هموم ثقافية

وصية نزار قباني

في مثل هذه الأيام، ومنذ خمسين عامًا بالتحديد، كان العرب الموجوعون أو المفجوعون بصدمة هزيمتهم المرة، هزيمة حزيران عام 1967، يتداولون قصيدة نزار قباني “هوامش على دفتر النكسة”، ويواسون من خلالها أحزانهم. ففي القصيدة شرح بل تشريح لأسباب الهزيمة الكبرى، رافقه شيء من النزق والغضب اللذَين أفرزتهما الصدمة المفاجئة، بل غير المتوقعة للمواطن العادي على الأقل، لكنها مفهومة لشاعر مثقف يدرك عوامل نصر الشعوب وهزيمتها على السواء، ومن هذا الإدراك تولَّد غضب الشاعر…!

لعلَّ مواطني كل من مصر وسورية، من أكثر العرب تأثرًا؛ إذ كان هؤلاء المواطنون غارقين -حتى غررهم- بالشعارات والأوهام التي زرعها صوت المذيع المصري “أحمد سعيد”، من خلال إذاعة صوت العرب، على مدى أربعة عشر عامًا، ثم اختفى مع حلول الهزيمة، ما يذكِّر -أيضًا- بتصريحات السيد “محمد سعيد الصحاف” وزير الخارجية والإعلام العراقي، في عهد الرئيس السابق صدام حسين، وقد أدار الحرب الإعلامية، خلال الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، ولم يكن من المطلوبين بعد سقوط النظام؛ إذ سلَّم نفسه للقوات الأميركية، وأُطلق سراحه فورًا. أما في سورية، فما روَّج له شباب البعث من شعارات كان أشد صخبًا، وكأن الحياة لم تولد إلا بمجيئهم؛ إذ لعنوا كل من كان قبلهم، حتى أولئك الذين كانوا في مقدمة من طرد المستعمر الفرنسي!

في الكتابة عن نزار قباني محظورات عدَّة، منها أن الكاتب مهما اجتهد فلن يأتي بجديد عن شاعر، قلَّ أنْ عرفت العامة قبل الخاصة مثيلًا له، فحفظت معظم أشعاره، واقتنت كتبه كتحف فنية تزين بيوتها الفقيرة. وقلما أن تجد -أيضًا- شاعرًا غاص شعره الجميل بما يعانيه مجتمعه من آلام التخلف والاستبداد على السواء.

أعود للقصيدة لأقول:

في الدخول إلى عالم نزار شيء من الرهبة، وخشية من انعدام القدرة على تلمس أنفاس روح الشاعر التي لا تراها في ظاهر مفرداته، ومع ذلك فإنني أرى نفسي مغامرًا آمنًا، لأنني -في هذا المقام- لست أكثر من معتذر لنزار عما بدر من جيلنا، وربما من أجيال تتالت بعدنا، لم تكن قدر الثقة التي وضعها نزار قباني، أملًا وأمانة، في أعناقنا، تمامًا كما اعتذر هو لفيروز التي غنت لأجراس القدس، واعتذر وعاد تميم البرغوثي –بعدئذ- ليعارض القصيدتين..

استطاع نزار أن يصوِّر تلك الشعارات والأوهام ببساطة، ويسر وبفنية وشاعرية تناسب موضوعها ومتلقيها:

“إذا خسرنا الحربَ لا غرابهْ..!/ لأننا ندخُلها../ بكلِّ ما يملكُ الشرقيُّ من مواهبِ الخطابه../ بالعنترياتِ التي ما قتلت ذبابهْ”

في تلك القصيدة لم يترك نزار شيئًا، يمت إلى تلك الهزيمة وعواملها بصلة، ولم يقله، فقد عرّى الحاكم والمحكوم على السواء، فالكل يتحمل جزءًا مما جرى. تحدَّث عن السيوف التي هي أطول من القامات، وتحدّث عن الجهل المعشش في الأذهان منذ آلاف الأعوام، وطالب الجميع أنْ يتصلوا بالكتاب والحضارة المعاصرة ثقافة وبناء متناميًا:

“يا أصدقائي:/ جرّبوا أن تكسروا الأبوابْ/ أن تغسلوا أفكاركم، وتغسلوا الأثوابْ.. /

يا أصدقائي: /جربوا أن تقرؤوا كتابْ/ أن تكتبوا كتاب/ أن تزرعوا الحروف والرمَّان والأعنابْ”…

وإذا كان الجهل والتخلُّف قد لفت انتباه الشاعر فإن أمرًا آخر، وجده أشد فتكًا بجسد الأمة وروحها، ذلك الأمر هو الذي يهدر كرامة الإنسان، فيبعده عن قضيته.. إنه ذلك القمع الرهيب الذي يعيشه المواطن العربي على المستويات كافة، القمع الذي تقوده أدوات جاهلة حمقاء. ولا يخفى على نزار أن الحديث عن تلك الأدوات يحتاج إلى منديل تأمين على الحياة، تمامًا كما في حكاياتنا الشعبية عن السلاطين الذين لا يعرفون غير السيف علاجًا لمن يبدي رأيًا لا يروق لحاكم:

“لو أحدٌ يمنحني الأمان/ لو كنت أستطيع أن أقابل السلطان/ قلت له: / يا سيدي السلطان/ كلابك المفترسات مزقت ردائي/ ومخبروك دائمًا ورائي../ عيونهم ورائي../ أنوفهم ورائي../ أقدامهم ورائي../ كالقدر المحتوم، كالقضاء/ يستجوبون زوجتي/ ويكتبون عندهم أسماء أصدقائي../ يا حضرة السلطان/ لأنني اقتربت من أسوارك الصماء/ لأنني حاولت أن أكشفَ عن حزني وعن بلائي.. ضُربت بالحذاء../ أرغمني جندك أن آكل من حذائي/ يا سيدي.. يا سيدي السلطان.. لقد خسرتَ الحرب مرتين/ لأن نصف شعبنا ليس له لسان/ ما قيمة الشعب الذي ليس له لسان؟ /لأنَّ نصف شعبنا../ محاصرٌ كالنمل والجرذان/ في داخل الجدران.. لو أحدٌ يمنحني الأمان/ من عسكر السلطان.. قلت له: /لقد خسرت الحرب مرتين.. لأنك انفصلت عن قضية الإنسان..”.

وإذا كان رئيس الوزراء السوري عام 1962 بشير العظمة، قد ألف كتابًا عن فشل، لا ساسة أيام زمان فحسب، بل عن جيل بأكمله؛ إذ نشره عام 1991 تحت اسم: (جيل الهزيمة..) وقد جاء في مقدَّمة الأديب عبد الرحمن منيف له ما يلي: إنَّ كتاب جيل الهزيمة “يفتح أعيننا على الهوة التي نقف عند أطرافها، وقد نسقط فيها إذا بقينا سادرين في ظل الطمأنينة الكاذبة التي تخيم علينا، إذا لم نبادر إلى فعل شيء ما”.

كذلك فإن نزار قباني وضع بعض اللوم على الجيل كله، إذ قطع كل أمل فيه، فأناط النصر المنتظر بالأطفال الذين يراهم لا يزالون طيبين غير فاسدين، فهو وجيله يائسون خائبون غير قادرين على استرداد ما أهدره الحكام:

يا أيها الأطفال أنتم، بعد، طيبون/ وطاهرون، كالندى والثلج، طاهرون/ لا تقرؤوا عن جيلنا المهزوم يا أطفال/ فنحن خائبون../ ونحن، مثل قشرة البطيخ، تافهون/ ونحن منخورون.. منخورون.. كالنعال/ لا تقرؤوا أخبارنا/ لا تقتفوا آثارنا/ لا تقبلوا أفكارنا.. / يا أيها الأطفال:

يا مطر الربيع.. يا سنابل الآمال/ أنتم بذور الخصب في حياتنا العقيمه/ وأنتم الجيل الذي سيهزم الهزيمه..”.

ترى ماذا لو قام نزار اليوم من موته، ورأى ما يحدث لدمشق، فهل تراه سيجد المفردات التي يمكن أن تكفي غضبه وانفعاله أم إن المفاجأة ستعيده من حيث قام؟!

مقالات ذات صلة

إغلاق