ترجمات

واشنطن بوست: داعش سيخسر الموصل والرقة.. ما الذي سيحدث بعد؟

وأخيرا، تجري عملية طرد جهاديي تنظيم الدولة الإسلامية من معقلَيها الرئيسَين، وهما: الموصل، في شمال العراق، والرقة، شرق سورية. وعلى مدى ثلاث سنوات تقريبًا، كانت قدرتهم على السيطرة على هذين المركزين الحضريين، وخاصة الموصل، بمثابة امتحان ملتوٍ لتحقيق طموحاتهم في بناء خلافة حديثة.

الآن، بعد أشهرٍ من الغارات الجوية، وهجومٍ طويل الأمد مدعوم من الولايات المتحدة، الجهاديون في حالة تراجع. وفى الأسبوع الماضي، أشاد رئيس الوزراء العراقي، حيدر العبادي باستعادة مسجد النوري الكبير في الموصل، المسجد الذي تم تحويله بشكلٍ مأسوي إلى أنقاضٍ من قبل الميليشيات باعتباره “نهاية دولة الباطل” الجهادية.

من هذا الموقع في عام 2014، أعلنت الدولة الإسلامية (داعش) ظهورَ خلافتها. القوات العراقية هي على ما يبدو في المراحل النهائية من معركةٍ مكثفة تدور من بيتٍ لبيت، لاستعادة الشوارع الأخيرة من المدينة التي ما تزال محتلة من قبل المسلحين.

في يوم الثلاثاء، أعلنت السلطات الأميركية أنَّ حلفاءها على الأرض في سورية -قوات سورية الديمقراطية (قسد) التي يسيطر عليها الأكراد- قد اخترقوا الجدار حول مدينة الرقة القديمة، بعد “التغلب على مقاومة داعش العنيفة”، بعد أشهرٍ من الضربات الجوية التي لا هوادة فيها على المدينة، حيث صار على مقاتلي الدولة الإسلامية (داعش) في الرقة الآن، أن يواجهوا عدوهم في الشوارع.

وأشاد بريت ماكغورك، المنسق المدني الأميركي الكبير للمعركة ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، بهذه اللحظة على أنّها “معلمٌ رئيس، في حملة تحرير المدينة”.

ولكن حتى لو خسرت الدولة الإسلامية (داعش)، لا ينبغي لأحد أن تغرّه أمجاده، حيث لا يزال عددٌ لا يُحصى من المدنيين معرضين للخطر، وهم بحاجةٍ إلى المساعدة، ومعرضين لخطر الجوع، والمرض، فضلًا عن أعمال الانتقام العنيفة من المسلحين. في الموصل، لقي العشرات، وربما المئات، حتفهم وسط غارات التحالف الجوية.

وقالت إيولاندا جاكوميه المتحدثة باسم المنظمة الدولية للصليب الأحمر، لزملائي: “إنَّ المدنيين الذين يهربون الآن يتحدثون عن تجارب مروعة، لقد وقعوا بين القصف الجوي، والمدفعية، والقناصة والسيارات المفخخة، يعيشون في خوف، ويختبئون في منازلهم من دون طعامٍ أو ماء”.

وفي الرقة أيضًا، علق مئات الآلاف من الناس بين مناطق الاشتباك، مع ارتفاع عدد الإصابات نتيجة الغارات الجوية، فضلًا عن نيران القناصة، والإعدامات الوحشية التي نفذها الجهاديون، لتخويف أولئك الذين ما زالوا محاصرين في المدينة.

وفي هذا السياق من العنف والصدمات النفسية، فإنَّ تأمين السلام سيكون أصعبَ بكثير من كسب الحرب. وأكدَّ تقريرٌ جديد صادر عن مركز مكافحة الإرهاب، في ويست بوينت، على “أهمية الأمن، والحكم، والسياسة لما بعد التحرير”. وتبعتها مئات الهجمات التي شنتها “الدولة الإسلامية” في المناطق التي كان من المفترض أنْ تكون قد طُردت منها بالفعل، مشيرةً إلى استمرار الخلايا المسلحة في المدن “المحررة” من حكمها.

“إنَّ مجرد إزاحة تنظيم الدولة الإسلامية من وضع الحكم الرسمي في العراق وسورية، على الرغم من أنها خطوة أولى مهمّة، لكن لن تضمن تحقيق هذه المهام بعد التحرير، وتقليل احتمال قيام تنظيم الدولة الإسلامية، أو أي منظمة إرهابية أخرى تظهر لتستفيد من السلام الهش”. كما كتب مؤلفو التقرير، دانيال ميلتون، ومحمد العبيدي.

هذا هو المكان الذي تصبح فيه الأمور معقدةً حقًا. في العراق، “تحرير” الموصل هو الإجراء الأول فقط في دراما متوترة تتكشف في شمال البلاد، حيث ستصارع الحكومة التي يهيمن عليها الشيعة في بغداد لإعادة تأكيد السيطرة. إنَّ الأكراد العراقيين الذين لهم أهمية حاسمة في المعركة ضد تنظيم الدولة الإسلامية، يتقدمون الآن إلى إجراء استفتاءٍ حول الاستقلال في منطقتهم المتمتعة بالحكم الذاتي. ولا يزال السنيون المحليون غير واثقين -إن لم يكونوا معادين صراحةً- من عدد من الميليشيات المدعومة من إيران التي ساعدت في سد الفراغ الأمني.

يقول جوست هيلترمان، من مجموعة الأزمات الدولية: “لقد وقع الكثير من القتال ضد (داعش) في منطقةٍ يجري القتال عليها، منذ العثور على النفط في كركوك، في الثلاثينيات من القرن الماضي. إن الصراعات العميقة هنا -بين العرب والأكراد، وبين الشيعة والسنة، وبين القوى المجاورة مثل إيران، وتركيا، وبين الأكراد أنفسهم- سوف تتصاعد فقط لأن المنتصرين، المحصنين بإمدادات الأسلحة، والتدريب العسكري الذي تقدمه الحكومات الأجنبية، منخرطين في تدافعٍ جنوني بحثًا عن الغنائم”.

تأطرت حملة الرقة أيضًا بالتعقيد الجيوسياسي، وتجدر الإشارة إلى أنَّ “قوات سورية الديمقراطية” (قسد) التي تدعمها الولايات المتحدة، تحبطها تركيا نتيجةً لارتباطها مع “حزب العمال الكردستاني” المحظور، وهو جماعةٌ انفصالية كردية تَعُدّه أنقرة وواشنطن منظمةً إرهابية. زارت زميلتي أليس مارتينز، مؤخرًا مع مفرزة من مقاتلي “قوات سورية الديمقراطية”، جبهةَ الرقة.

جنود “قوات سورية الديمقراطية” يستهدفون مئذنة، حيث يعتقدون أن قناصًا لـ (داعش) يتموضع في الجهة الغربية من الرقة، سورية. (أليس مارتينز، لواشنطن بوست).

كتبت مارتينز: “يبدو أنَّ بعض القادة الذين التقيتُ بهم، له صلة مباشرة بحزب العمال الكردستاني، يتحدثون بلكنةٍ تركية، أو يرفضون أنْ يقولوا من أين أتَوا، وفي كثيرٍ من الأحيان، فهم لا يعرفون أسماء القرى أو الأحياء التي كانوا يقاتلون فيها”.

وفي واشنطن، يستعد المخططون المدنيون والعسكريون للمرحلة التالية من الحرب في سورية. يبدو -كما كتبت زميلتي كارين دو يونغ- أنَّ “معركةً معقدة من شأنها أن تضعهم في صراعٍ مباشر مع الحكومة السورية، والقوات الإيرانية التي تتنافس من أجل السيطرة على الصحراء الشاسعة الواسعة، في الجزء الشرقي من البلاد”.

وقد وقعت بالفعل اشتباكات، مع قيام الولايات المتحدة بإسقاط طائرات من دون طيار، تستخدمها الميليشيات المدعومة من إيران. ويبدو أنَّ خطر تصعيد الالتزام العسكري المتصاعد الأميركي في سورية، الذي يُحتَمل أنْ يكون مناهضًا لنظام الرئيس السوري بشار الأسد -وهو ما حاولت إدارة أوباما أن تتجنبه- يبدو الآن حقيقة واقعة في عهد الرئيس ترامب.

ومع ذلك، يبدو أنَّ هناك انقسامًا بين البيت الأبيض، والمسؤولين في البنتاغون، وهذا الأخير حريص على تجنب الغرق في الحرب السورية واحتمال إزالة الأسد. الفوضى الواسعة، وعدم اليقين هو جزء من خطته الأخيرة بالنسبة لتنظيم “الدولة الإسلامية”.

“الحقيقة هي أنَّه، على الرغم من أنَّ عنف (داعش) المفرط والجريء أعدّ في نهاية المطاف المشهدَ لانسحابها المادي، إلا أنَّها تعني أيضًا أنها يمكن أن تعمل على خلق العالم الذي تريد أن تعيش فيه، وهو مكانٌ مستقطب ومضطرب، يستوعب الفكر الجهادي بهدوءٍ وبشكلٍ جيد”. كتب تشارلي وينتر من المركز الدولي لدراسة التطرف في لندن.

في هذه الظروف الحالية، فإنَّ الأسباب الجذرية التي أدت إلى ظهور تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) -وهي الاضطرابات السياسية، والتوترات الطائفية، والحكم الزائف- لن يتم معالجتها في أيّ وقتٍ قريب.

اسم المقالة الأصليISIS will lose Mosul and Raqqa. What happens next?
الكاتبإسهان ثأرور، Ishaan Tharoor
مكان وتاريخ النشرواشنطن بوست، The Washington Post، 5/7
رابط المقالةhttps://www.washingtonpost.com/news/worldviews/wp/2017/07/05/isis-will-lose-mosul-and-raqqa-what-happens-next/?utm_term=.f05f6c9920d8
ترجمةأحمد عيشة

 

مقالات ذات صلة

إغلاق