مقالات الرأي

اتجاهات تفكير النخبة الإسرائيلية

ما يزال مؤتمر هرتزليا، منذ انعقاد دورته الأولى عام 2000، يستقطب اهتمامًا واسعًا لدى مختلف الأوساط الإقليمية والدولية المتابعة للشأن الإسرائيلي؛ وينبع هذا الاهتمام المتزايد من واقع أنّ المؤتمر يمثل التئامًا لـ “العقل الجماعي الاستراتيجي المفكر” لـ (إسرائيل). ويركز المؤتمر عادة على “التهديدات والمخاطر” التي تواجه (إسرائيل)، ومن ثم التصورات والتوصيات التي تُوضع في أيدي أصحاب القرار، لمواجهة تلك المخاطر والتهديدات.

باستعراض مكثف لما طرحته مؤتمرات هرتزليا السابقة، تتضح أهمية هذه المؤتمرات لـ (إسرائيل)، في التخطيط لاستراتيجيتها وتكتيكاتها السياسية. في عام 2002 طُرح التخطيط لإقامة دولة فلسطينية في غزة وجزء من سيناء، وفي عام 2003 طرحت مقايضة جزء من الأراضي الزراعية في منطقة الأغوار الأردنية، ومن شمال سيناء المصرية، لتوطين اللاجئين الفلسطينيين فيها، مقابل نقل أجزاء من النقب الغربي إلى قطاع غزة، و100 كيلومتر مربع، من جنوب البحر الميت إلى الأردن. وفي عام 2004 تم التأكيد على إنشاء الدولة الفلسطينية في سيناء.

في مؤتمر عام 2016 جرى التأكيد على تسخير منصته لإطلاق ودفع مشروع “سيناء كوطن بديل للفلسطينيين”، وتكوين هوية إسرائيلية عالمية مشتركة، ودمج العناصر الأربعة في المجتمع: العلمانيين، اليهودية الحديثة، اليهودية المتشددة، والعرب. بحيث تتكون شراكة مجتمعية قائمة على بناء الهوية الإسرائيلية، لدعم مفهوم الوطن القومي، وتأكيد التحالف مع الدول العربية المعتدلة لمكافحة الإرهاب.

لقد انعقد مؤتمر هرتزليا السابع عشر، في الفترة ما بين 19 و22 حزيران/ يونيو الماضي، وتطرقت تقارير المؤتمر إلى القضايا والعناوين المهمة والتوقعات، خلال العام الجديد في الأطر الفلسطينية والإقليمية والداخلية الإسرائيلية. وقد أطلق “مركز الدراسات متعددة المجالات” و”مؤسسة الدبلوماسية والدراسات الاستراتيجية” أعمالَ المؤتمر لبحث “ميزان الحصانة القومية واستراتيجيات الحكم والأمن في (إسرائيل)”، إذ تزامن انعقاده مع أجواء سياسية وأمنية ضبابية تسود المنطقة.

في كل سنة يحظى استعراض رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية، هرتسي هليفي، بأهمية كبرى، لما يتناوله من تقويم للوضع الأمني في المنطقة، حيث إنه يحدد، في كل مرة، التحديات الاستراتيجية والتقديرات الاستخباراتية تحديدًا مثيرًا؛ فيفرض أجندة المؤتمر. في هذه السنة جعل الصراعَ في منطقة الشرق الأوسط، ليس فقط مهمًّا أمنيًّا بالنسبة لـ (إسرائيل)، وإنما وضعه في مركز اهتمامات العالم كله. وبرأيه، فإن المنطقة اليوم تتصدر اهتمامات العالم بأسره؛ فـ “الصراع الذي تشهده يجلب حواراتٍ بين القوى العظمى، من شأنها أن تنعكس على بقية دول العالم. والخطر، في مجمل هذا الصراع، هو الأسلحة المتطورة والتنظيمات التي تسيطر على الوضع، وهي بالتالي تشكل خطرًا كبيرًا على (إسرائيل)، وتستدعي خطة استراتيجية حاسمة وواضحة لمواجهته”. وفي الجانب الأمني يرى أن الوضع كما هو عليه لا يفرض تحسّبًا لحرب قريبة، إلا أن كثرة اللاعبين وتعزيز قدراتهم قد تجلب تدهورًا لا يريده أي طرف. أما بالنسبة لسورية و(داعش)، فقد جاء ذكرهما، بشكل عابر، في نهاية استعراضه للوضع قائلًا: “تنظيم (داعش) في سورية يتقلص والنظام يستقر، ولكن انتهاء الأزمة لن يكون قريبًا، وأي تسوية ستتم فقط باتفاق مع الدول العظمى”.

وفي استعراضه للصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، بحث وزير الدفاع ليبرمان في الربح المالي قبل الاستقرار السياسي، وبرأيه فإن التسوية الإقليمية هي مفتاح أزمة الشرق الأوسط، ومثل هذه التسوية ستدخل سنويًا لـ (إسرائيل) 45 مليار دولار، ويقول إنه لا يمكن تحقيق السلام إلا من خلال تسوية إقليمية مع الدول السنّية المعتدلة؛ ومن ثم التوصل إلى اتفاق مع الفلسطينيين.

وبحسب ليبرمان فإن (إسرائيل) تنشط في الشمال، وكأنه يوجد هناك قنبلة موقوتة على وشك الانفجار ويُعمَل من أجل إحباطها، وبرأيه فإن إطلاق النار على أهداف إسرائيلية أو تهريب أسلحة إلى (حزب الله) عاملان من شأنهما إشعال المنطقة. ودعا ليبرمان إلى “العمل والاستعداد لضمان الحسم والانتصار، في أي مواجهة مستقبلية، كما حصل قبل خمسين عامًا، ليكون النصر الثاني بعد حرب عام 1967، حين حسمت (إسرائيل) المعركة في غضون ستة أيام”.

وفي المعيار السياسي تناول المؤتمر انعكاسَ سياسة الحكومة ورئيسها على وضع (إسرائيل)، فرئيسة حزب (ميرتس) زهافا غلئون، رأت أن الوضع الحالي يتطلب البحث والرد على الأسئلة المطروحة أمام (إسرائيل)، وفي مركزها كيف تتوجه (إسرائيل) لحل الترتيبات الأمنية، الحدود الدائمة، المياه والاقتصاد. ووصفت نتنياهو بالضعيف والمتلعثم، ويشكل خطرًا على (إسرائيل) لما يتخذه من قرارات يتم بموجبها سرقة الأراضي الفلسطينية. واستعرضت الإجراءات والقرارات التي اتخذت بضغط وسيطرة المستوطنين على الحكومة، وقالت: “ثماني سنوات مرت على خطاب (بار-إيلان)، وما زلنا ننتظر حل الدولتين الذي تحدث عنه نتنياهو. خطابه كان كاذبًا، تمامًا كما كذب حول قراراته بالمصادقة على البناء في قلقيلية، وعندما يكذب رئيس الحكومة في القضايا المركزية التي تتصدر أجندة الأبحاث الإسرائيلية، يصبح هذا الأمر مصدر قلق كبيرًا”.

في الاتجاه ذاته، تحدث رئيس حزب (يوجد مستقبل) يئير ليبيد، فوجّه سهامه تجاه نتنياهو وسياسته، وتطرق إلى المعارك التي قادها ضدَّ الصحافيين والمحكمة العليا واليسار، ومعركته ضد وزير الدفاع السابق، موشيه يعالون، والجيش. وحذر من سياسته التي جعلت التطرف أمرًا مركزيًا في الحكومة ولغة خطابها التي تهدف بالأساس إلى إخفاء حقيقة عدم وجود أي خطة أو رؤية لهذه الحكومة. وبرأيه، إن ما لم يستطع نتنياهو فعله، خلال أربع دورات له في الحكومة، لا يمكنه فعله اليوم.

وهكذا، منذ انعقاده الأول يناقش مؤتمر هرتزليا المستجدات والتحديات والطرق الأجدى للتعاطي معها، ويطّلع على ما تم تنفيذه من مقترحاته السابقة، والأسباب التي أعاقت التنفيذ، فهو -والحال هذه- مجلسٌ لحكماء (إسرائيل). والسؤال هو: متى يكون للعرب مجلس حكماء، يوصّف حالهم، ويحدّد أهدافهم الواقعية، ويرسم الخطط لإدارة مواردهم الاقتصادية والبشرية بعقلانية ذات جدوى، تساعدهم على تحقيق بعض أهدافهم أو -على الأقل- تقلل من حجم خسائرهم؟.

مقالات ذات صلة

إغلاق