ترجمات

صحيفة فزغلياد: الصراع على التركة السورية

 

يبدو أنَّ الحرب الأهلية في سورية تقترب من مراحلها الأخيرة؛ فقد أصبح من الواضح للجميع، أنَّ القضاء على آخر معاقل تنظيم (الدولة الإسلامية) هو مسألة وقتٍ لا غير، وأنَّ خرائط الاتفاقات السياسية تتعلَّق الآن بدرجةٍ كبيرة بمحادثات ما يسمِّى مناطق خفض التصعيد. “بدأ كلُّ اللاعبين بتسخير قواهم وإمكاناتهم للحصول على قطعة من سورية، بعد الانتصار على تنظيم (الدولة الإسلامية)”.

إذا ما صدَّقنا وكالة (انترفاكس)؛ فإنَّ منطقتَين من مناطق “خفض التصعيد” الأربع قد تمَّ تحديدها بالفعل. وتدخل ضمن هذه المناطق الغوطة الشرقية ومساحاتٍ في محافظة حمص. في الشمال والجنوب الوضع أكثر تعقيدًا، حيث يصارع الأتراك من أجل السيطرة على المناطق الملاصقة لحدودهم، ولـ “إسرائيل” وللأردن مصالح معروفة في محافظة درعا الجنوبية المجاورة لهما.

وبشكلٍ عام، بدأ جميع اللاعبين تجربة قواهم وإمكاناتهم للحصول على قطعة من الكعكة السورية، بعد الانتصار على تنظيم (الدولة الإسلامية)، ويمكن ألّا يكون صدام المصالح الإمبريالية أقلَّ دمويَّة من الحرب على الخلافة المزعومة.

إيران بحاجةٍ إلى ممرٍّ إلى البحر الأبيض المتوسط، عبر سورية والعراق (الذي يقع على مشارف الانهيار أيضًا). أمَّا (إسرائيل) فتعمل على منع إيران من الحصول على هذا الممرّ، وكذلك على منع وصول (حزب الله) إلى هضبة الجولان. الأتراك بحاجةٍ إلى شمال سورية، لمنع تشكيل دولةٍ كرديَّةٍ على حدودها مع سورية. يهتمُّ الأميركيون بأن تصبح (قوات سورية الديمقراطية) الموالية لها متفوِّقةً على جيش الأسد، وتعمل على عدم توقّف حرب الجميع على الجميع. روسيا من جانبها، تدعو إلى الحفاظ على وحدة البلاد، بأيِّ صورة كانت، بما في ذلك الاتفاق على الفيدرالية مع الأكراد الموالين للولايا ت المتحدة الأميركية.

تقوم القوات الحكومية السورية بتطوير هجوم ٍ ناجحٍ بدرجة مقبولة، انطلاقًا من تدمر المحرَّرة للمرة الثانية باتجاه دير الزور المحاصرة؛ وإن نجحت هذه المناورة، فإنَّ القوات السورية تكون قد نجحت باستعادة سيطرتها على مناطق البلاد الوسطى، على كامل امتداد المساحة من الحدود العراقية، وصولًا إلى الحدود اللبنانية؛ وهذا يعني أنَّ المناطق الخارجة عن سيطرة الحكومة المركزية في الشمال والجنوب ستكون معزولةً عن بعضها البعض.

يبدو أنَّ هذه المناورة التي يقوم بها الجيش الحكومي السوري تقلق قيادةَ الولايات المتحدة الأميركية؛ تُذكِّر هذه الاندفاعة، بشكلٍ ما، بالإنزال المظلّي الذي قامت به روسيا في مطار بريشتينا عام 1999. هذا الوضع يستوجب ردًا من جانب الولايات المتحدة الأميركية؛ ولهذا، أعلن البيت الأبيض، فجأةً، في السابع والعشرين من حزيران، أنَّه يمتلك معطياتٍ تشير إلى استعداداتٍ يقوم بها بشار الأسد (الأمر الذي لم يتمّ إثباته) للقيام بهجومٍ كيماويٍّ، يمكن أن يؤدي إلى ضحايا كثُر بين المدنيين الأبرياء. يهدِّد الأميركيون الرئيسَ السوريّ بدفع “ثمنٍ باهظ”، في حال قيامه بالهجوم.

على السؤال المتوقَّع: ما هي أدلَّتكم؟ يعطي الجانب الأميركي جوابًا متوقَّعًا أيضًا. قالت المتحدث الرسمي لوزارة الخارجية هيذر ناورت إنَّ واشنطن لا تنوي الإفصاح عن شيءٍ محدَّدٍ عن الأسلحة الكيماوية، ولن تقدِّم أيَّ دليل.

على إثر التصريحات الناريّة التي أطلقها البيت الأبيض، شرَّع رجب طيب اردوغان أسلحته أيضًا؛ الأمر الذي يغيظه هو الدعمُ الأميركي لـ “قوات سورية الديمقراطية” الكردية، وكذلك النجاحات التي حققها هذا التحالف. يهدِّد أردوغان بالقيام بعمليّةٍ في الشمال السوري، حيث يدور الحديث هذه المرّة عن دخول فرق تركية إلى محافظة إدلب الحدودية السورية.

على صعيدٍ آخر، الوضع في الجنوب السوري أكثر قابليَّةٍ للانفجار، ففي نهاية الأسبوع الماضي وبداية الأسبوع الحالي، شنّ جيش الدفاع الإسرائيلي عدَّة ضرباتٍ متتالية على مواقع الجيش السوري والميليشيات المساندة له. الفرضية التي تقول إنَّ الجيش الإسرائيلي يقوم بدعم الجهاديين في جنوب سورية، فرضيَّةٌ غير صحيحة؛ فالأمر لا يتعلَّق بدعم الإرهابيين، بل يرتبط بمصالح أنانيةٍ قوميَّة باردة، وينطبق على كلِّ الأطراف المنخرطة في الحرب للحصول على حصَّةٍ من “التركة السورية”.

لا تستبعد وكالة (سبوتنيك) الروسية أن يكون التصعيد الذي تقوم به “الآلة العسكرية” الإسرائيلية، مرتبطًا بالتصريحات الأخيرة التي أدلى بها سعيد هاشم موسوي، الناطق الإعلامي باسم مجموعة (حركة حزب الله – النجباء) الشيعية العراقية، المدعومة من قبل فيلق “حرّاس الثورة الإسلامية الإيرانية”. وبحسب ما قاله الموسوي، فإنَّ قوات الحرس الثوري الإيراني والميليشيات العراقية الموالية لإيران مستعدَّةٌ لاختراق هضبة الجولان، وهم بانتظار إشارةٍ من طهران وطلبٍ من دمشق وحسب. تقول عدَّة مصادر إنَّ الميليشيات المذكورة موجودةٌ بالفعل في مواقع قريبة من هضبة الجولان، وإذا كانت هذه الأنباء صحيحة، فإنَّ مخاوف (إسرائيل) ليست بلا أساس، خاصَّةً أنَّه لم يتَّضح بعد كيف سيكون اصطفاف القوى بعد هزيمة تنظيم القوى في سورية.

ثمة مسألةٌ أخرى تزيد الوضع تعقيدًا، تتمثَّل بـ (حزب الله) الذي زاد في الآونة الأخيرة من وجوده في المناطق السورية من محافظة درعا الملاصقة مع هضبة الجولان. يعقِّد (حزب الله) العمليةَ السياسيّة، خاصّةً لأنَّ (إسرائيل) تعتبره منظمةً إرهابية، بينما بالنسبة لروسيا ولإيران بدرجةٍ أكبر، فيُعدّ حليفًا شرعيًّا، يتواجد في سورية، بدعوةٍ من السلطات الرسمية هناك.

أدرك الجميع أنَّ إدارة أوباما التي تسببت عمليًا بظهور الربيع العربي وأوجدت تنظيم (الدولة الإسلامية)، قد تجاهلت (إسرائيل). ولكنَّ الوضع مختلفٌ مع إدارة ترامب الذي وصل إلى السلطة، بدعمٍ واسع من اللوبي اليهودي المحافظ؛ ولهذا، أصبح التهديد من جانب إيران وحليفها (حزب الله) على أولويَّات تل أبيب. وينطبق الأمر نفسه بالنسبة لحركة (حماس) الفلسطينية، أي “الإخوان المسلمين” الذين بسببهم دعمت (إسرائيل) “هجوم” دول الخليج الأُخرى على قطر.

ولهذا ترى (إسرائيل)، أنَّ المسار الأكثر ضمانًا بالنسبة لها يبقى الطريقة القديمة المجرَّبة، وهو تأليب العرب بعضهم على بعض، في هذه الحالة توجيه الضربة إلى المنتصرين، لتعديل الحظوظ وإطالة أمد الحرب بين الشيعة والسنَّة، تلك الحرب التي تضمن أمن (إسرائيل) بشكلٍ ما.

بالإضافة إلى ذلك، لا ننسى وجود “طابور خامس” كبير في الدولة “اليهودية” نفسها، طابور يدعم أيَّ عملٍ يقوم به (حزب الله) باتجاه هضبة الجولان في منتجع (نازاريت) الإسرائيلي الذي تقطنه غالبية عربية يسود الهدوء، ولكنَّ الإسرائيليين العرب ينتظرون، على ما يبدو، اللحظةَ المناسبة. ويردِّد العرب الذين يعملون في قطاع البناء في (إسرائيل) مقولةً متداولة “نحن نبني لأنفسنا”.

إذا صحَّت الأنباء التي تتداولها وسائل الإعلام الإسرائيلية واللبنانية، عن إقامة روسيا قاعدة عسكريّة في جنوب سورية، على بعد 85 كم من هضبة الجولان، فإنَّ ذلك مرتبطٌ بحاجة الوضع، في تلك المنطقة في أيِّ لحظة، إلى تدخلٍ لإحلال السلام هناك.

معركة “التركة السورية” تبدأ، في حين لدى كلّ طرف من الأطراف المشاركة في النزاع السوري أجندته الخاصّة التي تختلف عن أجندة البقية. فهل يستطيع اللاعبون الجدد تقويم قواهم بشكلٍ واقعيّ، وتقاسم مناطق التأثير، أو أنَّهم سيقدرون قواهم بأكثر ما هي عليه بالفعل، ليتحوّل الوضع الذي يقف على حافَّة الانفجار إلى حربٍ كبرى؟. هذا السؤال يتعلَّق بالشعور بمسؤولية السياسيين عن حياة مئات الآلاف من البشر.

 

اسم المقالة الأصليВойна за сирийское наследство
كاتب المقالةبافل فولكوف
مكان وتاريخ النشر صحيفة فزغلياد. 29 حزيران 2017
رابط المقالةhttps://www.vz.ru/opinions/2017/6/29/876636.html

 

ترجمةسمير رمان

مقالات ذات صلة

إغلاق