تحقيقات وتقارير سياسية

خطاب المعارضين الإيرانيين في مؤتمرهم “لسنا فاشلين مثل السوريين”

اتجهتْ، في يومَي 29 و30 من الشهر الماضي، مئاتُ الحافلات من مناطق مختلفة، من بلاد الاتحاد الأوروبي، نحو العاصمة الفرنسية باريس، وقد امتلأت بآلاف المقيمين في دول الاتحاد، وبضعة آلاف من مواطنيه، وكانت الغالبية العظمى من هذه الجموع من اللاجئين السوريين، وذلك لحضور مؤتمرٍ، دعت إليه المعارضة الإيرانية المتمثلة بالمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، وقد كان هناك مصلحة متبادلة بين صاحب الدعوة والمدعوين، ففي حين أراد صاحب الدعوة تجميع أكبر عدد ممكن ليظهر في اجتماعه، أراد المدعوون زيارةَ العاصمة الفرنسية صاحبة السحر الخاص لدى جميع سكان الأرض.

بعد نهاية المؤتمر وعودة السوريين إلى مناطقهم، بدأت جولة جديدة من النقاشات في وسائل التواصل الاجتماعي والاجتماعات الفيزيولوجية، حول فاعلية ذلك المؤتمر وأهميته، وطُرِح التساؤل المعهود، بعد كل مرة تحدث فيها أنشطة كهذي: “لماذا لا نفعل ذلك؟”، ودارت أحاديث عديدة حول أهمية التأثير الذي يتركه المؤتمر، في طرح قضية أصحابه في الوسط الرسمي والشعبي والأوروبي، إلا أن المؤتمر، من خلال خطاب رئيسة المجلس الوطني الإيراني مريم رجوي، أجاب عن “لماذا لا نفعل ذلك؟” وكان الجواب ببساطة، لأننا لسنا كالمعارضة الإيرانية، بل نحن على النقيض منها، في بُنانا التنظيمية وخطابنا أو بالأحرى خطاباتنا، ومنهجية عملنا، وهذا ما بنَت على أساسه مريم رجوي كامل خطابها.

تلعب المرأة دورًا مهمًا، في المجلس الوطني الإيراني للمقاومة في المنفى، حيث تشغل ثلث مقاعد برلمانه ونصف قياداته، وتتسلم مراكز مهمة وحساسة فيه؛ وبالتالي تشارك مشاركة حاسمة، في صناعة القرار الخاص بالمجلس، وهي على رأس السلطة فيه، أي أن الجسم المعارض لا يحتوي على امرأة محجبة وأخرى بدون حجاب، من أجل “الكونسبت”، كما تفعل المعارضات السورية، وفي حين تسعى أطياف المعارضة السورية -عن قصد أو غير قصد- لتشويه سمعة كل شخصية سورية تسعى للعمل، وتتسلم مناصب مهمة في الطيف السياسي المعارض، تعمل المعارضة الإيرانية جاهدةً لترسيخ وإبقاء الكاريزما القيادية لمريم رجوي بكل ما تملك من طاقة، فبعد أن ألقى العديد من الضيوف من دول مختلفة كلماتِهم في المؤتمر، وكانوا يملؤون منصة الحفل، وحان وقت مريم رجوي، أُخلِيتْ المنصة بشكل كامل لها، ودخلت ضمن عرض موسيقي متصاعد أشبه بدخول أبطال روما، بعد معارك منتصرة، ولم توفر المعارضة الإيرانية شيئًا لتقوية تلك الكاريزما، حتى إن مريم رجوي، في لحظة تكريمها لشهداء منظمتها ومعتقليها، كانت تؤدي دورًا أشبه بعرض مسرحي، دورًا من شأنه أن يحوّل أحد المعارضين السوريين، إذما قام به، إلى محط نقد واستهزاء شهورًا عدة. أيضًا لم يكن المؤتمر بالدرجة الأولى موجهًا للوسط الرسمي والشعبي الأوروبي، كما يتحدث العديد من قادة المعارضة السورية والناشطون، على اعتبار أننا نوجه خطابنا دائمًا إلى “الخارج” لمناصرة قضيتنا، بل كان من خلال الخطاب والدعوة والأعلام المرفوعة موجهًا في كليته إلى الداخل الإيراني، حيث نقلت كل وسائل الإعلام أن أكثر من مئة ألف، من الجالية الإيرانية في أوروبا، وصلت لحضور المؤتمر في باريس، علمًا أن معظم هؤلاء لم يكونوا إيرانيين، أو على الأقل نسبة كبيرة منهم، ولكن مؤدى الرسالة للداخل الإيراني (نظامًا وشعبًا) أن هناك آلافًا مؤلفة من الإيرانيين تناصر المجلس الوطني المعارض، وأنه يمتلك رصيدًا كبيرًا من القوة الشعبية في صفوف الإيرانيين، وأنه على تواصل وثيق وعضوي مع المجتمع الإيراني. أما أهم ما ميز المعارضة السورية عن الإيرانية؛ فكان خطاب مريم رجوي الذي بنته، في أهم ماجاء فيه، على أساس الاستثمار في فشل المعارضة السورية، حيث جاء في خطابها أن المعارضة الإيرانية لم -ولن- تطلب سلاحًا ولا مالًا، وإنما ستبقى متمسكة بالخيار السلمي، في قلب نظام الحكم في إيران، وعلى الرغم من وصفها النظام الإيراني بالطائفي المذهبي، وعلاقة المجلس الشائكة مع معارضات أخرى، كعرب الأحواز وأكراد مهاباد، إلا أنها لم تذكر أي تطمينات للأقليات، بل لم تذكر أي شيء عن وجود أقليات في إيران، على اعتبار أنها تسعى لدولة مواطنة وديمقراطية، ليس فيها سوى أقليات وأكثريات سياسية، حيث لم تشر إلا في الجزء الأخير لتنوع المجتمع الإيراني بطريقة عابرة، حين قالت إن على الشعب الإيراني، من فرس وعرب وكرد وبشتون.. إلخ، أن ينتفض ضد ذلك النظام. في حين لا يخلو خطاب أيٍّ من قادة المعارضة السورية من تطمينات بالأطنان بأن الأكثرية لن “تذبح” الأقلية في المستقبل، مركزين بذلك على تمايز شاقولي في المجتمع السوري.

أبرز ما ركزت عليه رجوي، في خطابها، أن المعارضة الإيرانية ليست فاشلة سياسيًا، كالمعارضة السورية، حيث ذكرت أن المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية أثبت للعالم أجمع أنه أوجد البديل الديمقراطي المناسب والشرعي للنظام الإيراني، وقد كررت ذلك في خطابها ما يزيد عن عشرِ مرات، في عاصمة البلد التي كانت أول من اعترف بشرعية الائتلاف ممثلًا للشعب السوري، وافتتحت له ممثلية على أراضيها، ليصرح رئيس ذلك البلد إيمانويل ماكرون، بعد سنوات أربع، وقبل أيام قليلة، بأنه ما من بديل شرعي للأسد وفّرته المعارضة السورية.

كانت الموسيقى الحماسية والوطنية تصدح في قاعة المؤتمر وآلاف الأعلام للمعارضة الإيرانية ترفرف في مدرجاته، وقائدة المعارضة تطالب الداخل الإيراني، في خطاب تصعيدي، بالتحرك من معاقل الثورة هناك، في حين كنا نحن -السوريين- ما زلنا نتظاهر بين كراسي المؤتمر نردد الهتافات نفسها التي انطلقت في بداية الثورة باللغة العربية التي “لا يفهمها غيرنا”، ونقاطع بصياحنا وصوت “طبلاتنا” كلماتِ ضيوفٍ من أمم مختلفة، جلس كثيرٌ من مواطنيها في المؤتمر، يحاولون سماع ما يقول ممثلوهم من خلال صيحاتنا، حتى بتنا مصدر إزعاج للبعض. آلاف السوريين الذين ينشطون في الحراك الثوري، في مناطق مختلفة من أوروبا، وكانوا في صدراة من سيّر تلك الرحلات إلى باريس، لم يفكروا في خطة عملٍ للاستفادة من هذا الحدث، فقط دعوة للتظاهر، أمام برج إيفل، لنقوم بما أتقناه من قبل، ويا للأسف، الصياح بلغة عربية. ماذا لو أن كل من ذهب اعتبر أن قيمة الرحلة 25 يورو، وليست 20، وبتلك الزيادة تم طباعة بروشورات بلغات أخرى، تشرح عن الثورة السورية لتوزيعها في المؤتمر، أو لاستثمارها في عقد لقاء لناشطين سوريين من مختلف أوروبا، في أحد مقاهي باريس، لصياغة عمل مشترك؟ ماذا لو كانت هناك خطط فعلًا للاستفادة من ذلك الحدث؟ لكن الرحلة لم تكن لذلك أبدًا، بل كانت لزيارة باريس، ورؤية المعارضة الإيرانية تستثمر بنجاح حيث فشلنا!.

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق