مقالات الرأي

الأقلية في ذاتها وفي النظر إلى غيرها

يسارع بعضُنا -السياسيين الوطنيين والمثقفين- إلى رفض مقولة الأقليات، من أساسها، بل إنه يخجل، من نفسه ومن أصدقائه وأصحابه على امتداد الساحة السورية، أن يُصنف في هذا الموقع؛ وفي رفضه هذا، يذهب مطمئنًا إلى خلاصة، مفادها: ليست الأكثرية والأقلية إلا حالة تفاعل جدلي سياسي، تتبادل فيه الأدوار بين اتساع وانكماش، وهي ليست واقعًا ديموغرافيًا اجتماعيًا (إثنيًا أو دينيًا)، يعبر عن نفسه، بهذا الانقسام العمودي الغرائزي المخجل؛ ولكنّ هذا الرفض -وهو مطلوبٌ حكمًا- قلمّا يُغني، وللأسف، في واقع التمزق الحالي، أو في المواجهة الجزئية التي تجلت مرات ومرات، بين النظام المتسلط في بلدات (مجزرة حماة مثالٌ فاقع) أو فئات سورية محدودة، على حين وقفت الفئات العرقية والدينية الأخرى متفرجة، لا حول لها ولا طول، بل ربما تلذّذ بعضهم، لعلة في نفسه ووعيه، بمأساة شريكه الوطني، هذا إن لم يشارك بعضُ عناصره في قتله.

وإذا كان هذا الواقع العياني قد تكرر، في حالات محدودة، فإنه كان كافيًا للدلالة الواضحة على واقع التشظي المجتمعي الذي يعود بعضه إلى القمع المباشر للسلطات المستبدة، ويعود بعضه الآخر إلى موروث غرائزي بدائي، ظلّ عصبًا حساسًا مستحكمًا، يعمل في خلفية الجماعات الدينية والعرقية المتباينة، في ظلّ تغييب المشروع الوطني الجامع الذي يفترض أنه يجسد هوية وطنية، بحاملها الاجتماعي المدني والسياسي، متمثلًا بالدولة الحديثة والقوى السياسية.

إنّ هذا التشظي وهذا الضعف بل هذه الهشاشة، لم تصب بنية المجتمع السوري بكامله فحسب، بل انتابته كجماعات كل على حدة أيضًا، بما فيها الجماعة التي تُحسب حاضنةً اجتماعية للسلطة، على الرغم من فقدانها أيَّ تأثير فيها، فهي، عبر إلحاقها بالسلطة ومحاولة دمجها بها أو تابعيتها لها، تكون قد ارتهنت لمصالح نخبة متسلطة، تنال منها الفتات، وتترك، لشبكة الاستبداد والفساد شديدة التداخل، أن تُسمّى باسمها، وأن تحمّلها وزرها، لتضعها في موقع المدافع عنها، وصولًا إلى تقديم شبابها قرابين رخيصة على مذبح مصالحها، إذ ليس هناك من رادع، يردع سلطة عدوة لبلادها، ومدمرة لأهلها وبنيانها، أن تهتم بحياة أبناء جلدتها، لأنها لا ترى فيهم سوى غطاء واق لها.

ولما كان هذا الضعف سمةً عامة للمجتمع وللجماعات متفرقة، وباتت المصالح والسياسات المبنية على سردية مظلومية تتغذى من ضعف السلطة وتهالكها ولجوئها لحماية الغريب، مقابل تأمين مصالحه وصولًا إلى التابعية المباشرة له، بات التلطي بغريب قوي أو باستجلاب هيبته شرعةً مطلوبة، من كل جماعة على حدة، لمواجهة جماعة أخرى أو للمواجهة مع النظام، ولكن بمشروع مناطقي خاص، ديني أو إثني، تتحكم من خلاله بنظيرها الوطني الذي لم يعد -في وعيها- إلا خادمًا ورعية لمشروعها.

هذا ما قام به النظام، منذ نحو سبع سنوات، حين لجأ إلى خضّ المياه الطائفية الراكدة، وإيقاد جمراتها الخامدة؛ مما جعلها أكثر استعدادًا للاشتعال، وزاد ذلك في ترسيخ العداوة والقطيعة وجعلها شبه نهائية، وإتباعها بتفصيل البلاد على مقاييس نفوذ دولية، سواء دشنتها “أستانا” أو فشلت به وذهبت إلى غيرها، حتى بات الحفاظ، على بقايا الوطن السوري، يحتاج إلى كثير من التضحيات والبذل، كي يتمّ التغلب عليها والانتقال إلى حلول واقعية شاملة، تبدأ من الوقوف على جوهر هذه المسألة، والنظر إلى العوامل الكامنة التي شكلت بنية تحتية لها، والأخرى المستحدثة التي بُنيت على سرديات ومظلوميات متناطحة أو متجاورة ودراسة، كيف نمت، وتحولت من “جماعات بذاتها” إلى “جماعات لذاتها”، ولتلقي بمسؤولية ما لحق بها، من جور وانتقاص، ليس على نظام استبداد فحسب، بل على نظيرها الوطني في الطرف الآخر.

هكذا، حين أصبح الانقسام العمودي حاملًا أساسيًا للصراع، تهاوى المجتمع في عتمة الغرائزية البدائية، وأحيا عصبيةَ العداوة والثأر، وانتهك أعراف السياسة بوصفها آلية ثقافية عقلانية، لإدارة التنافس بأسلوب سلمي، ولكن السلطات المستبدة تكره السلمية، لأنها تحرك المجتمع وتدفع برموز وقادة حقيقيين، ولأنّ الأنشطة السلمية أيضًا تمتلك مشروعية عالمية، تسقط شرعية عنف السلطة المدعاة، أما حين يضطر الحراك الجماهيري إلى التسلح للحماية من العنف، وترتفع البندقية، فتغدو حاكمة متسلطة في أهلها (حاضنتها) أولًا، ثم في خصومها ثانيًا، ثمّ تشتق وتفرّع من الخصوم خصومًا آخرين، ولكن تبقى أسوأ المواجهات المحتملة بين التفكر الأقلّوي والتفكر الأكثري، إذ لا بدّ لنا هنا، من أن نلاحظ التباينات التالية: تنطوي الأكثرية على طمأنينة تاريخية ثابتة، تستند إلى إيمانها، بأنها تمتلك العقيدة الصحيحة المطلقة، وأنها هي بانية الوطن بأبعاده الاقتصادية والفكرية ونهضته وصاحبة التعايش الذي ساد بفضل تسامحها على الرغم من إيغال الآخرين بالخطأ في العقيدة، وعدم انضباطهم في السلوك اليومي الذي تكرسه في وعي أجيالها، عبر المحرّم والممنوع، بينما تواجه الأقلية الأكثريةَ بسلوك، يأخذ بشيء من السلوك الليبرالي المحلي، المتمركز على مظاهر السلوك واللباس والثقافة الأحدث، وهي تعتبر شريكتها متزمتة منقطعة عن التطور، وقد تحملها مسؤولية فشل الدخول إلى الحداثة والتحديث، وإعاقة الانتقال إلى الديمقراطية في معظم بلداننا الإسلامية، علمًا أن معظم قادة الحداثة والمنورين الكبار، قد انحدروا تاريخيًا، بخاصةٍ في القرنين 19. 20، من هذه الأكثرية العقائدية، ولا سيّما النخبة المصرية، كالذين سماهم رفعت السعيد (عمائم ليبرالية).

ويسود الاعتقاد أنّ القوم الأقليين، في محيط واسع مخالف، يُكرّسون، واعين أو بلا وعي، حالةَ انكماش وحذر، في أوساط شبابهم ويذهبون إلى تبريرهما، بإلقاء التهمة على الأكثرية، فهي -في منظاره- تنطوي على نية مبيتة تجاهها، وهذا موروث تاريخي يعود إلى جاهلية، لم تزل مستبطنة ومنقولة، من وعي الأوليين الذين كانوا، يعتزون بالكثرة الغالبة للشجاعة والجالبة للطمأنينة إلى أهلها: “ملَأنا البر حتى ضاق عنا.. ووجه البحر نملأه سفينا”، بينما تفتش الأقلية عن حلفاء أقوياء لحمايتها، وفي حقيقة الأمر، إنّ التوازن الثقلي بين المجتمع المدني و(السلطة) الممسكة بجهاز الدولة من جهة، ومدى اتساع النخبة المثقفة والمنتجة للثقافة والوعي السياسي وقوتها، هو الذي يحدد، ويجدد هذا التداول للأفكار التي يفترض أنها متجاوزة واقعَ الصراعات، وصاحبة النهج التغييري الذي يتجه إلى تغيير أخلاقيات السلطة السياسية وتصحيح سلوكها، والمحافظة على السلم الاجتماعي وبلورة الهوية الوطينة الجامعة لذاتية الأمة ووجدانها وثقافتها، لتصبح كلها أكثرية بقوتها ومنعتها.

مقالات ذات صلة

إغلاق