تحقيقات وتقارير سياسية

الأقليات وسؤال المواطنة

عندما تفقد كتلةٌ ما مركزَ توازنها لحدث أو صدمة، ينزاح مركز توازنها عن مكانه، وهذا فعل فيزيائي طبيعي، لكن أن تبدأ مراكز توازن جديدة بالتشكل، فهذا ما له من معنى فوق التهشيم وفوق الصدمة؟ وإن كانت مقاربة السياسة بالعلوم هي مقاربة جلفة وقاسية أحيانًا، إلا أنها مقاربة ذات دلالة معرفية في المعنى ونظرية العلوم الحديثة التي باتت تأخذ مكانًا وحيزًا كبيرًا في نظرية المعرفة، من حيث بُعدَي القياس والمحاكاة، فالقياس يكمن في الضرورات المعرفية لكشف العماء عن مكنونات الواقع وعوالمه الدقيقة، والمحاكاة هي طريقة ترميز المعطيات الواقعية بغية حل مسائلها المعقدة وتوظيفها لمصلحة الإنسان.

انزياح المسألة السورية عن موضوعة المواطنة والحقوق المدنية ودولة القانون، في مقابل الدولة الشمولية ومجتمع الإثنيات والأقليات وهدر الحقوق المدنية، هو أصل هذا الثورة إلى اليوم.. الثورة المستنزفة من عدة بوابات مشرعة على تصعيد العنف للانهاية والقتل والتهجير الممنهجَين والتغيير الديموغرافي، وليس هذا فحسب بل على ذهنية الالتجاء والاستخدام والاستثمار فيها. وما تبع ذلك، من شروخ عميقة في مكونات الشعب السوري من “ترهيب” الثورة ودعاية حماية الأقليات والديمقراطية المزيفة، هو أصل الحكاية، و”الحكاية حكاية بلد”.

ليس مستغربًا أن تتوالى المؤتمرات والورشات واللقاءات (الأكاديمية، والبحثية) في شؤون السوريين، فباب الاجتهاد المفتوح على مصراعيه لم يبق محاولة إلا وبحثت في الحل أو الحلول السورية، حل سياسي مربع الأطراف ومسدس الحواف في جنيف، وعسكري مخمس النقاط في أستانا، وحلول غير منتهية في الورشات والأبحاث والمؤتمرات، حيث لا مجال للإقصاء ولا للتهميش ما دامت المسألة السورية تنزاح بيد السوريين أنفسهم عن نقطة توازنها الأصل، وهو الوطنية السورية لا قبل ولا بعد.

في الفترة ما بين 15 و17 نيسان/ أبريل من هذا العام عُقد مؤتمر “بحثي” في تجميع أكبر قدر ممكن من “الديموقراطيين السوريين” في جنيف، فيما سمي المؤتمر الوطني الديمقراطي الذي أُتي بباطنية سياسية من نوع الاستبطان، لما ترمي له السياسة الأميركية، وهنا لبّ “البحث” العلمي الذي أشار إليه بيانه الختامي بوضوح لـ “مسؤولية المجتمع الدولي في أن ينظر بموضوعية إلى واقع تنوع مكونات المجتمع السوري، والدور الرئيس للتيارات الديمقراطية في تحقيق تطلعات الشعب السوري في الحرية والعدالة والتقدم ومساهمته الفعالة في توطيد السلم والاستقرار في المنطقة والعالم”!! ولم تكد مفاعيله البحثية تنتهي عند هذا الحد، حتى يعلن مؤتمر آخر عن الأقليات عن اشتغاله المضنى والبحثي أيضًا في الحل السوري أيضًا! ففي الفترة ما بين 27 و30 أيار/ مايو المنصرم، ونقلًا عن صفحة (رابطة المستقلين الكرد السوريين) في أواخر حزيران/ يونيو الحالي، نُشر نص ما سمته الصفحة “الوثيقة الموقعة بين المجلس الوطني الكردي وبين الأقليات السورية في لقاء إسطنبول 27 أيار/ مايو الماضي” وما إن نشرت الصفحة نصَّ هذه الوثيقة “البحثية” أيضًا حتى انبرى العديد من المشاركين فيها لإعلان البراءة من الورشة والتنصل مما جاء في متنها، على أنها لم تكن ميثاقًا ولا وثيقة بقدر ما هي ورشة “بحثية” في الواقع السوري ومستقبل الأقليات فيه! وفي شكل الدولة السورية اتحادية أو مركزية! برلمانية أو نصف دستورية! “ﺍﻟﺤﻔﺎﻅ ﻋﻠﻰ ﻭﺣﺪﺓ ﺍﻷ‌ﺭﺍﺿﻲ ﺍﻟﺴﻮﺭﻳﺔ، ﻭﺿﻤﺎﻥ ﺫﻟﻚ ﻋﺒﺮ ﺗﺤﻘﻴﻖ ﻣﺸﺎﺭﻛﺔ ﻣﺘﺴﺎﻭﻳﺔ ﻟﺠﻤﻴﻊ ﺍﻟﻤﻜﻮﻧﺎﺕ ﻭﺍﻟﻔﺌﺎﺕ ﺍﻟﺴﻮﺭﻳﺔ” الفقرة السابعة منه مثلًا التي سجلت تحفظًا عليها، حسب النص المسند، من قبل ممثلين عن التركمان وعن الدروز، ولم تتوقف الورشة البحثية عند شكل الحكم والإدارة الذاتية والسلطة الدستورية العليا وغيرها، بل طال البحث الغرفَ البرلمانية واللغة واللغة الرديف وحصص المشاركة وغيره إلى الفقرات من 18 إلى 20 التي نصت: “ﺇﻋﺎﺩﺓ ﺗﺮﺳﻴﻢ ﺣﺪﻭﺩ ﺍﻹ‌ﺩﺍﺭﻳﺔ ﻟﻸ‌ﻗﺎﻟﻴﻢ ﻣﻊ ﺃﺧﺬ ﺍﻟﺘﻮﺯﻉ ﺍلإﺛﻨﻲ ﻭﺍﻟﺪﻳﻨﻲ ﻭﺍﻟﻠﻐﻮﻱ ﺑالحسبان، وﻛﻞ ﺇﻗﻠﻴﻢ ﻟﻪ ﺩﺳﺘﻮﺭﻩ ﺍﻟﺨﺎﺹ ﻭﺳﻠﻄﺎﺗﻪ ﺍﻟﺨﺎﺻﺔ ﺑﻪ، وﺗﺘﻤﺘﻊ ﺍﻷ‌ﻗﻠﻴﺎﺕ، ﺑﻐﺾ ﺍﻟﻨﻈﺮ ﻋﻦ ﻣﻜﺎﻥ ﺗﻮﺍﺟﺪﻫﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﺪﻭﻟﺔ ﺍﻟﺴﻮﺭﻳﺔ، ﺑﺤﻖ ﺗﻘﺮﻳﺮ ﻣﺼﻴﺮﻫﺎ ﺍﻟﺜﻘﺎﻓﻲ ﺑﻨﻔﺴﻬﺎ”، إلى حماية الأقليات وفق القانون الدولي لحماية لأقليات أيضًا!

يورغن هابرماس، في “أتيقا الحوار”، وفي ملاحظة حول ثقافة الأقليات في صراعها مع ثقافة الأكثرية المهيمنة يقول: “في حالات خاصة يمكننا أن نوسع من حاضنة الحقوق المدنية حتى نتمكن من تلقيحها بالحقوق الثقافية، فهذه الحقوق تسمح للمواطنين جميعهم، بمساواة تامة، بالولوج إلى إرث ما، والانتماء إلى جماعة ثقافية معينة، تمكنهم من اختيار هويتهم وإرسائها بكل حرية. هذه الخطوة توسع من إمكانات الولوج إلى محيط ثقافي معين مع أن هذا الأنموذج يحمل في ذاته خطرًا فعليًا بتشذير المجتمع وتفرقه، والطريقة لوحيدة المثلى التي يمكن من خلالها اتقاء هذا الخطر هي التأكد من أن كل المواطنين قد انصهروا داخل ثقافة سياسية واحدة ووحيدة، وذلك بمعزل عن الحدود الفاصلة بين انتماءاتهم الثقافية المختلفة”، فحيث إن الأقليات والأكثريات في هذا المضمار سواء كانت دينية أو سياسية عليها التأكد من ولوجها في ثقافة سياسية واحدة ووحيدة هي المواطنة، وهو ما كان يجب البحث فيه بالمبدأ في أية ورشة حوارية سورية، لتبقى امكانية توسيع الحقوق المدنية على أساسها قابلة للنقاش في اتجاه الحقوق الثقافية هو نقطة استهداف في ترسيخ العقد الاجتماعي وصونه دستوريًا في مستقبل الدولة. وتبقى موضوعة الحقوق السياسية بين أقلية وأكثرية هو موضوع تحالفات سياسية قابلة للتغير في مناخ ديمقراطي يتيح الاختلاف والتنوع كما التحالفات السياسية، لا أن يكون استباقًا مغروضًا لا يشي إلا بالاستفادة من المتغيرات الدولية الذاهبة باتجاه “ترهيب” الأكثرية السنية الغائبة كليًا عن المشاركة أو الذكر، في مؤتمر كهذا بطريقة استثمارية فجة لا تقل خطورة عن المؤتمر الوطني الديمقراطي الذي يريد للمجتمع الدولي البحث في القوى الديمقراطية في سورية كما أشرنا أعلاه.

الكثرة بالمعنى تكافئ موضوعيًا التقليل منه، حسب قول المثل الشعبي “كل شي زاد بالمعنى نقص”؛ فهذا الإفراط في شأن الديمقراطية التي يسعى السوريون لها، ودفعوا الملايين من أجلها بين قتيل ومشرد ومهجر، والحقوق المدنية الموسعة لحقوق ثقافية تقوم على التنوع والاختلاف هي مضمون التفاهمات السورية على عقدهم المجتمعي البديل عن الانصهار في “صبّة” واحدة من الثقافة البعثية القومجية الممانعة والمقاومة وكل ما عداها خائن، هي ثقافة المجتمع المدني التي هدمت، وتهدم سلطة النظام كل مقوماته، وليس فقط، بل تضرب في وجوده الأهلي والشعبي كل أشكال التفرقة والعنصرية والطائفية بحجة حماية الديمقراطية ومحاربة الإرهاب! ألم تزد هذه المغالطات السياسية الفجة مأساةَ السوريين؟ أم ما زال هناك متسع من الوقت لكسب مواقع ومنابر عدة، تمهد لتسوية هنا ومغالطة هناك ومفارقة بين هذا وذاك؟ وهل كان من الضرورة بمكان أن تنشر احدى الصفحات التي وُصفت بالمغرضة، وثائق هكذا ورشة بعد شهر من انعقادها بما فيها من أخطاء معرفية وسياسية، ما عدا اللغوية التي أُحيلت للمترجم الألماني، أو للغوية الكردية غير المتقنة العربية، حتى يبادر المشاركون فيها إلى إعلان تبرئتهم منها؟!

في ثورة لم تنجز مهماتها السياسية بعد، وهي غير متبلورة نظريًا وفكريًا لليوم، مناخ كهذا من الأسئلة سيقود إلى التخوين والتخوين المضاد، وهذا بات سجالًا لا ينقطع، لكن موضوع الورشة، أو الوثيقة، أو المؤتمر، أو البحث، لا يمكن النظر إليه بالمبدأ وقبل الإعلان عنه بالأساس، ليس سوى خطوة في سياق التشرذم السوري سياسيًا والتشظي المعرفي وعقم الإنتاج الحواري، ولا يوجد قاسم مشترك بينها سوى النفعية المحضة سواء كانت شخصية أو جماعية، وهذا ليس عيبًا في السياسة، لكنه خطأ معرفي مصلحي مركب، حسب إلياس مرقص، يضيف بعدًا آخر في تشتيت الثورة وتغير نقطة ارتكازها وبوصلتها.

مقالات ذات صلة

إغلاق