ترجمات

نيو يورك تايمز: الدولة الإسلامية لم تمت بعد

يمثل تحرير الموصل -عاصمة الأمر الواقع للدولة الإسلامية في العراق- نقطةَ تحولٍ في الحرب ضد أخطر جماعةٍ إرهابية في العالم. لم تعدْ (داعش)، كما هي معروفة بـ “الدولة الإسلامية” في كافة أنحاء الشرق الأوسط، تسيطر على مساحةٍ كبيرة في العراق يمكن أن تؤوي مقاتلين أجانب، أو تستثمر منها موارد مثل النفط.

وسرديتها الأساسية -وهي بناء دولةٍ فعلية- في حالة يرثى لها. ولكن بينما سيكون لإدارة ترامب الحقُّ في أن تحتفل بنهاية الخلافة كما نعرفها، فمن السابق لأوانه أن تشعر بالراحة، وخاصةً في ظل عدم وجود استراتيجيةٍ لليوم التالي بعد (داعش).

منذ خمسة عشر عامًا، في بداية عهد الرئيس جورج دبليو بوش، وقبل غزو العراق، أثار آنذاك أعضاء مجلس الشيوخ جو بايدن، وريتشارد لوغار قلقًا غائبًا، وبتبصر: “عندما سيرحل صدام حسين، ما هي مسؤولياتنا؟ هذه المسألة لم تُبحث أو تدرس، لكن تبين أنها يمكن أن تكون الأكثر أهمية”.

ظلَّتْ “الدولة الإسلامية” بدلًا من “صدام حسين”، والقضية التي طرحوها تحتفظ بأهميةٍ شديدة اليوم. حتى عندما تهزم “الدولة الإسلامية” عسكريًا، فإن الشروط السياسية والاقتصادية التي سهلّت أو يسّرت صعودها -والتي انطلقت جزئيًا قبل غزو العراق عام 2003- ستستمر في التفاقم. كيف، بعد ذلك، أنْ نضمن بأن تبقى (داعش) مهزومة؟

الأكثر إلحاحًا هو مسعى مدعم بالموارد لتحقيق استقرار، وأمن، وحكم، المدن المحررة، وإعادة بنائها، بحيث يتمكن النازحون من العودة لبيوتهم بأمان.

الخبر السار هو أنَّ تحالفًا من 68 دولة، تقوده الولايات المتحدة لمحاربة “الدولة الإسلامية” قد أثار جمع الأموال اللازمة، للبدء في هذه العملية من خلال الأمم المتحدة. يوجد خطةً مماثلة لسورية. لكنَّ الحرب الأهلية الجارية هناك ستجعل من تنفيذ هذا تحديًّا، كما يتضح من بطء عملية إعادة الحياة إلى مدينة الطبقة التي تحررت منذ شهرين، وهي بوابة الرقة -عاصمة الدولة الإسلامية- في سورية.

التحدي الأكبر هو ما سيأتي بعد ذلك. خمسة وعشرون مليون، من المسلمين السنة، يعيشون بين بغداد ودمشق، وهم يشعرون بالاغتراب عن حكوماتهم، وما لم يقتنعوا بأنّ دولتهم ستحميهم ولن تضطهدهم؛ فإن الدولة الإسلامية (الثانية) سوف تجد الكثيرَ من المجندين والمؤيدين الجدد.

يقدّم العراق أفضل الفرص للنجاح، لكن قادته هم أكثر عرضةً لإدامة الظروف التي توصل إلى التطرف العنيف، كما أنَّ الدول المجاورة للعراق سوف تصطف خلف الطائفة التي يدعمونها، معززين عقلية عقيمة في العراق نفسه.

وهنا يأتي دور الدبلوماسية الأميركية. لا يمكن للولايات المتحدة أن تملي النتائج على العراق الذي يتمتع بالسيادة، لكنها يمكن أن تدعم، وتحفز وتعبئ هؤلاء المستعدين لنقل العراق في الاتجاه الصحيح.

وهذا يبدأ بدعم ما يدعو إليه رئيس الوزراء العراقي، حيدر العبادي، بتفعيل الفيدرالية أي إعطاء العراقيين على مستوى المحافظات المسؤولية والموارد اللازمة، لتوفير أمنهم وخدماتهم ومدارسهم، وتسيير حياتهم اليومية.

هذا هو أفضل وسيلة لإقناع السنة بأن مستقبلهم هو ضمن العراق، وليس مع دولةٍ إسلامية جديدة. يعارض السنة في العراق الفيدرالية لصالح حكومة مركزية قوية. ويتبنون هذه الفكرة على نحوٍ متزايد.

يدعم الدستور العراقي اللامركزية، ولكنه لم يضعها بعدُ حيّز التنفيذ. البعض ضمن الطائفة الشيعية، تحفزهم إيران، سيصرون على الاحتفاظ بمكاسب حكم الأغلبية، والحفاظ على الهيمنة على بغداد ليتحكموا بالسنة.

تبدأ إعادة الحياة للفيدرالية بتنفيذ فعال، بوضع الميليشيات في العراق، والمعروفة باسم قوات “الحشد الشعبي” الشيعية، تحت القانون. يجب أن توضع تلك الوحدات تحت سيطرة الدولة، وأن تُبعدَ عن السياسة، وعن المناطق السنية.

لا بد للدولة في العراق من أن تحافظ على دفع رواتب وحدات “الحشد الشعبي” السنية التي اشتركت في القتال ضد “تنظيم الدولة الإسلامية”، وأن تفترض مسؤولية تأمين أراضيهم الخاصة. يجب أن تؤكد بغداد أنها لن تحرم المناطق السنية من المشاريع الاستثمارية، ومشاريع البنية التحتية الكبرى.

وفي الوقت نفسه، ينبغي على إدارة ترامب أن تستخدم العلاقات القوية التي بنتها مع جيران العرب السنة في العراق، للضغط عليهم ليشتركوا مع بغداد، ويدفعوا بتكامل العراق الإقليمي للأمام، وهذا من شأنه أن يضفي الاعتدال على طموحات المجتمع السني.

غيابهم عن العراق ترك فراغًا لإيران حتى تملأه، كما أنَّ دعمهم غير المشروط، لكل مطالب السنة، يغذي الطائفية التي تقوي إيران أكثر من بغداد، وتخاطر بتمزيق العراق.

تشكل الطموحات الكردية تحديًا عنيفًا وبالمثل لاستقرار العراق. الزعيم الكردي في المنطقة، مسعود بارزاني، دعا إلى إجراء استفتاءٍ حول الاستقلال في أيلول/ سبتمبر.

وفي الوقت نفسه، استفاد الأكراد من الحرب ضد “الدولة الإسلامية”، بالسيطرة على 70 في المئة من الأراضي في شمال العراق التي كانت في وضع تنازعٍ بين العرب والأكراد، ويبدو أنهم ميالون لئلا يتخلوا عنها. الاستقلال الكردي هو حلم قوي، والسيد البرزاني يرى تحقيقه باعتباره جوهر شرعيته.

لكن التحرك بسرعة كبيرة سيُغضب كلًّا من بغداد والسنة، فضلًا عن تركيا وإيران. إذا بقيت أسعار النفط منخفضة، وسوف يتم الضغط على الأكراد بقسوة ليصبحوا مكتفيين ذاتيًا.

وهنا أيضًا، ينبغي على الولايات المتحدة أن تستأنف دورها كوسيطٍ نزيه. هناك اتفاق لا بدَّ من إجراءه، بحيث يُعطى الأكراد السيطرة على النفط في منطقتهم، على أن تبقى القوات الاتحادية بعيدًا، ويبدأ التفاوض على المسؤولية المشتركة حول المدينة المتنازع عليها، والغنية بالنفط، كركوك. وهذا لن يحدث من تلقاء نفسه.

سؤالٌ أخير: عما إذا كان ينبغي أن يبقى وجود عسكري للولايات المتحدة في العراق، للمساعدة في ألا تعود “الدولة الإسلامية” للظهور من جديد؟

عَكسَ رحيل أميركا، في نهاية عام 2011، الواقعَ بعد ذلك، حيث كان معظم العراقيين ببساطة يريدون منا أن نرحل. والآن، بينما يستيقظ العراق من كابوس (داعش)، قد يكون هناك شهية أكبر للحفاظ على بعض الأميركيين هناك لتدريب القوات العراقية وتمكينها، وتقديم المعلومات الاستخباراتية المناهضة للإرهاب، ولكن ينبغي ألا تشترك تلك القوات في المعركة. كيف ستقود إدارة ترامب حقل الألغام السياسي. إنه اختبارٌ حاسم آخر لاستراتيجيتها.

 

 

 

اسم المقال الأصليThe Islamic State Is Not Dead Yet
الكاتبأنتوني ج. بلينكين، Antony J. Blinken
مكان النشر وتاريخهنيو يورك تايمز، The New York Times، 9/7
رابط المقالhttps://www.nytimes.com/2017/07/09/opinion/islamic-state-mosul-iraq-strategy.html
ترجمةأحمد عيشة

مقالات ذات صلة

إغلاق