قضايا المجتمع

القانون الدولي: من استغلال الإنسان للإنسان إلى استغلال الدول للدول

(1)

لا يمكن ابتداء نفي أن هناك ما يُسمى بـ “القانون الدولي”، فتحت هذا العنوان هناك (منظمة دولية)، تصدر قرارات، وتحّرك الجيوش تحت أعلامها أحيانًا، وباسمها أحيانًا أخرى، ولتنفيذ قراراتها مرة ثالثة، فهل هي “منظمة معيبة” من الناحية القانونية، والشرعية؟

يقول رادومير لوكيل: “إن القانون الدولي لا يمكن له أن يكون مُعتبرًا كأداة معينة ليتيح لأحد الأطراف من الجماعة الدولية أن يمارس إكراهًا على جزء من هذه الجماعة، لأن (القانون الدولي) ببساطة يتميز كقانون بميزة المساواة بين سيادة أشخاصه التي هي الدول، وكنظام حام لمصالح عامة أساسية لكافة الدول في علاقاتها المتبادلة.”(1).

لكن، وبما أن تلك المساواة بين أشخاص القانون الدولي مفقودة، فإن بعض المنظرين اعترفوا -كما يقول لوكيل ذاته- بأن “لهذا القانون الدولي صفة طبقية كالقانون الداخلي، وأنه يتعلق بقدرة بعض الدول لفرضه على غيرها… وأنه يُعبّر عن المصالح الأساسية لطبقة مسيطرة”(2).

فلو كان القانون الدولي قانونًا حقًا؛ لتوجّب “أن يُفرض على الدولة ذاتها ضد إرادتها، ولسوف يستطيع إلزامها دون اعتبار لما إذا كانت تقبله، أم لا، غير أنه بالفعل لا يُفرض الجزء الأكبر من القانون الدولي على الدولة ضد إرادتها، وإنما يقتضي فعلًا قبولها الصريح. فالقانون الدولي مُشكّل بصورة خاصة من معاهدات تبرمها الدول فيما بينها، وإنه فقط عندما تقبل دولة ما، معاهدة ترتبط بها، وأن قبول الدول لهذا الاتفاق يرجع عمليًا لتصنيفه بين مصادر القانون، وبالعمل هكذا، تجعل منه الدولة جزءًا مُنشئًا لحقها الخاص، ويتعلق بإرادتها.. وهكذا فإن ما يسمى قانونًا دوليًا ليس نظامًا حقوقيًا خاصًا قائمًا فوق الدولة ونظامها الحقوقي الداخلي، وإنما هو عنصر مؤلف لنظامها الحقوقي فحسب، إنه مجموعة القواعد التي تحكم العلاقات مع الدول الأخرى، وكل دولة تنشئه بذاتها”(3).

نعم، لقد كان “للقانون الدولي” صفة “طبقية” منذ تأسيسه على حد تعبير لوكيل، وهي الصفة التي يُفسّر بها “لوكيل” مشكلة “استغلال الإنسان للإنسان”، وهنا في القانون الدولي يكون بالمقابل: “استغلال الدول للدول”، لكن المسألة أوسع من أن تكون مسألة طبقية، إنها مسألة مُعقدّة التركيب، فالمسألة ليست متعلقة بعلاقة بين طبقتين تستغل إحداها الأخرى، وإنما تتعلق بسلسلة طويلة من حلقات الأشخاص المعنويين، والطبيعيين حيث تستغل كل حلقة الحلقة التي هي دونها، بينما هي موضع للاستغلال من الحلقة التي تليها، وهكذا…

(2)

لقد ظلت “عصبة الأمم” أسيرة القوى التي أسستها، ولم تتمكن أن تتحول إلى مؤسسة دولية، كما قد توحي تسميتها، وقد ردّ هارولد لاسكي ذلك إلى فكرة “سيادة الدولة”، فقال: “لا يمكن لعصبة الأمم المتحدة أن تكرّس جهودها بطريقة جادة لتعالج أسباب الحرب، فطالما أبقت الدولة على سيادتها، فإن كل خطوة تخطوها العصبة نحو هذا الهدف تُقيدّها مقتضيات السيادة”(4).

وعلى الرغم من أن لاسكي يُحمّل (سيادة الدولة) المسؤولية دون تحديد، إلا أنه يعود في موقع آخر ليقول: “لمّا كان العالم قد نظم على النحو الذي نراه، فإن الرأسمالية لا تجد بدًا من أن يكون توسعها على حساب الدول الأخرى، وهي لا تستطيع أن تُسّلم الأراضي التي تحتلها، وإلا تضاعفت مشكلاتها الاقتصادية”(5).

إن الخلط بين مفهومي (الأمة)، و(سيادة الدولة) من جهة، وبين النظم الرأسمالية الأوروبية التي مارست العدوان على العالم وشعوبه وأممه وسيادته أدى إلى نتائج خطيرة على صعيد الفقه القانوني والسياسي والاجتماعي، وقد أدّت الترجمات الرديئة دورًا بالغ الخطورة في هذا المجال.

يقول لاسكي: “إن تاريخ الأمة التي تتحول إلى دولة، وتُصمّم على امتيازاتها، وحقوقها كدولة يتناقض دائمًا مع الشروط التي تقوم عليها المحافظة على السلام. فالدولة القومية يُنتظر منها دائمًا العمل على حماية نشاط مواطنيها خارج حدودها، وهي تُشرك هيبتها مع قوتها في التصرف في هذا المجال، وهكذا تؤيد ألمانيا الإخوة مانزمان في مراكش، وتُسند إنجلترا آل روتشلد في مصر، وأميركا تساعد مواطنيها في نصف مناطق أمريكا الجنوبية. وهكذا تتحول القومية إلى استعمارية، وهذا يعني استعباد الشعوب الصغيرة بواسطة القوى الاستعمارية”. ويضيف: “حتى حينما حقق الاستعمار فائدة كبيرة للشعوب التابعة له، كما هو الحال مع بريطانيا العظمى في الهند، أو الولايات المتحدة الأمريكية في الفليبين، فإن الخسارة الناتجة كانت فادحة”(6).

وعلى الرغم من أننا نتحفظ على ما يراه لاسكي من فوائد عادت على بعض الشعوب من الاستعمار، فإن النتائج التي وصل إليها تبدو صحيحة، لكن هل يُسند تصرف تلك الدول العدواني إلى الأمة، والدولة القومية أم إلى النظام السياسي الرأسمالي؟ إن العالم مُكتظّ بالدول القومية، وبالأمم المعتدى عليها بالتقسيم الاستعماري، وهي لم تمارس عدوانًا على الغير قط، بل لم تتمكن من الدفاع عن نفسها، حتى إن تأسيس الدول “الـلا قومية” كان أبرز أسلحة النظم الرأسمالية الأوروبية للعدوان على سيادة الأمم التي يمكن في حال نهوضها أن تضع حدًا للعدوان بتأسيس أوضاع متوازنة، وتضع حدًا للعدوان، ومما زاد الأمور تعقيدًا أن هذا الخلط سبّب ارتباكًا غير بريء في صفوف العديد من حركات التحرر، ومقاومة الاستعمار، عندما وقفوا ضد قيام الدولة القومية التي تتطابق مع حدود أممهم بحجة أنها (شوفينية، وعدوانية، ورأسمالية)؛ فوجدوا أنفسهم، بعد فوات الأوان، في الخنادق التي يتمترّس فيها العدوان الرأسمالي “دولًا” على أممهم، وشعوبهم.

(3)

إن روح ما دعا إليه الفقيه هارولد لاسكي هو مجتمع دولي متوازن، وإيجاد ما يمكن اعتباره حكومة عالمية (فوق حكومات الدول)، وهو مطلب إنساني رفيع، لكن هذا لا يعني المساواة بين الجلاد والضحية، لذلك فهو يعود ليضع تصورًا ( للقومية)، فيقول: “بعبارة مُختصرة إذا أُريد للقومية أن تتلاءم مع حاجات المدنية يجب أن تفهم أن الأمور ذات المصلحة المشتركة بين أكثر من دولة قومية واحدة، لا يمكن أن تُقرر حسب تحكم عضو واحد من أعضاء المجتمع الدولي، فالعلم الحديث، والتنظيم الاقتصادي الحديث، قد جعلا هذا العلم ينكمش إلى وحدات استقلالية، وفي رأيي أن هذه الصفة تُحتّم أولوية الحاجة العالمية على المطلب القومي. وهذا يعني أنه ليس من حق أي شعب أن يكون الحكم الوحيد على سلوكه حيثما كان موضوع هذا السلوك يتضمن آخرين، ولكنه يجب أن يتشاور معهم.. فلقد انتهى العهد الذي يمكننا فيه السماح لأي دولة أن ترسم حدودها، حسب ما يحلو لها، دون التشاور مع الدول الأخرى..”، ويضيف: “إن أهمية إنتاج الموارد الخام بالنسبة للحياة الاقتصادية الدولية تضطرّنا إلى رسم سياسة مُتعمدّة لتوزيعها، والمحافظة على مستوى ثابت للأسعار العالمية يُراعي قبل كل شيء الحاجة العالمية، ولا يهتم بالربح القومي إلا بعد فترة طويلة”(7).

إن ما يدعو إليه لاسكي هو حلم للبشرية ما زال بعيد المنال، ويرتبط بتلك الدعوة التي تتنامى إلى (حكومة عالمية) بحيث تكون حقوق أي دولة من أشخاص القانون الدولي تالية لحقوق المجتمع العالمي. فسيادة الدولة بالمعنى الذي كان هذا الاصطلاح يُستخدم به في القرن التاسع عشر -كما يقول لاسكي- “قد أضحت باطلة وخطيرة في العالم الذي نعيش فيه اليوم، فهي تُعطي للدولة القومية سلطة أثبتت الحقائق أنها لا تتلاءم مع سعادة العالم “(8)، ومن الواضح أن لاسكي على الرغم من أنه يستخدم مصطلح “السيادة”، وتعبير “الدولة القومية” على إطلاقه إلا أنه ينطبق على الدولة الرأسمالية الأوروبية؛ ذلك أن تلك الدول هي التي وضعت مصالحها فوق مصالح العالم بأسره، وهذا ما يتأكد من موقف لاسكي اللاحق عندما يقول: “إن سيادة الدول في مجتمعنا الحالي لا تعني إلا حق أي شعب قوي في فرض تصوراته عن المنفعة الذاتية على خصومه الضعفاء، وهذا هو المبدأ القديم للاعتماد على النفس وقد ارتدى ثوبًا قانونيًا، وهو المبدأ الذي أنشئ القانون نفسه لمقاومته باسم النظام والمنطق. فبالضبط، كما أنه لا يمكننا الموافقة على حق أي رجل في أن يسّن قانونه الخاص في حياة المجتمع الداخلية، يجب بالمثل ألا نسمح لأي دولة قومية أن تختّط قانونها الخاص في حياة المجتمع العالمي الواسعة، وذلك أن هذا هو ما تعنيه في النهاية عبارة (سيادة الدولة) فسيادة الدولة ما هي إلا مبدأ ينتهك الحاجات المشروعة الضرورية للسيادة العالمية”(9).

ثم يستدرك لاسكي، فيقول: “أنا لا أدافع عن سلطة عالمية على الدولة القومية بغرض تدمير الدولة القومية، ولكني أدافع عن هذه السيادة لأنها الطريقة الوحيدة التي أعتقد أنها تضع الحقيقة الكبرى للقومية في مظهرها الصحيح…”(10).

ثم يُدلّل لاسكي على أسباب موقفه فلا يجد مثلًا واحدًا يسوقه إلا من سلوك (سلطات الدول الأوروبية الرأسمالية)، يقول لاسكي: “من أي زاوية نستعرض تاريخ عصبة الأمم… في انتخابات مجلسها، وفي إدارة أسلوب توصياتها، وطريقة علاجها للمنازعات الدولية، كان ساسة جنيف يترددّون في العمل بمقتضى منطق العالم، فهم يرون أنفسهم في مواجهة دول عظمى، وكانوا يخشون من إغضاب تلك الدول حتى لا تزدري العصبة، وتسير في طريقها الخاص، وهكذا تسكعّت العصبة، وحطت من كرامتها، وتملصّت من مسؤولياتها، وسيطرت عليها الدول الكبرى، وطوال أغلب تاريخها كان ظل الحرب يحوم فوقها، ويظلم جوها.. “(11).

(4)

في كانون الثاني، ونيسان من عام 1979، أقام الاتحاد الألماني للعلوم السياسية ندوتين في مدينة هامبورغ حول (السياسة، ونظرية التطور) اشترك فيها عدد كبير من رجال القانون، والاجتماع، والسياسة، والاقتصاد لمناقشة (تكوّن الإرادة السياسية، والمشتركة) في البلدان المُضطهدة التي يسمونها (البلدان الطرفية)، وقد خلص المشاركون في الندوتين إلى أن غياب إرادة السكان في بلد من تلك البلدان في إنشاء وطن واحد يُسهم كل منهم في تكوينه لا لنفسه بل للجميع.. وفي إدارة شؤونه العامة، أو ضعف تلك الإرادة، أو قصورها، هو داء التخلف السياسي، والاجتماعي في تلك البلدان، وقد أعادت الأبحاث إضعاف إرادة الشعوب في إنشاء الوطن الواحد إلى الهيمنة الرأسمالية الأوروبية، وقد ميزت الندوة الأولى بين نشوء الدولة القومية في أوروبا حيث كانت شرطًا، ولم تكن نتيجة لتنافس الرساميل في السوق الدولية، بينما الدول في البلدان الطرفية هي نتاج للتناقض في السوق الدولية، وبالتالي، فإن مصلحة المتنافسين هي التي تُحدّد إن كانت الدولة قومية، أم لا، وليس إرادة الشعوب، فقد نقل رولف هانيش، ورانير تيتسلاف، عن أحد أبحاث الندوة ما يلي: “إن الوجود التاريخي لمناطق دول مختلفة في المجال الأوروبي تحّول عند نهاية القرون الوسطى، وفي سياق التطور المتعاظم للرأسمالية، إلى دولة قومية كانت بدورها شرطًا، ولم تكن نتيجة لتنافس الرساميل في السوق الدولية، من هنا يقع شكل الدولة القومية السيدة على مستوى تحليلي أكثر بكثير من الدولوية البرجوازية عمومًا؛ بسبب تغلغل الخصائص التاريخية في تكوين الدولة، إن قابلية نقل هذا الشكل إلى البلدان الطرفية هو أمر جلي، فالدول (القومية) ليست هنا شرطًا بل هي نتاج للتنافس في السوق العالمية (للقوى الكولونيالية)، وهذه الحقيقة هي بالدرجة الأولى خاصة من خصائص ظروف النشوء التاريخية للدول الرأسمالية الطرفية، وليست بقدر كبير خصوصية من خصائص الارتباط البنيوي الأساسي بين الدولة والاقتصاد”(12).

هكذا كان لا بد من مواجهة ذلك الخلط (غير البريء) بين النشوء التاريخي للأمة، والدولة القومية المتطابقة معها، وبين النظام الاقتصادي الرأسمالي الذي يمكن أن يوجد للتحكم بدولة قومية، أو دولة لا قومية، المهم أن تتوافر مقوماته الموضوعية للربح، والاستغلال، والغزو…

(5)

يقول د. كمال غالي: “إن كلمة أمة، ولو لم تكن دولة، تنزع إلى الانتظام في إهاب الدولة، فالأمة تمثل في الواقع مجموعة من الروابط الطبيعية مُركبّة تركيبًا مُعقدًا من الأشياء الموحدة، والمشتركة. فالأمة، إذا صح القول هي الأساس الطبيعي للبناء الذي يجب أن تقوم الدولة عليه”(13).

ويُضيف: “يمكن القول إن نزوع الأمة إلى تكوين وحدة قانونية تلائم حاجاتها الخاصة حدث مُحتّم ثابت، والخلاصة أن القومية قوة سياسية تتجه في جميع الأقطار إلى تحقيق الدولة القومية، والشعور القومي”، ويقول: “إنها قوة حقيقية لم تستنفذ أغراضها في تكوين الدول، وتحويلها، وليس من تعارض بين هذا المبدأ، والمساعي المبذولة لإقامة التنظيم الدولي على أسس أكثر فاعلية (فكرة الحكومة العالمية)، لأن التنظيم الدولي يفترض فيه الاستقرار”، ويتساءل: “لمن يتحقق هذا الاستقرار؟ إلا إذا تحققت حرية كل الأمم، وتعاونت على قدم المساواة”. (14) بينما يرى روبرت م. ماكيفر أنه “ليس هناك دولة لم تتعرض حدودها لتغييرات لا حدّ لها، ولا يُستثنى من ذلك إلا ما ندر من الدول التي صانتها حدودها الجغرافية من هذه التغيرات. وقد يكون من حسن طالع الدولة أن تتفق حدود الدولة مع حدود الأمة، ولكن الأمة نفسها تكون حينذاك مؤلفة من عدة عناصر عرقية، وتكون ثقافتها مستمدة من تراث ثقافي مشترك بين عدة شعوب. والحروب، والفتوحات، والهجرات، وتغيرات الحدود تجعل دم كل أمة خليطًا من دماء عدة شعوب”(15).

ويُضيف: “ولا يكون الاختلاط اتفاقيًا يُسفر عن مزج جديد من عناصر قديمة، بل تنتج منه ثقافة ذات خصائص فريدة تُميزّها عن غيرها من الثقافات، وينشأ لهذه الثقافة أسلوب فريد، تتعود الجماعة، أو يتعود الشعب أن يُعبّر به عن الخصائص التي تُميزّه عن غيره من الشعوب”(16).

 

هوامش، ومراجع:

(1) و(2) و(3) رادومير لوكيل – المصدر السابق صفحة (721).

(4) هارولد لاسكي، (الدولة في النظرية والتطبيق)، صفحة (248).

(5) المصدر السابق صفحة (250).

(6) هارولد لاسكي، (الحرية في الدولة الحديثة)، صفحة (189).

(7) و(8) و(9) و(10) و(11) المصدر السابق صفحة (194).

(12) رولف هانيش ورانير تيتسلاف، (الدولة والتطور)، القسم الأول، صفحة (92).

(13) (مبادئ القانون الدستوري والنظم السياسية)، د. كمال غالي، جامعة دمشق صفحة (27).

(14) المصدر السابق صفحة (15).

(15) و(16) (تكوين الدولة)، روبرت م. ماكيفر، ترجمة د. حسن صعب، دار العلم للملايين، بيروت، صفحة (438).

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق