحاق الكثير من أبناء تلك المناطق بتنظيم (داعش)، طوعًا أو كراهية، على سبيل المثال؛ أدى إلى تحول أولئك إلى أعداء للشعب، لأنهم حملوا سيف سلطة الأمر الواقع وضربوا به واستعدَوا مجتمعاتهم المحلية عليهم، وسنبدأ بملاحظة ذلك تباعًا مع بدء الأعمال الانتقامية التي لن تلبث أن تكون لها نتائج مستقبلية مؤلمة على بنى تلك المجتمعات الصغيرة. وأعتقد أن ما حدث -وسوف يحدث- في مدينة الموصل العراقية سيقدم لنا مثالًا حيًا عما سيحدث في محافظات الرقة ودير الزور فيما بعد.

دعوني ختامًا أستعير الشعار الذي تستخدمه صحيفة (جيرون): “سوريا التي تشبهنا”، لأتساءل هل سورية التي نراها اليومَ تشبهُنا في شيء، أو تشبه أحلامنا؟.

مقالات ذات صلة

إغلاق