تحقيقات وتقارير سياسية

هل الثورة هي المسؤولة؟

الواقع الحالي لسورية، في مختلف الجوانب والمجالات، مغايرٌ جدًا لكل التوقعات والاحتمالات التي وردت في حساب الثوار والشعب، عند تفجير الثورة.

واجه السوريون نظامًا عاتيًا، قام على ركيزة الأمن والعنف وإعدام الحرية، ونام طويلًا على واقع إخضاع الشعب بالقوة، واعتقدَ جازمًا أن المزيد من العنف سيقضي على أي صوت معارض، وأن تلك الهبّات الشعبية مآلها الانتهاء، حين يُكشّر عن أنيابه الدموية، وكانت تقارير أجهزته الأمنية، وحساباته تقوم على هذا الأساس؛ لذلك لم يكن غريبًا ادعاء النظام بأن سورية، ويقصد بها سوريته التي رتّبها عبر العقود، ليست تونس ولا مصر ولا غيرها، لذلك، وبدلًا من الاستجابة لبعض المطالب الإصلاحية، كان العنف نهجًا وقرارًا ورهانًا وحيدًا، وقد عبّر بجلاء أحدُ المعارضين، حين أشار إليه البعضُ بكتابة وجهة نظره الناصحة والمحذرة من مخاطر الحل الأمني التي تضمنت عددًا من الاقتراحات الإصلاحية التي ألقيت في سلة المهملات، عبّر عن أن هذا النظام يريد الناس مجرد أُجراء، ولا يمكن أن يتعامل معهم كشركاء، ولو بنسبة صغيرة.

طبيعة النظام الأقلوية -والأقلوية هنا تتجاوز البنى الطائفية إلى غيرها- معاديةٌ تمامًا لأيّ أفكار تشاركية، أو إصلاحات جديّة، وترى فيها خطرًا على النظام، لذلك لا تملك سوى نتاجها الوحيد: القمع ورهان العنف والقوة. وقد عبّرت مستشارة رأس النظام عن ذلك، في أول توصيف لها للثورة، بأنها فتنة، وكرر رأس النظام المقولة معتبرًا ما يجري فتنة ومؤامرة. أي عملًا غير وطني، يستهدف النظام؛ ولذلك يجب سحقه بكل وسائل القوة العنفية التي امتاز بها، وامتلك خبرات متراكمة، منذ أيام الأب الطاغية، وواصلها وريثه. وظلّت مجزرة حماة، بالنسبة للعقل السائد في النظام وأجهزته الأمنية، “دروس حماة”، شباط/ فبراير 1982، حين جرى تدمير المدينة وقتل عشرات الآلاف من المواطنين، تحت شعار تمرد مجموعات تابعة للإخوان المسلمين، ومحاولاتها السيطرة على المدينة.

البداية من هنا.. من ردّ النظام على تظاهرات الشعب السلمية، بذلك العنف المنفلت من أي عقال، العنف الذي وضع الثورة أمام خيارات صعبة، اضطرها، دفاعًا عن النفس، إلى حمل السلاح، خاصة بعد تكاثر حالات انشقاق الضباط والعسكريين الذين رفضوا توجيه السلاح إلى صدور أهلهم، ووجدوا من واجبهم حماية المتظاهرين، وردع جبروت النظام القاتل.

إن ولوج التسلح أدّى إلى مجموعة نتائج كبيرة، ومغايرة لما مارسته الثورة أشهرًا من العمل السلمي، وأهمها:

1- اضمحلال، فغياب الطابع السلمي على حساب العَسكرة بكل منتجاتها، وطبيعتها.

2- إضعاف السياسي على حساب العسكري، وبدء تهميش وغياب الهيئات الثورية التي نهضت على عجالة، كالتنسيقيات، والحراك الثوري وغيرهما، ومعها القوى السياسية التقليدية التي التحقت بالثورة، ووصل كثيرها إلى مواقع قيادية في المجلس الوطني، وهيئة التنسيق، ثم في الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة.

3- إن العفوية في انتشار ظاهرة العَسكرة، وافتقار الثورة، بالأساس، إلى قيادة ثورية من صلبها، أو سياسية تقود مجمل الأنشطة المتعلقة بالثورة ضمن برنامج موحد، العسكرية منها والسياسية والثورية والمدنية وغيرها، أنتجت معطيات بدت جبّرية، وعرفت تطورات وموضعات، بدت كأنها تأخذ الثورة إلى مسارب أخرى بعيدة عن أصولها وأهدافها، ومن ذلك:

آ – الحاجة الكبرى للتمويل الذي لا يمكن لأي عوامل ذاتية أن تلبي احتياجات ضخمة، متصاعدة، الأمر الذي أفسح في المجال للجوء إلى الدول الشقيقة والصديقة طلبًا لعونها، وبدورها عملت منفردة، ووفق أجندات ومصالح كل منها، وتطورت هذه العملية إلى خضوع جلّ الفصائل للجهة الممولة، وإيجاد عوامل جديدة للتصارع، والخلاف.

ب – تعدد الفصائل إلى درجة مذهلة وتجاوزها المئات في فترة من الفترات، بما فيها الفصائل التي نجحت في حشد أعداد كبيرة، وتلك التي لا تضمّ العشرات، وبعضها ورقي، وانتفاعي.

ج – بروز ظواهر تجار الحروب، وأمراء الحرب، ونهج المغانم، والتجاوزات التي لا وجود لقيادة مركزية تضبطها.

د – استحالة بناء جيش وطني حر بقيادة سياسية موحدة، أو وحدة تلك الفصائل بصيغة من الصيغ، ولا حتى النجاح في إيجاد توافقات بينها، أو غرف عمليات مشتركة دائمة، وخطط عمليات مبرمجة.

ه – فتح الأبواب على مصاريعها لشتى أنواع التدخلات من هذا الباب الذي كان يلتقي مع الأبواب الكبيرة المفتوحة التي دشّنها النظام مبكرًا مع إيران والمليشيات الطائفية التي استقدمها، وما حملته من مؤثرات ونتائج لحرف الثورة عن خطها، ومحاولات الوقوع في حرب أهلية بطابع مذهبي.

4- لقد نجح النظام الذي كان دوره مؤثرًا وفاعلًا في جرجرة الثورة إلى ميدان الصراع العسكري بواقع اختلال جميع المعطيات لصالحه، ونقصد بها بدءًا ما يتعلق بتوفر قيادة مركزية لديه، وجيش نظامي موحد، وحلفاء يمدّونه بكل وسائل الدعم.

خلال زمن قصير، سيطر العسكري على كل شيء، وهو ما أراده النظام لتصوير الأمر على أنه صراع عسكري بين دولة ومتمردين عليها، ثم تغليفه بالاقتتال المذهبي، وهُمّشت المؤسسات السياسية المفصولة عن الفصائل، وما يجري على الأرض وقد ازدادت شقة التباينات حول سبل تحقيق الهدف، وهل هو عسكري بحت، أم سياسي فقط، أم الاثنين معًا؟

5- حتى مطلع عام 2013، كان النظام يتهاوى تحت ضغط وفعل العمل القتالي من قبل القوى المعارضة التي تحمل رايات الجيش الحر، حتى كان التدخل العلني الواسع لإيران وميليشياتها الطائفية، وكانت معارك القصير نقطة تحول متلاحقة.

رغم ذلك لم تستطع إيران حسم الصراع لصالحها، على العكس تقدّمت المعارضة المسلحة في جبهات كثيرة مهمة، مهددة قوات النظام بالانهيار؛ الأمر الذي استدعى دخول روسيا، كقوة احتلال، بكل ترسانتها الحربية المتفوقة، وصولًا لمعركة حلب ونتائجها، ومفاعلاتها.

عبر هذا المسار الذي فرض على الثورة، والذي أنتج عددًا من الظواهر السلبية الطبيعية والقهرية والوافدة، فإن المحسوبين على أنهم أصدقاء الشعب السوري، وعلى رأسهم الإدارة الأميركية وما تمثله من قوة ساحقة، لم يُقدّموا العون اللازم لحسم الصراع مع النظام وإنهائه عسكريًا، وكان هذا متاحًا قبل عامين على أبعد تقدير؛ الأمر الذي يعني التواطؤ لإبقاء النزيف السوري الغزير مستمرًا، بكل ما يحمله على الأرض من وقائع بقتل آلاف السوريين، وتدمير البنى التحتية، وحركة النزوح واللجوء والهجرة، وعمليات التهجير القسري، والتغيير الديمغرافي، وصولًا إلى فرض مناطق نفوذ متفق على مرتسمات بعضها، ويتم الصراع والاقتتال على غيرها.

في الوقت نفسه، لم تضع تلك الدول الخارجية ثقلها لفرض حل سياسي، كان يمكن أن يوقف هذه المقتلة منذ سنوات، ويوفر شروط الانتقال السلمي لنظام تعددي وفق قرارات الشرعية الدولية.

هذه اللوحة التراجيدية لم تكن نتاج الثورة ولا غايتها، بل هي الاختلاط المريع بين دور النظام ومسؤوليته في دفع الأمور إلى هذا المستوى، والقوى الخارجية التي وجدت البيئة الصالحة لتنفيذ مشاريعها، و”إسرائيل” حاضرة دومًا، والبصمة الصهيونية واضحة، والمشروع الإيراني الراكب على المذهبية، وما تفعله يتغلغل في الجسد السوري والعربي.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق