تحقيقات وتقارير سياسية

الأطماع الصهيونية في الجولان

العقيدة الصهيونية في جوهرها هي سياسة استعمار استيطاني إحلالي، تقوم على احتلال أراضي العرب وتطهيرها من سكانها الأصلين وتشييد المستوطنات واستدعاء المستوطنين اليهود وتوطينهم فيها. وغالبًا ما تقترن الأفعال والممارسات الصهيونية بتغيير المشهد في الأراضي التي تحتلها، فتقدم على تدمير الحيز المكاني والسكني بحيث يصعب مع مرور السنين التعرف على الأماكن المدمرة، سواء كانت مدنًا أو قرى أو أي معالم أخرى، وذلك على غرار ما حدث في فلسطين في 1948 وفي الجولان في 1967. ويقر قادة المنظمة الصهيونية و”إسرائيل” بتدميرهم للقرى في فلسطين، إذ أعلن موشي دايان في خطابه أمام طلبة التخنيون (المعهد الإسرائيلي للتكنولوجبا) في حيفا عام 1969 أن القرى اليهودية شيدت على أنقاض القرى العربية. وقال مخاطبًا الطلبة: “إنكم لا تستطيعون حتى معرفة أسماء هذه القرى، وأنا لا ألومكم لأن كتب الجغرافيا لم تعد موجودة، ليس الكتب فقط لم تعد موجودة، القرى العربية ليست قائمة أيضًا” (جريدة هأرتس الإسرائيلية، 4 نيسان/ أبريل 1969).

أوْلى قادة المنظمة الصهيونية الأوائل أهمية خاصة للجولان، إذ كان دائمًا في صلب مخططاتهم نظرًا لأنه غني بالمياه، وخصب الأراضي، فضلًا عن موقعه المميز. ويقع الجولان في جنوب غرب سورية، وهو بمنزلة نقطة عبور بين أقطار بلاد الشام (فلسطين، سورية، لبنان، الأردن). فمن الشمال يحده لبنان، ومن الغرب فلسطين وغور الأردن، ومن الجنوب الأردن ووادي اليرموك. وللجولان أهمية استراتيجية بحكم موقعه المميز وتنوع تضاريسه، إذ يشرف الجولان على مناطق جنوب لبنان والجليل وسهل الحولة وطبريا وشمال غور الاردن، وينخفض إلى ما يزيد عن 200 م تحت سطح البحر، في منطقة البطيحة الواقعة في الجنوب على ضفاف بحيرة طبريا، ويرتفع إلى 2814 م فوق سطح البحر، وهي أعلى قمة في جبل الشيخ (حرمون).

يتميز الجولان بوفرة مصادر المياه كالأنهار والينابيع التي تجري باستمرار، إضافة إلى المياه الجوفية؛ ويعود ذلك إلى سقوط كميات وفيرة من الأمطار، تزداد غزارتها وتتحول إلى ثلوج كلما اتجهنا شمالًا باتجاه منطقة جبل الشيخ، ويراوح متوسط كميات الهطل في جنوب الجولان بين 400 – 600 مم، وفي الوسط بين 700 – 900 مم، وعند سفوح جبل الشيخ 1000 – 1300 مم، وتزيد عن 1500 مم على قمم جبل الشيخ التي تغطيها الثلوج معظم أيام السنة.

تشهد الأحداث بعد عام 1948 على سعي قادة “إسرائيل” لتحقيق السياسات التوسعية التي وضعها القادة المؤسسون للحركة الصهيونية، إذ كانت القوات الإسرائيلية تخرق اتفاقيات الهدنة الموقعة مع سورية في 20 تموز/ يوليو 1949، وتعتدي على المناطق المجردة من السلاح. وفي المحصلة، تمكنت القوات الإسرائيلية من احتلال الجولان في حرب حزيران/ يونيو 1967. وقد انتهجت قوات الاحتلال سياسة تطهير عرقي واسعة النطاق بحق سكانه السوريين، فهجرت نحو 131000 شخص بشكل قسري وحظرت عودتهم إلى أماكن سكناهم، وقامت لاحقًا بتدمير 340 قرية ومزرعة كان يقطنها السوريون الذين شُرّدوا، وشيدت على أنقاضها 34 مستوطنة غير شرعية (يقيم فيها اليوم نحو 23000 مستوطن). وقد بقيت في الجولان المحتل خمس قرى سورية، تقع على سفوح جبل الشيخ في أقصى شمالي الجولان، ويقطنها نحو 25000 مواطن سوري. ووفقًا للمعطيات المتوفرة عام 2008، فإن عدد السوريين الذين هجرتهم سلطة الاحتلال من الجولان يفوق 000. 400شخص (مركز رصد النزوح الداخلي، سورية: قد مرّ أربعون عامًا، وهنالك أناس قد شردوا من الجولان ما زالوا ينتظرون – 2008).

بالرغم من مرور خمسين عامًا على احتلال الجولان خلال حرب 1967، ما زالت مراكز القرار في “إسرائيل” تنفي وجود أي أطماع أو خطط لاحتلال الجولان. ويبقى السؤال: هل كان لدى المنظمة الصهيونية أي تطلع في السيطرة على الجولان، وما أهمية هذا الإقليم بالنسبة لها؟

كانت مناطق الجولان وحوران وجنوب لبنان في صلب اهتمام المؤسسين الأوائل للحركة الصهيونية، إذ لم يخف زعماء هذه الحركة مطالباتهم بجعل الجولان ضمن حدود الدولة العبرية التي كانوا يخططون لإنشائها في فلسطين قبل الانتداب البريطاني. وما إن وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها حتى بدأ قادة المنظمة للصهيونية بالتعبير في العلن عن ضرورة جعل الجولان ضمن حدود هذه الدولة، بدعوى أنه حيوي لاستمرار هذه الدولة وتطورها.

تثبت وثائق المنظمة الصهيونية عدم صحة الادعاءات حول عدم وجود نوايا لدى القادة الإسرائيليين باحتلال الجولان، إذ إن الزعيم الصهيوني حاييم وايزمن كان قد بذل بين 1918 – 1920 جهودًا حثيثة لإقناع حكومة بريطانيا بإدراج مناطق حوران والجولان الواقعة إلى الشمال من فلسطين ضمن دائرة نفوذها إبان المفاوضات مع حكومة فرنسا حول تقاسم السيطرة على المنطقة، بحيث تصبح لاحقًا ضمن حدود دولة اليهود. كما بعث قادة المنظمة الصهيونية في شباط/ فبراير 1919 كتابًا للمجلس الأعلى لمؤتمر السلام المنعقد في باريس، طالبوا فيه أن يكون الجولان وحوران وشرقي الأردن وجبل الشيخ ضمن حدود الدولة العبرية، لكونها مناطق خصبة وغنية بالمياه (آفي غولان، ياحس منهيجوت هيشوف لرخيشات كركعوت بغولان أو بحورون 1918 – 1949 – دور قيادة المجتمع: الاستحواذ على الأراضي والاستيطان في الجولان وحوران 1918 – 1949 قسم دراسات أرض إسرائيل، جامعة بار إيلان، تل أبيب).

كان القادة الصهاينة يخططون لاستيعاب معظم يهود العالم ضمن نطاق الدولة العبرية، حيث أشار أهارون أهرونسون في تقييماته إلى أنه لكي تتمكن الدولة العبرية المستقبلية من حكم نفسها بنفسها وحماية حدودها بعد انقضاء الانتداب البريطاني على فلسطين، يتعين أن تزيد مساحتها عن 40 ألف كم2 بحيث تكفي لاستيعاب ما يزيد عن 13 مليون يهودي من كافة أرجاء العالم، وأن تسيطر على مصادر المياه الغنية في الشمال، بحيث يدخل ضمن حدودها جبل الشيخ/ حرمون، نهر اليرموك، كافة منابع أنهار الجولان التي تصب في بحيرة طبريا (أهارون أهرونسون: خبير صهيوني متخصص في جغرافية فلسطين “أرض إسرائيل”). كما خاطب الزعماء المؤسسون للمنظمة الصهيونية حكومات بريطانيا وعدد من الدول الكبرى آنذاك لحثهم على القبول بضم الجولان وحوران وشرقي الأردن إلى هذه الدولة، لتكون قاعدة اقتصادية واحتياطي أراض خصبة لأغراض الاستيطان.

لكن مطالب المنظمة الصهيونية لم تلق استجابة من قبل هذه الحكومات، حيث وقعت بريطانيا وفرنسا في كانون الأول/ ديسمبر 1920 اتفاقية (سايكس–بيكو) لترسيم حدود نفوذهما، وأدرجت مناطق الجولان وحوران وجبل الشيخ والليطاني ضمن حدود الانتداب الفرنسي على سورية ولبنان. وقد أبدى حاييم وايزمن امتعاضًا شديدًا من هذه الخطوة، ورفض الاعتراف بالحدود التي أقرتها الاتفاقية بين فرنسا وبريطانيا لعدم مراعاتها مطلب ضم الجولان وحوران ومناطق أخرى محيطة بفلسطين إلى الدولة العبرية المستقبلية. كما أعلن أن الصهيونيين لن يقبلوا تحت أي ظرف بخط (سايكس–بيكو) حتى كأساس للتفاوض، لأن هذا الخط، لا يقسم فلسطين ويقتطع منها منابع المياه التي تزود نهر الأردن والليطاني فحسب، وإنما يحرم “الوطن القومي لليهود” بعض أجود حقول الاستيطان في حوران والجولان، والتي يعتمد عليها إلى حد كبير نجاحُ المشروع الصهيوني بأسره. وأرسل وايزمن عام 1920 إلى لويس براندس زعيم المنظمة الصهيونية في أميركا برقية يطلب منه بموجبها التواصل مع حكومة الولايات المتحدة للضغط على حكومة بريطانيا للتسليم بين فرنسا وبريطانيا أن ضم مفارق مياه الليطاني وجبل الشيخ/ حرمون وسهل حوران والجولان وحوران هي مصلحة حيوية لدولة اليهود (نزيه بريك، دراسة حول العلاقة بين الاحتلال ومصادر المياه، 2012، آفي غولان، المصدر نفسه).

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق