أدب وفنون

مشكلتي مع المقدّس

ابتدأت مشكلتي مع المقدّس منذ أكثر من ستين عامًا، يوم كانت أمي تهددني قائلة: “بيحرقك سيدك سلمان”. كان يحدث ذلك حينما كنت أدوس مصادفة على كسرة خبز دونما قصد. يومها كانت تجعلني أرفع كسرة الخبز عن الأرض، وتقول لي: “بوسها وحطّها على راسك”. وحين أرفض، كان يأتي تهديدها بسيدي سلمان، فارتعب، وربما فعلتها تحتي. وأفعل ما تأمرني به بخوف ورهبة لا حدود لهما!

منذ ذلك الوقت أخذت أتصوّر سيدي سلمان على شكل عملاق له يدان طويلتان، تنالانني وأنا في أقصى مكان عنه، تمتدان نحوي وتزجاني في ذلك التنّور الذي لديه. تنور كبير تلعب فيه النيران، أكبر بمئة مرة من تنور أمي الذي كانت تحشوه بالقصل ومخلفات تقليم دوالي العنب، وتولّع فيه النار حينما تريد أن تخبز، ثم تمده بالشيح الجاف المخصّب، كلما خبت ناره، فيتأجج ويتراقص اللهب داخله، فيبرز لي سيدي سلمان من فتحات التنور الجانبية. وإخال نفسي أتلظّى بين ألسنة النيران في تنوره العملاق.

أخذت عبارة “بيحرقك سيدك سلمان” تلاحقني كلّما أبَيت الدخول في بيت طاعة أمي، أو رفضت أمرًا من أوامرها الصارمة. فإذا رفضتُ أن أقبّل ضريح العجمي المتربع في ضيعتنا منذ دهر؛ فسيحرقني سيدي سلمان. وإذا رفضت تقبيل كتاب الحكمة الذي كان يلفّه والدي بقماش أخضر نظيف، ويحرص على إخفائه في مكان أمين؛ إذا رفضت تقبيله تبرّكًا فسيحرقني سيدي سلمان. وإذا شتمت أو سببت أو تفوهت بكلام نابٍ وبذيء، كان سيدي سلمان لي بالمرصاد، وإذا أخفيت عنها أمرًا، ولم أصدقها القول؛ رأيت سيدي سلمان من بعيد مادًّا يديه على شكل خطّافين، كي يأخذني إلى سعيره وبئس المصير. الخلاصة أن سيدي سلمان كان يتربّص لي تحت ثيابي، في فراشي، في حقيبتي المدرسية، بين كتبي، في المقلمة، وعلبة الهندسة. وفي درج المقعد الذي أجلس عليه في غرفة الصف. وما إن كبرت قليلًا وخرجت من سلطة أمي حتى برز لي سيدي سلمان بصورة أشد وطأة، حينما وجدتني أتمرّد على قوانين العشيرة والقبيلة والعائلة والطائفة.

حتى إذا توارى سيدي سلمان نهائيًا، وجدت نفسي أمام نار أخرى أشدّ لظىً من ناره؛ إنها نار الحزب الموقدة. التي تطّلع على الأفئدة. إنّها عليهم مؤصدة. في عمد ممدّدة. صدق الله العظيم.

لقد كانت هذه النار لي بالمرصاد، كلّما حاولت أن أعصي أوامر أمين الحلقة، وأمين الفرقة، وأمين الشعبة، وأمين الفرع، والأمين القطري، والأمين القومي المساعد الذي توضّعت على ظهره الإشنيات الصفراء: لطول مقامه في الحيّ الذي أخلق ديباجتيه…” كما قال شيخنا أبو تمام. فما إن نردد الشعار: أمة عربية واحدة، حتى يحوم الطير فوق رؤوسنا، وندخل في طقس من طقوس المقدّس الحزبي، لا حركة، لا نفس، لا اعتراض. وكلّه في جانب؛ ولا إله إلاّ هو الواحد، الأحد، الفرد، الصمد، القاهر، القهّار، الجبّار، المتسلّط، السليط، الماكر. في جانب آخر. كل الآلهة الصغيرة التي تركناها خلفنا، كنا نعبدها، كي تقرّبنا من هذا الإله الواحد الأحد زلفى أو تزلفًا لست أدري.

كل ما في الأمر أننا أخذنا نخضع خضوعًا مطلقًا، ينتابنا ما يشبه حالة التنويم المغناطيسي، فنردد -ببلاهة لا حدود لها- ما يصدر من مكاتب الإعداد الحزبي، ما قاله الله تعالى المجسد بصورة الأمين العام، نكتبه على جدران منازلنا، وحيطان مؤسسات الدولة، حتى غدت هذه الحيطان دفاترنا المقدسة التي لا دفاتر لنا غيرها. نكتب عليها قوانيننا ودستورنا ومناهجنا الدراسية، إلى أن وصل الأمر بي أنني إذا ما مررت بالساحة التي كان ينتصب فيها التمثال قبل الكارثة؛ أسبل يديّ وأعمل يمين ره أو يسار ره، مخافة أن يراني أحد حراس التمثال، فيظن بي الظنون السوداء أنني أتأفف -لا سمح الله- من منظر التمثال الذي كان يمدّ يده نحوي قائلًا:

أمير المؤمنين هذا. ويشير إلى صدره، وإذا هلك فهذا. ويشير ابن ابنه. وإذا أبيتم فهذا. ويشهر نحوي سيفه.

مقالات ذات صلة

إغلاق